روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأٓتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا} (14)

{ وَلَوْ دُخِلَتْ } أي البيوت كما هو الظاهر { عَلَيْهِمْ } أي على هؤلاء القائلين ، وأسند الدخول إلى بيوتهم وأوقع عليهم لما أن المراد فرض دخولها وهم فيها لا فرض دخولها مطلقاً كما هو المفهوم لو لم يذكر الجار والمجرور ولا فرض الدخول عليهم مطلقاً كما هو المفهوم لو أسند إلى الجار والمجرور وفاعل الدخول الداخل من أهل الفساد من كان أي لو دخل كل من أراد الدخول من أهل الدعاءة والفساد بيوتهم وهم فيها { مّنْ أَقْطَارِهَا } جمع قطر بمعنى الناحية والجانب ويقال قتر بالتاء لغة فيه أي من جميع جوانبها وذلك بأن تكون مختلة بالكلية وهذا داخل في المفروض فلا يخالف قوله تعالى : { وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ } [ الأحزاب : 13 ] { ثُمَّ سُئِلُواْ } أي طلب منهم من جهة طائفة أخرى عند تلك النازلة والرجفة الهائلة { الْفتْنَةَ } أي القتال كما قال الضحاك { لأَتَوْهَا } أي لأعطوها أولئك السائلين كأنه شبه الفتنة المطلوب اتباعهم فيها بأمر نفيس يطلب منهم بذله ونزل إطاعتهم واتباعهم بمنزلة بذلك ما سئلوه وإعطائه . وقرأ نافع . وابن كثير { لاَتَوْهَا } بالقصر أي لفعلوها { وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا } أي بالفتنة ، والباء للتعدية أي ما لبثوها وما أخروها { إِلاَّ يَسِيراً } أي إلا تلبثاً يسير أو إلا زماناً يسير وهو مقدار ما يأخذون فيه سلاحهم على ما قيل ، وقيل : مقدار ما يجيبون السؤال فيه ، وكلاهما عندي من باب التمثيل ، والمراد أنهم لو سألهم غيرك القتال وهم في أشد حال وأعظم بلبال لأسرعوا جداً فضلاً عن التعلل باختلال البيوت مع سلامتها كما فعلوا الآن . والحاصل أن طلبهم الإذن في الرجوع ليس لاختلال بيوتهم بل لنفاقهم وكراهتهم نصرتك ، وقال ابن عظية : المعنى ولو دخلت المدينة من أقطارها واشتد الحرب الحقيقي ثم سئلوا الفتنة والحرب لمحمد صلى الله عليه وسلم لطاروا إليها ولم يتلبثوا في بيوتهم لحفظها إلا يسيراً قيل قدر ما يأخذون سلاحهم انتهى ، فضمير { دَخَلَتْ } عنده عائد على المدينة وباء { بِهَا } للظرفية كما هو ظاهر كلامه ، وجوز أن تكون سببية والمعنى على تقدير مضاف أي ولم يتلبثوا بسبب حفظها » وقيل : يجوز أن تكون للملابسة أيضاً ، والضمير على كل تقدير للبيوت وفيه تفكيك الضمائر .

وعن الحسن . ومجاهد . وقتادة { الفتنة } الشرك . وفي معناه ما قيل : هي الردة والرجوع إلى إظهار الكفر ، وجعل بعضهم ضميري { دَخَلَتْ } للمدينة وزعم أن المعنى ولو دخلت المدينة عليهم من جميع جوانبها ثم سئلوا الرجوع إلى إظهار الكفر والشرك لفعلوا وما لبثوا بالمدينة بعد إظهار كفرهم إلا يسيراً فإن الله تعالى يهلكهم أو يخرجهم بالمؤمنين ، وقيل : ضمير { كُلَّمَا دَخَلَتْ } للبيوت أو للمدينة وضمير { بِهَا } للفتنة بمعنى الشرك والباء للتعدية ، والمعنى ولو دخلت عليهم ثم سئلوا الشرك لأشركوا وما أخروه إلا يسيراً ، وقريب منه قول قتادة أي لو دخلت عليهم ثم سئلوا الشرك لأعطوه طيبة به أنفسهم وما تحبسوا به إلا يسيراً ، وجوز أن تكون الباء لغير ذلك ، وقيل : فاعل الدخول أولئك العساكر المتحزبة ، والوجوه المحتملة في الآية كثيرة كما لا يخفى على من له أدنى تأمل ، وما ذكرناه أولاً هو الأظهر فيما أرى .

وقرأ الحسن { سولوا } بواو ساكنة بعد السين المضمومة قالوا : وهي من سال يسال كخاف يخاف لغة في سأل المهموز العني ، وحكى أبو زيد هما يتساولان ، وقال أبو حيان : ويجوز أن يكون أصلها الهمزة لأنه يجوز أن يكون سولوا على قول من يقول في ضرب مبنياً للمفعول ضرب ثم سهل الهمزة بإبدالها واواً على قول من قال في بؤس بوس بإبدال الهمزة واواً لضم ما قبلها . وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو . والأعمش { سيلوا } بكسر السين من غير همزة نحو قيل : وقرأ مجاهد { سيلوا } بواو ساكنة بعد السين المضمومة وياء مكسورة بدلاً من الهمزة .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأٓتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا} (14)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ولو دخلت عليهم المدينة من نواحيها يعني نواحي المدينة {ثم سئلوا الفتنة} يعني الشرك.

{لآتوها} لأعطوها عفوا: لو أن الأحزاب دخلوا المدينة، ثم أمروهم بالشرك لأشركوا.

{وما تلبثوا بها إلا يسيرا}: ما تحسبوا بالشرك إلا قليلا حتى يعطوا طائعين.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وقوله:"وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أقْطارِها" يقول: ولو دخلت المدينة على هؤلاء القائلين "إنّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ ""من أقطارها"، يعني: من جوانبها ونواحيها...

وقوله: "ثُمّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ" يقول: ثم سئلوا الرجوع من الإيمان إلى الشرك "لاَتَوْها" يقول: لفعلوا ورجعوا عن الإسلام وأشركوا.

وقوله: "وَما تَلَبّثُوا بها إلاّ يَسِيرا" يقول: وما احتبسوا عن إجابتهم إلى الشرك إلاّ يسيرا قليلاً، ولأسرعوا إلى ذلك...

قال ابن زيد، في قوله "وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أقْطارِها" يقول: لو دخلت المدينة عليهم من نواحيها "ثُمّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها" سئلوا أن يكفروا لكفروا قال: وهؤلاء المنافقون لو دخلت عليهم الجيوش، والذين يريدون قتالهم ثم سئلوا أن يكفروا لكفروا قال: والفتنة: الكفر، وهي التي يقول الله "والفِتْنَةُ أشَدّ مِنَ القَتْلِ" أي الكفر يقول: يحملهم الخوف منهم، وخبث الفتنة التي هم عليها من النفاق على أن يكفروا به.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

إنهم يتعللون بإعوار بيوتهم، ويتمحلون ليفروا عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وعن مصافة الأحزاب الذين ملؤوهم هولاً ورعباً؛ وهؤلاء الأحزاب كما هم، لو كبسوا عليهم أرضهم وديارهم وعرض عليهم الكفر وقيل لهم كونوا على المسلمين، لسارعوا إليه وما تعللوا بشيء، وما ذاك إلا لمقتهم الإسلام. وشدة بغضهم لأهله، وحبهم الكفر وتهالكهم على حزبه.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

إشارة إلى أن ذلك الفرار والرجوع ليس لحفظ البيوت لأن من يفعل فعلا لغرض، فإذا فاته الغرض لا يفعله، كمن يبذل المال لكي لا يؤخذ منه بيته فإذا أخذ منه البيت لا يبذله، فقال الله تعالى هم قالوا بأن رجوعنا عنك لحفظ بيوتنا، ولو دخلها الأحزاب وأخذوها منهم لرجعوا أيضا، وليس رجوعهم عنك إلا بسبب كفرهم وحبهم الفتنة.

{إلا يسيرا} فإنها تزول وتكون العاقبة للمتقين، ويحتمل أن يكون المراد المدينة أو البيوت أي ما تلبثوا بالمدينة إلا يسيرا فإن المؤمنين يخرجونهم.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

عبر بأداة الاستعلاء فقال: {عليهم} إشارة إلى أنه دخول غلبة {من أقطارها} أي جوانبها كلها بحيث لا يكون لهم مكان للهرب.

ولما كان قصد الفرار مع الإحاطة بالدار، من جميع الأقطار، دون الاستقتال للدفع عن الأهل والمال، بعيداً عن أفعال الرجال؛ عبر بأداة التراخي فقال: {ثم سئلوا} أي من أيّ سائل كان {الفتنة} أي الخروج منها فارّين، وكأنه سماه بها لأنه لما كان أشد الفتنة من حيث أنه لا يخرج الإنسان من بيته إلا الموت أو ما يقاربه كان كأنه لا فتنة سواه.

{لأتوها} أي الفتنة بالخروج فراراً، إجابة لسؤال من سألهم مع غلبة الظن بالدخول على صفة الإحاطة أن لا نجاة، فهم أبداً يعولون على الفرار من غير قتال حماية لذمار او دفعاً لعار، أو ذباً عن أهل أو جار، وهذا المعنى ينتظم قراءة أهل الحجاز بالقصر وغيرهم بالمد، فإن من أجاب إلى الفرار فقد أعطى ما كأنه كان في يده منه غلبة وجبناً وقد جاءه وفعله.

ولما كان هذا عند العرب -مع ما لهم من النجدة والخوف من السبة- لا يكاد يصدق، أشار إلى ذلك بتأكيده في زيادة تصويره فقال: {وما تلبثوا بها} أي البيوت {إلا يسيراً} فصح بهذا أنهم لا يقصدون إلا الفرار، لا حفظ البيوت من المضار.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا} أي: ليس لهم منعة ولا تَصلُّبٌ على الدين، بل بمجرد ما تكون الدولة للأعداء، يعطونهم ما طلبوا، ويوافقونهم على كفرهم، هذه حالهم.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ويقف السياق عند هذه اللقطة الفنية المصورة لموقف البلبلة والفزع والمراوغة. يقف ليرسم صورة نفسية لهؤلاء المنافقين والذين في قلوبهم مرض. صورة نفسية داخلية لوهن العقيدة، وخور القلب، والاستعداد للانسلاخ من الصف بمجرد مصادفة غير مبقين على شيء، ولا متجملين لشيءذلك كان شأنهم والأعداء بعد خارج المدينة؛ ولم تقتحم عليهم بعد. ومهما يكن الكرب والفزع، فالخطر المتوقع غير الخطر الواقع، فاما لو وقع واقتحمت عليهم المدينة من أطرافها.. (ثم سئلوا الفتنة لآتوها) سراعا غير متلبثين، ولا مترددين (إلا قليلا) من الوقت، أو إلا قليلا منهم يتلبثون شيئا ما قبل أن يستجيبوا ويستسلموا ويرتدوا كفارا! فهي عقيدة واهنة لا تثبت؛ وهو جبن غامر لا يملكون معه مقاومة!

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

موقع هذه الآية زيادة تقرير لمضمون جملة {وما هي بعورة إنْ يريدون إلا فراراً} [الأحزاب: 13] فإنها لتكذيبهم في إظهارهم التخوف على بيوتهم، ومرادهم خذل المسلمين. ولذلك فالدخول في قوله: {ولو دُخِلت عليهم} هو دخول الغزو فيتعين أن يكون ضمير {دُخلت} عائداً إلى مدينة يثرب لا إلى البيوت من قولهم {إن بيوتنا عورة} [الأحزاب: 13]، والمعنى: لو غُزِيت المدينة من جوانبها الخ... والمعنى: لو دَخلت جيوش الأحزاب المدينة وبقي جيش المسلمين خارجها أي مثلاً، لأن الكلام على الفرض والتقدير، وسأل الجيشُ الداخلُ الفريقَ المستأذنين أن يُلقوا الفتنة في المسلمين بالتفريق والتخذيل لخرجوا لذلك القصد مُسرعين ولم يثبطهم الخوف على بيوتهم أن يدخلها اللصوص أو ينهبها الجيش: إما لأنهم آمنون من أن يلقَوا سوءاً من الجيش الداخل لأنهم أولياء له ومعاونون، فهم منهم وإليهم، وإما لأن كراهتهم الإسلام تجعلهم لا يكترثون بنهب بيوتهم. والاستثناء في قوله {إلا يسيراً} يظهر أنه تهكم بهم فيكون المقصود تأكيد النفي بصورة الاستثناء.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

من المعلوم أنّ أناسا بهذا الضعف والتزلزل وعدم الثبات غير مستعدّين للقاء العدوّ ومحاربته، ولا هم متأهّبون لتقبّل الشهادة في سبيل الله، بل يستسلمون بسرعة ويغيّرون مسيرهم.