{ وَلَمَّا جَاء موسى لميقاتنا } أي لوقتنا الذي وقتناه أي لتمام الأربعين ، واللام للاختصاص كما في قوله سبحانه : { لِدُلُوكِ الشمس } [ الإسراء : 78 ] وهي بمعنى عند عند بعض النحويين { وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } من غير واسطة بحرف وصوت ومع هذا لا يشبه كلام املخلوقين ولا محذور في ذلك كما أوضحناه في الفائدة الرابعة ، وإلى ما ذكر ذهب السلف الصالح ، وقد أخرج البزار . وابن أبي حاتم . وأبو نعيم في الحلية . والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر قال : قال " رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما كلم الله تعالى موسى يوم الطهور كملة بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه فقال له موسى : يا رب أهذا كلامك الذي كلتني به ؟ قال يا موسى : أنا كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها وأقوى من ذلك فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا : يا موسى صف لنا كلام الرحمن ، فقال : لا تستطيعونه ألم تروا إلى صوت الصواعق الذي يقبل في أحلى حلاوة سمعتوه فذاك قريب منه وليس به " . وأخرج ابن المنذر . وابن أبي حاتم . والحاكم وصححه عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية قال : «إنما كلم الله تعالى موسى بقدر ما يطيق من كلامه ولو تكلم بكلامه كله لم يطقه شيء » وأخرج جماعة عن كعب قال : «لما كلم الله تعالى موسى كلمه بالألسنة كلها فجعل يقول : يا رب لا أفهم حتى كلمه آخر الألسنة بلسان بمثل صوته » الخبر ، وأخرجوا عن ابن كعب القرظي أنه قال : قيل لموسى عليه السلام ما شبهت كلام ربك مما خلق ؟ فقال عليه السلام : بالرعد الساكن ، وأخرج الديلمي عن أبي هريرة مرفوعاً لما خرج أخي موسى إلى مناجاة ربه كلمه ألف كلمة ومائتي كلمة فأول ما كلمه بالبربرية ، ونقل عن الأشعري أن موسى عليه السلام إنما سمع الكلام النفسي القائم بذات الله تعالى ولم يكن ما سمعه مختصاً بجهة من الجهات ، وجمله على السماع بالفعل مشكل مع الأخبار الدالة على خلافه ؛ والظاهر أن ذلك إن صح نقله فهو قول رجع عنه إلى مذهب السلف الذي أبان عن اعتقاده له في الإبانة { قَالَ رَبّ أَرِنِى } أي ذاتك أو نفسك فالمفعول الثاني محذوف لأنه معلوم ، ولم يصرح به تأدبا { أَنظُرْ إِلَيْكَ } مجزوم في جواب الدعاء ، واستشكل بأن الرؤية مسببة عن النظر متأخرة عنه كما يريك ذلك النظر إلى قولهم : نظرت إليه فرأيته ، ووجهه أن النظر تقليب الحدقة نحو الشيء التماساً لرؤيته والرؤية الإدراك بالباصرة بعد التلقيب وحينئذ كيف يجعل النظر جواباً لطلب الرؤية مسبباً عنه وهو عكس القضية .
وأجيب بأن المراد بالاراءة ليس إيجاد الرؤية بل التمكن منها مطلقاً أو بالتجلي والظهور وهو مقدم على النظر وسبب له ، ففي الكلام ذكر الملزوم وإرادة اللازم أي مكنى من رؤيتك أو تجل لي فانظر إليك وأراك { قَالَ } استئناف بياني كأنه قيل : فماذا قال رب العزة حين قال موسى عليه السلام ذلك ، فقيل : قال : { لَنْ } أي لا قابلية لك لرؤيتي وأنت على ما أنت عليه ، وهو نفي للإراءة المطلوبة على أتم وجه { تَرَانِى ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ } إستدراك لبيان أنه عليه السلام لا يطيق الرؤية ، والمراد من الجبل طور سيناء كما ورد في غير ما خبر ، وفي تفسير الخازن وغيره أن اسمه زبير بزاي مفتوحة وباء موحدة مكسورة وراء مهملة بوزن أمير { فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ } ولم يفتته التجلي { فَسَوْفَ تَرَانِى } إذا تجليت لك { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } أي ظهر له على الوجه اللائق بجنابه تعالى بعد جعله مدركاً لذلك { جَعَلَهُ دَكّا } أي مدكوكاً متفتتاً ، والدك والدق أخوان كالشك والشق .
وقال سيخنا الكوراني : إن الجبل مندرج في الأشياء التي تسبح بحمد الله بنص { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } [ الإسراء : 44 ] المحمول على ظاهره عند التحقيق المستلزم لكونه حياً مدركاً حياة وإدراكاً لائقين بعالمه ونشأته ، وقيل : هذا مثل لظهور اقتداره سبحانه وتعلق إرادته بما فعل بالجبل لا أن ثم تجليا وهو نظير ما قرر في قوله تعالى : { أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ يس : 82 ] من أن المراد أن ما قضاه سبحانه وأراد كونه يدخل تحت الوجود من غير توقف لا أن ثمة قولا . وتعقبه صاحب الفوائد بأن هذا المعنى غير مفهوم من الآية لأن تجلي مطاوع جليته أي أظهرته يقال : جليته فتجلى أي أظهرته فظهر ولا يقدر تجلي اقتداره لأنه خلاف الأصل ، على أن هذا الحمل بعيد عن المقصود بمراحل . وأخرج أحمد . وعبد بن حميد . والترمذي والحاكم وصححاه . والبيهقي وغيرهم من طرق عن أنس بن مالك «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ } الخ قال هكذا وأشار باصبعيه ووضع طرف إبهامه على أنملة الخنصر وفي لفظ على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل » وعن ابن عباس أنه قال ما تجلى منه سبحانه للجبل إلا قدر الخنصر فجعله تراباً ، وهذا كما لا يخفى من المتشابهات التي يسلك فيها طريق التسليم وهو أسلم وأحكم أو التأويل بما يليق بجلال ذاته تعالى . وقرأ حمزة . والكسائي { دَكَّاء } بالمد أي أرضا مستوية ، ومنه قولهم ناقة دكاء للتي لم يرتفع سنامها . وقرأ يحيى بن وثاب { دَكّاً } بضم الدال والتنوين جمع دكاء كحمر وحمراء أي قطعا دكا فهو صفة جمع ، وفي شرح التسهيل لأبي حيات أنه أجرى مجرى الأسماء فاجرى على المذكر { وَخَرَّ موسى } أي سقط من هول ما رأى ، وفرق بعضهم بين السقوط والخرور بأن الأول مطلق والثاني سقوط له صوت كالخرير { صَعِقًا } أي صاعقا وصائحا من الصعقة ، والمراد أنه سقط مغشياً عليه عند ابن عباس .
والحسن رضي الله تعالى عنهم . وميتا عند قتادة .
روي أنه بقي كذلك مقدار جمعة ، وعن ابن عباس أنه عليه السلام أخذته الغشية عشية يوم الخميس يوم عرفة إلى عشية يوم الجمعة ، ونقل بعض القصاصين أن الملائكة كانت تمر عليه حينئذ فيلكزونه بارجلهم ويقولون يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة وهو كلام ساقط لا يعول عليه بوجه ، فإن الملائكة عليهم السلام مما يجب تبرئتهم من إهانة الكليم بالوكز بالرجل والغضب في الخطاب { فَلَمَّا أَفَاقَ } بأن عاد إلى ما كان عليه قبل وذلك بعود الروح إليه على ما قال قتادة أو بعود الفهم والحس على ما قال غيره ، والمشهور أن الإفاقة رجوع العقل والفهم إلى الإنسان بعد ذهابهما عنه بسبب من الأسباب ، ولا يقال للميت إذا عادت إليه روحه أفاق وإنما يقال ذلك للمغشى عليه ولهذا اختار الأكثرون ما قاله الحبر { قَالَ } تعظيماً لأمر الله سبحانه { سبحانك } أي تنزيهاً لك من مشابهة خلقك في شيء ، أو من أن يثبت أحد لرؤيتك على ما كان عليه قبلها ، أو من أن أسألك شيئاً بغير اذن منك { تُبْتُ إِلَيْكَ } من الاقدام على السؤال بغير أذن ، وقيل : من رؤية وجودي والميل مع ارادتي { وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين } بعظمتك وجلالك أو بأنه لا يراك أحد في هذه النشأة فيثبت على ما قيل ، وأراد كما قال الكوراني أنه أول المؤمنين بذلك عن ذوق مسبوق بعين اليقين في نظره ، وقبل : أراد أول المؤمنين بأنه لا يجوز السؤال بغير إذن منك .
واستدل أهل السنة المجوزون لرؤيته سبحانه بهذه الآية على جوازها في الجملة ، واستدل بها المعتزلة النفاة على خلاف ذلك وقامت الحرب بينهما على ساق ، وخلاصة الكلام في ذلك أن أهل السنة قالوا : إن الآية تدل على إمكان الرؤية من وجهين . الأول أن موسى عليه السلام سألها بقوله : { رَبّ أَرِنِى } الخ ، ولو كانت مستحيلة فإن كان موسى عليه السلام عالماً بالاستحالة فالعاقل فضلاً عن النبي مطلقاً فضلاً عمن هو من أولي العزم لا يسأل المحال ولا يطلبه ، وإن لم يكن عالماً بذلك لزم أن يكون آحاد المعتزلة ومن حصل طرفا من علومهم أعلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما لا يجوز من النبي الصفى ، والقول بذلك غاية الجهل والرعونة ، وحيث بطل القول بالاستحالة تعين القول بالجواز ، والثاني أن فيها تعليق الرؤية على استقرار الجبل وهو ممكن في نفسه وما علق على الممكن ممكن .
واعترض الخصوم الوجه الأول بوجوه . الأول أنا لا نسلم أن موسى عليه السلام سأل الرؤية وإنما سأل العلم الضروري به تعالى إلا أنه عبر عنه بالرؤسة مجازاً لما بينهما من التلازم ، والتعبير بأحد المتلازمين عن الآخر شائع في كلامهم ، وإلى هذا ذهب أبو الهذيل بن العلاف وتابعه عليه الجبائي وأكثر البصريين . الثاني أنا سلمنا أنه لم يسأل العلم بل سأل الرؤية حقيقة لكنا نقول : إنه سأل رؤية علم من أعلام الساعة بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فمعنى { أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } أرني أنظر إلى علم من أعلامك الدالة على الساعة ، وإلى هذا ذهب الكعبي والبغداديون ، الثالث أنا سلمنا أنه سأل رؤية الله تعالى نفسه حقيقة ولكن لم يكن ذلك لنفسه عليه السلام بل لدفع قومه القائلين { أَرِنَا الله جَهْرَةً } [ النساء : 153 ] وإنما أضاف الرؤية إليه دونهم ليكون منعه أبلغ في دفعهم وردعهم عما سألوه تنبيهاً بالأعلى على الأدنى ، وإلى هذا ذهب الجاحظ ومتبعوه ، الرابع أنا سلمنا أنه سأل لنفسه لكن لا نسلم أن ذلك ينافي العلم بالإحالة إذ المقصود من سؤالها إنما هو أن يعلم الإحالة بطريق سمعي مضاف إلى ما عنده من الدليل العقلي لقصد التأكيد ، وذلك جائز كما يدل عليه طلب إبراهيم عليه السلام إراءة كيفية إحياء الموتى ، وقوله : { ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } [ البقرة : 260 ] وإلى ذلك ذهب أبو بكر الأصم ، الخامس أنا سلمنا أن سؤال الرؤية ينافي العلم بالإحالة لكنا نلتزم القول بعدم العلم وهو غير قادح في نبوته عليه السلام فإن النبوة لا تتوقف على العلم بجميع العقائد الحقة أو جميع ما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز بل ما يتوقف عليه الغرض من البعثة والدعوة إلى الله تعالى وهو وحدانيته وتكليف عباده بالأوامر والنواهي تحريضاً لهم على النعم المقيم ، وليس امتناع الرؤية من هذا القبيل ، ويؤيد ذلك أنه سأل وقوع الرؤية في الدنيا وهي غير واقعة عندنا وعندكم ، ونسب هذا القول إلى الحسن منا وهو غريب منه .
السادس أنا سلمنا العلم بالإحالة لكن لا نسلم امتناع السؤال وإنما يمتنع أن لو كان محرماً في شرعه لم لا يجوز أن لا يكون محرماً ؟ ، السابع أنا سلمنا الحرمة لكن لا نسلم أن ذلك كبيرة لم لا يجوز أن يكون صغيرة وهي غير ممتنعة على الأنبياء عليهم السلام ؟ .
وتكلموا على الوجه الثاني من وجهين : الأول أنا لا نسلم أنه علق الرؤية على أمر ممكن لأن التعليق لم يكن على استقرار الجبل حال سكونه وإلا لوجدت الرؤية ضرورة وجود الشرط لأن الجبل حال سكونه كان مستقراً بل على استقراره حال حركته وهو محال لذاته ، والثاني أنا وإن سلمنا أن استقرار الجبل ممكن لكن لا نسلم أن المعلق بالممكن ممكن فإنه يصح أن يقال : إن انعدم المعلوم انعدم العلة ، والعلة قد تكون ممتنعة العدم مع إمكان المعلول في نفسه كالصفات بالنسبة إلى الذات عند المتكلمين ، والعقل الأول بالنسبة إليه تعالى عند الحكماء ، فيجوز أن تكون الرؤية الممتنعة متعلقة بالاستقرار الممكن ، والسر في جواز ذلك أن الارتباط بين المعلق والمعلق عليه إنما هو بحسب الوقوع بمعنى أنه إن وقع عدم المعلول وقع عدم العلة ، والممكن الذاتي قد يكون ممتنع الوقوع كالممتنع الذاتي فيجوز التعليق بينهما وليس الارتباط بينهما بحسب الإمكان حتى يلزم من إمكان المعلق عليه إمكان المعلق ، ثم إنا وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه من الوجهين على جواز الرؤية فهو معارض بما يدل على عدم الجواز فإن { لَنْ } في الآية لتأبيد النفي وتأكيده وأيضاً قول موسى عليه السلام : ( تبت إليك ) دليل كونه مخطئاً في سؤاله ولو كانت الرؤية جائزة لما كان مخطئاً ، والزمخشري عامله الله تعالى بعدله زعم أن الآية أبلغ دليل على عدم إمكان الرؤية ، وذكر في كشافه ما ذكر وقال : ثم أعجب من المتسمين بالإسلام المسمين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهباً ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة فإنه من منصوبات أشياخهم ، والقول ما قال بعض العدلية فيهم :
وجماعة سموا هواهم سنة *** لجماعة حمر لعمري موكفه
قد شبهوه بخلقه وتخوفوا *** شنع الورى فتستروا بالبلكفه
وأجيب عن قولهم : إنه عليه السلام إنما سأل العلم الضروري بأنه لو كانت الرؤية بمعنى العلم الضروري لكان النظر المذكور بعد أيضاً بمعناه وليس كذلك ، فإن النظر الموصول بإلى نص في الرؤية لا يحتمل سواه فلا يترك للاحتمال .
وفي شرح المواقف أن طلب العلم الضروري لمن يخاطبه ويناجيه غير معقول ، وأورد عليه أن المراد هو العلم بهويته الخاصة ، والخطاب لا يقتضي إلا العلم بوجه كمن يخاطبنا من وراء الجدار ، والمراد بالعلم بالهوية الخاصة انكشاف هويته تعالى على وجه جزئي بحيث لا يمكن عند العقل صدقه على كثيرين كما في المرئى بحاسة البصر ، ولا شك في كونه ممكناً في حقه تعالى لأنه قادر على أن يخلق في البعد علماً ضرورياً بهويته الخاصة على الوجه الجزئي بدون استعمال الباصرة كما يخلق بعده ، وفي عدم لزومه الخطاب فإنه إنما يقتضي العلم بالمخاطب بأمور كلية يمكن صدقها على كثيرين عند العقل وإن كانت في الخارج منحصرة في شخص واحد فهو من قبيل التعقل ، وبهذا التحرير يعلم رصانة الإيراد ودفع ما أورد عليه ، ويظهر منه ركاكة ما قاله الآمدي . من أن حمل الرؤية على العلم يلزم منه أن يكون موسى عليه السلام غير عالم بربه لئلا يلزم تحصيل الحاصل ، ونسبة ذلك إلى الكليم من أعظم الجهالات لأنا نقول العلم بالهوية الخاصة على ما ذكرنا ليس من ضروريات النبوّة ولا المكالمة كما لا يخفى .
نعم يأبى هذا الحمل التعدية كما علمت ويبعده الجواب بلن تراني ولكن انظر الخ كما هو ظاهر وإن تكلف له الزمخشري بما تمجه الاسماع .
وقيل : إنه لو ساغ هذا التأويل لساغ مثله في { أَرِنَا الله جَهْرَةً } [ النساء : 153 ] لتساوي الدلالة وهو ممتنع بالإجماع وجهرة لا يزيد على كون النظر موصولاً بإلى . وأجيب عن قولهم : إنما سأله أن يريه علماً من أعلام الساعة بأنه لا يستقيم لثلاثة أوجه .
أحدها : أنه خلاف الظاهر من غير دليل . ثانيها : أنه أجيب بلن تراني وهو إن كان محمولاً على نفي ما وقع السؤال عنه من رؤية بعض الآيات فهو خلف فإنه قد أراه سبحانه أعظم الآيات وهو تدكدك الجبل ، وإن كان محمولاً على نفي الرؤية لزمن أن لا يكون الجواب مطابقاً للسؤال . ثالثها : أن قوله سبحانه : { فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى } إن كان محمولاً على رؤية الآية فهو محال لأن الآية ليست في استقرار الجبل بل في تدكدكه ، وإن كان محمولاً على الرؤية لا يكون مرتبطاً بالسؤال ، فإذن لا ينبغي حمل ما في الآية على رؤية الآية ، وعن قولهم : إن الرؤية وقعت لدفع قومه بأن ذلك خلاف الظاهر من غير دليل ، وكون الدليل أخد الصعقة ليس بشيء . وأيضاً كان يجب عليه السلام أن يبادر إلى ردعهم وزجرهم عن طلب ما لا يليق بجلال الله تعالى كما قال : { إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } [ الأعراف : 138 ] عند قولهم : { اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } [ الأعراف : 138 ] وقولهم : إن المقصود ضم الدليل السمعي إلى العقلي ليس بشيء إذ ذلك كان يمكن بطلب إظهار الدليل السمعي له من غير أن يطلب الرؤية مع إحالتها ، وقصته تقدم الكلام فيها ، وما ذكروه في الوجه الخامس ظاهر رده من تقرير الوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرهما أهل السنة ، وحاصله أنه يلزمهم أن يكون الكليم عليه السلام دون آحاد المعتزلة علماً ودون من حصل طرفاً من الكلام في معرفة ما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز ، وهذه كلمة حمقاء وطريقة عوجاء لا يسلكها أحد من العقلاء ، فإن كون الأنبياء عليهم السلام أعلم ممن عداهم بذاته تعالى وصفاته العلا مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان ، وكون الرؤية في الدنيا غير واقعة عند الفريقين إن أريد به أنها غير ممكنة الوقوع فهو أول المسألة وإن أريد أنها ممكنة لكنها لا تقع لأحد فلا نسلم أنه أجمع على ذلك الفريقان ، أما المعتزلة فلأنهم لا يقولون بإمكانها ، وأما أهل السنة فلأن كثيراً منهم ذهب إلى أنها وقعت لنبينا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ، وهو قول ابن عباس . وأنس وغيرهما ، وقول عائشة رضي الله تعالى عنها : من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله سبحانه الفرية مدفوع أو مؤول بأن المراد من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم في نوره الذي هو نوره أعني النور الشعشعاني الذي يذهب بالأبصار ، وهو المسار إليه في حديث
«لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره » فقد أعظم الفرية ، ومن هذا يعلم ما في احتمال إرادة عدم الوقوع مع قطع النظر عن الإمكان وعدمه . وقولهم : إنه يجوز أن لا يكون ذلك الطلب محرماً في شرعه فلا يمتنع يرد عليه أن دليل الحرمة ظاهر ، فإن طلب المحال لو لم يكن حراماً في شرعه عليه السلام لما بلغ في التشنيع على قومه حين طلبوا ما طلبوا على أنا لو سلمنا أنه ليس بحرام يقال : إنه لا فائدة فيه وما كان كذلك فمنصب النبوة منزه عنه ، ومن هذا يعلم ما في قولهم الأخير .
وأجيب عن قولهم : إن المعلق عليه هو استقرار الجبل حال حركته بأنهم إن أرادوا أن الشرط هو الاستقرار حال وجود الحركة مع الحركة فهو زيادة اضمار وترك لظاهر اللفظ من غير دليل فلا يصح ، وإن أرادوا أن الشرط هو الاستقرار في الحالة التي وجدت فيها الحركة بدلاً عن الحركة فلا يخفى جوازه ، فكيف يدعى أنه محال لذاته ؟ ، وبعضهم قال في الرد : إن المعلق عليه استقرار الجبل بعد النظر بدليل الفاء ، وحين تعلقت إرادة الله تعالى بعدم استقراه عقيب النظر استحال استقراره وإن كان بالغير فعدل عن القول بالمحال بالذات إلى القول بالمحال بالغير لأن الغرض يتم به أيضاً ، وتعقبه السالكوتي وغيره بأنه ليس بشيء لأن استقرار الجبل حين تعلق إرادته تعالى بعدم استقراره أيضاً ممكن بأن يقع بدله الاستقرار إنما المحال استقراره مع تعلق إرادته سبحانه بعدم الاستقرار ، ولبعض فضلاء الروم ههنا كلام نقله الشهاب لا تغرنك قعقعته فإن الظواهر لا تترك لمجرد الاحتمال المرجوح ، وأجيب عن قولهم لا نسلن أن المعلق بالممكن ممكن الخ بأن المراد بالممكن المعلق عليه الممكن الصرف والخالي عن الامتناع مطلقاً ، ولا شك أن إمكان المعلول فيما امتنع عدم علته ليس كذلك بل التعليق بينهما إنما هو بحسب الامتناع بالغير فإن استلزام عدم الصفات وعدم العقل الأول عدم الواجب من حيث إن وجود كل منهما واجب وعدمه ممتنع بوجود الواجب ، وأما بالنظر إلى ذاته مع قطع النظر عن الأمور الخارجة فلا استلزام بخلاف استقرار الجبل فإنه ممكن صرف غير ممتنع لا بالذات ولا بالعرض كما لا يخفى ، على أن بعضهم نظر في صحة المثال لغة وإن كان فيه ما فيه ، وما قيل : إنه ليس المقصود في الآية بيان جواز الرؤية وعدم جوازها إذ هو غير مسؤول عنه بل المقصود إنما هو بيان عدم وقوعها وعدم الشرط مكتفل بذلك كلام لا طائل تحته ، إذ الجواز وعدم الجواز من مستتبعات التعليق بإجماع جهابذة الفريقين ، وما ذكروه في المعارضة من أن { لَنْ } تفيد تأبيد النفي غير مسلم ، ولو سلم فيحتمل أن ذلك بالنسبة إلى الدنيا كما في قوله تعالى :
{ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } [ البقرة : 95 ] فإن إفادة التأبيد فيه أظهر ، وقد حملوه على ذلك أيضا لأنهم يتمنونه في الآخرة للتخلص من العقوبة ، ومما يهدي إلى هذا أن الرؤية المطلوبة إنما هي الرؤية في الدنيا وحق الجواب أن يطابق السؤال ، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن أن نفي الرؤية مقيد لا مطلق فليتبع بيانه عليه الصلاة والسلام ، فقد أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول . وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال : «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { رَبّ أَرِنِى } الخ فقال : قال الله تعالى يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده ولا رطب إلا تفرق وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم » وهذا ظاهر في أن مطلوب موسى عليه السلام كان الرؤية في الدنيا مع بقائه على حالته التي هو عليها حين السؤال من غير أن يعقبها صعق لأن قوله عز وجل : إنه لن يراني حي الخ لا ينفي إلا الرؤية في الدنيا مع الحياة لا الرؤية مطلقاً ، فمعنى { لَن تَرَانِى } في الآية لن تراني وأنت باق على هذه الحالة لا لن تراني في الدنيا مطلقاً فضلاً عن أن يكون المعنى لن تراني مطلقاً لا في الآخرة . نعم إن هذا الحديث مخصص بما صح مرفوعاً وموقوفاً أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة الإسراء مع عدم الصعق ، ولعل الحكمة في اختصاصه صلى الله عليه وسلم بذلك أن نشأته عليه الصلاة والسلام أكمل نشأة وأعدلها صورة ومعنى لجامعيته صلى الله عليه وسلم للحقائق على وجه الاعتدال وهي فيه متجاذبة ومقتضى ذلك الثبات بإذن الله تعالى ومع ذلك فلم يقع له التجلي إلا في دار البقاء فاجتمع مقتضى الموطن مع مقتضى كمال اعتدال النشأة ، وقد يقال أيضاً على سبيل التنزل : لو سلمنا دلالة لن على التأبيد مطلقاً لكان غاية ذلك انتفاء وقوع الرؤية ولا يلزم منه انتفاء الجواز ، والمعتزلة يزعمون ذلك وقولهم : قوله عليه السلام { تُبْتُ إِلَيْكَ } يدل على كونه مخطئاً ليس بشيء لأن التوبة قد تطلق بمعنى الرجوع وأن لم يتقدمها ذنب ، وعلى هذا فلا يبعد أن يكون المراد من تبث إليك أي رجعت إليك عن طلب الرؤية .
وذكر ابن المنير أن تسبيح موسى عليه السلام لما تبين له من أن العلم قد سبق بعدم وقوع الرؤية في الدنيا والله تعالى مقدس عن وقوع خلاف معلومه ، وأما التوبة في حق الأنبياء عليهم السلام فلا يلزم أن تكون عن ذنب لأن منزلتهم العلية تصان عن كل ما يحط عن مرتبة الكمال ، وكان عليه عليه السلام نظراً إلى علو شأنه أن يتوقف في سؤال الرؤية على الاذن فحيث سأل من غير إذن كان تاركاً الأولى بالنسبة إليه ، وقد ورد «حسنات الابرار سيئات المقربين » وذكر الإمام الرازي نحو ذلك . وقال الآمدي : إن التوبة وان كانت تستعدي سابقية الذنب إلا أنه ليس هناك ما يدل قطعاً على أن الذنب في سؤاله بل جاز أن تكون التوبة عما تقدم قبل السؤال مما يعده هو عليه السلام ذنباً والداعي لذلك ما رأى من الأهوال العظيمة من تدكدك الجبل على ما هو عادة المؤمنين الصلحاء من تجديد التوبة عما سلف إذا رأوا آية وأمراً مهولا ، وذكر أن قوله عليه السلام : { وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين } ليس المراد منه ابتداء الإيمان في تلك الحالة بل المراد به إضافة الأولية إليه لا إلى الإيمان ، ولعل المراد من ذلك الإخبار الاستعطاف لقبول توبته عليه السلام عما هو ذنب عنده ، وأراد بالمؤمنين قومه على ما روي عن مجاهد ، وما يشير إليه كلام الزمخشري من أن الآية أبلغ دليل على عدم إمكان الرؤية لا يخفى ما فيه على من أحاط خبرا بما ذكرناه ، ومن المحققين من استند في دلالة الآية على إمكانها بغير ما تقدم أيضاً ، وهو أنه تعالى أحال انتفاء الرؤية على عجز الرائي وضعفه عنها حيث قال له : { لَن تَرَانِى } ولو كانت رؤيته تعالى غير جائزة لكان الجواب لست بمرئي ، ألا ترى لو قال : أرني أنظر إلى صورتك ومكانك لم يحسن في الجواب أن يقال لن ترى صورتي ولا مكاني بل الحسن لست بذي صورة ولا مكان . وقال بعضهم بعد أن بين كون الآية دليلاً على أن الرؤية جائزة في الجملة ببعض ما تقدم : ولذلك رده سبحانه بقوله : { لَن تَرَانِى } دون لن أرى ولن أريك ولن تنظر إلى تنبيها على أنه عليه السلامقاصر عن رؤيته تعالى لتوقفها على معد في الرائي ولم يوجد فيه بعد ، وذلك لأن لن أرى يدل على امتناع الرؤية مطلقاً ولن أريك يقتضي أن المانع من جهته تعالى ، وليس في لن تنظر تنبيه على المقصود لأن النظر لا يتوقف على معد وإنما المتوقف عليه الرؤية والإدراك ، وعلل النيسابوري عدم كون الجواب لن تنظر إلى المناسب لأنظر إليك بأن موسى عليه السلام لم يطلب النظر المطلق وإنما طلب النظر الذي معه الإدراك بدليل أرني . وانتصر بعضهم للمعتزلة بأن لهم أن يقولوا : إن طلب الإراءة متضمن لطلب رفع الموانع من الرؤية وإيجاد ما تتوقف هي عليه لأن معنى ذلك مكنى من الرؤية والتمكين إنما يتم بما ذكر من الرفع والإيجاد ، وكان الظاهر في رد هذا الطلب لن أمكنك من رؤيتي لكن عدل عنه إلى لن تراني إشارة إلى استحالة الرؤية وعدم وقوعها بوجه من الوجوه ، كأنه قيل : إن رؤيتك لي أمر محال في نفسه وتمكيني إنما يكون من الممكن ، ولو لم يكن المراد ذلك بل كان المراد أنك لا قابلية لك لرؤيتي لكان لموسى عليه السلام أن يقول يا رب أنا أعلم عدم القابلية لكني سألتك التمكين وهو متضمن لسؤال إيجادها لأنها مما تتوقف الرؤية عليه ، فعلى هذا لا يكون الجواب مفيداً لموسى عليه السلام ولا مقنعاً له بخلافه على الأول ، فيكون حينئذ هو المتعين .
فإن قيل : القابلية وعدم القابلية من توابع الاستعداد وعدم الاستعداد وهما غير مجعولين ، قلنا : هذا على ما فيه من الكلام العريض والنزاع الطويل مستلزم لمطلوبنا من امتناع الرؤية كما لا يخفى على من له أدنى استعداد لفهم الحقائق .
وأجيب بأن طلب التمكين من شيء إنما يتضمن طلب رفع الموانع التي في جانب المطلوب منه فقط على ما هو الظاهر لا مطلقاً بحيث يشمل ما كان في جانب المطلوب منه وما كان في جانب الطالب ، ويرشد إلى ذلك أن قولك : لم يمكني زيد من قتل عمرو مثلاً ظاهر في أنه حال بينك وبين قتله مع تهيئك له وارتفاع الموانع التي من قبلك عنه ، فكأن موسى عليه السلام لما كلمه ربه هاج به الشوق إلى الرؤية كما قال الحسن : لأن دو الله إبليس غاص في الأرض حتى خرج من بين قدميه فوسوس إليه إن مكلمك شيطان فعند ذلك سألها كما قال السدي : وأعوذ بالله من اعتقاده فذهل عن نفسه وما فيها من الموانع فلم يخطر بباله إلا طلب رفع الموانع عنها من قبل الرب سبحانه فنبهه جل شأنه بقوله : { لَن تَرَانِى } على وجود المانع فيه عن الرؤية وهو الضعف عن تحملها وأراه ضعف من هو أقوى منه عن ذلك بدك الجبل عند تجليه له ، ففائدة الاستدراك على هذا أن يتحقق عنده عليه السلام أنه أضعف من أن يقوم لتجلي الرؤية ، وهو على ما هو عليه ، ويمكن أن تكون التوبة منه عليه السلام بعد أن أفاق من هذه الغفلة ، وحينئذ لا شك أن الجواب ب { لَن تَرَانِى } الخ مفيد مقنع .
هذا وذكر بعض المحققين أن حاصل الكلام في هذا المقام أن موسى عليه السلام كان عالماً بإمكان الرؤية ووقوعها في الدنيا لمن شاء الله تعالى من عباده عقلاً ؛ والشروط التي تذكر لها ليست شروطاً عقلية وإنما هي شروط عادية ولم يكن عالماً بعدم الوقوع مع عدم تغير الحال حتى سمع ذلك من الرب المتعال ، وليس في عدم العلم بما ذكر نقص في مرتبته عليه السلام لأنه من الأمور الموقوفة على السمع ، والجهل بالأمور السمعية لا يعد نقصاً ، فقد صح أن أعلم الخلق على الإطلاق نبينا صلى الله عليه وسلم سئل عن أشياء فقال : سأسأل جبريل عليه السلام ، وأن جبريل عليه السلام سئل فقال : سأسأل رب العزة ، وقد قالت الملائكة :
{ سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } [ البقرة : 32 ] وأن الآية لا تصلح دليلاً على امتناع الرؤية على ما يقوله المعتزلة بل دلالتها على إمكانها في الجملة أظهر وأظهر ، بل هي ظاهرة في ذلك دون ما يقوله الخصوم ، وما رواه أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في تفسير { لَن تَرَانِى } : إنه لا يكون ذلك أبداً لا حجة لهم فيه لأنه غير واف بمطلوبهم ، مع أن التأبيد فيه بالنسبة إلى عدم تغير الحال كما يدل عليه الخبر المروي عنه سابقاً ، وكذا ما رواه عنه أبو الشيخ إذ فيه : يا موسى إنه لا يراني أحد فيحيا قال موسى : رب إن أراك ثم أموت أحب إليَّ من أن لا أراك ثم أحيا ، وما ذكره الزمخشري عن الأشياخ أنهم قالوا : إنه تعالى يرى بلا كيف هو المشهور .
ونقل المناوي أن الكمال بن الهمام سئل عما رواه الدارقطني وغيره عن أنس من قوله صلى الله عليه وسلم : «رأيت ربي في أحسن صورة » بناء على حمل الرؤية على الرؤية في اليقظة فأجاب بأن هذا حجاب الصورة انتهى ، وهو التجلي الصوري الشائع عند الصوفية ، ومنه عندهم تجلي الله تعالى في الشجرة لموسى عليه السلام ، وتجليه جل وعلا للخلق يوم يكشف عن ساق ، وهو سبحانه وإن تجلى بالصورة لكنه غير متقيد بها والله من ورائهم محيط ، والرؤية التي طلبها موسى عليه السلام غير هذه الرؤية ، وذكر بعضهم أن موسى كان يرى الله تعالى إلا أنه لم يعلم أن ما رآه هو هو وعلى هذا الطرز يحمل ما جاء في بعض الروايات المطعون بها ، رأيت ربي في صورة شاب ، وفي بعضها زيادة له نعلان من ذهب ، ومن الناس من حمل الرؤية في رواية الدارقطني على الرؤية المنامية ، وظاهر كلام السيوطي أن الكيفية فيها لا تضر وهو الذي سمعته من المشايخ قدس الله تعالى أسرارهم ، والمسألة خلافية ، وإذا صح ما قاله المشايخ وأفهمه كلام السيوطي فأنا ولله تعالى الحمد قد رأيت ربي مناماً ثلاث مرات وكانت المرة الثالثة في السنة السادسة والأربعين والمائتين والألف بعد الهجرة ، رأيته جل شأنه وله من النور ما له متوجهاً جهة المشرق فكلمني بكلمات أنسيتها حين استيقظت ، ورأيت مرة في منام طويل كأني في الجنة بين يديه تعالى وبيني وبينه ستر حبيك بلؤلؤ مختلف ألوانه فأمر سبحانه أن يذهب بي إلى مقام عيسى عليه السلام ثم إلى مقام محمد صلى الله عليه وسلم فذهب بي إليهما فرأيت ما رأيت ولله تعالى الفضل والمنة .
ومنهم من حمل الصورة على ما به التميز والمراد بها ذاته تعالى المخصوصة المنزهة عن مماثلة ما عداه من الأشياء البالغة إلى أقصى مراتب الكمال ، وما ذكره من البيتين لبعض العدلية فهو في ذلك عثيثة تقرم جلداً أملساً والقول ما قاله تاج الدين السبكي فيهم :
عجباً لقوم ظالمين تلقبوا *** بالعدل ما فيهم لعمري معرفة
قد جاءهم من حيث لا يدرونه *** تعطيل ذات الله مع نفي الصفة
وتلقبوا عدلية قلنا نعم *** عدلوا بربهم فحسبهم سفه
وجماعة كفروا برؤية ربهم *** هذا ووعد الله ما لن يخلفه
وتلقبوا عدلية قلنا أجل *** عدلوا بربهم فحسبوهم سفه
وتنعتوا الناجين كلا إنهم *** إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه
وبعد هذا كله نقول : إن الناس قد اختلفوا في أن موسى عليه السلام هل رأى ربه بعد هذا الطلب أم لا ، فذهب أكثر الجماعة إلى أنه عليه السلام لم يره لا قبل الصعق ولا بعد . وقال الشيخ الأكبر قدس سره : إنه رآه بعد الصعق وكان الصعق موتاً ، وذكر قدس سره أنه سأل موسى عن ذلك فأجابه بما ذكر ، والآية عندي غير ظاهر في ذلك ، وإلى الرؤية بعد الصعق ذهب القطب الرازي في تقرير كلام للزمخشري ، إلا أن ذلك على احتمال أن تفسر بالانكشاف التام الذي لا يحصل إلا إلا إذا كانت النفس فانية مقطوعة النظر عن وجودها فضلاً عن وجود الغير فإنه قال : إن موسى عليه السلام لما طلب هذه المرتبة من الانكشاف وعبر عن نفسه ( بأنا ) دل على أن نظره كان باقياً على نفسهوهي لا تكون كذلك إلا متعلقة بالعلائق الجسمانية مشوبة بالشوائب المادية لا جرم منع عنه هذه المرتبة وأشير إلى أن منعها إنما كان لأجل بقاء أنا وأنت في قوله : أرني ولن تراني ، ثم لما لم يرد حرمانه عن حصول هذه المرتبة مع استعداده وتأهله لها علم طريق المعرفة بقوله سبحانه : { ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ } فإن الجبل مع عدم تعلقه لما لم يطق نظرة من نظرات التجلي فموسى عليه السلام مع تعلقه كيف يطيق ذلك فلما أدرك الرمز خر صعقاً مغشياً عليه متجرداً عن العلائق فانياً عن نفسه فحصل له المطلوب فلما أفاق علم أن طلبه الرؤية في تلك الحالة التي كان عليها كان سوء أدب فتاب عنه .
وذهب الشيخ إبراهيم الكوراني إلى أنه عليه السلام رأى ربه سبحانه حقيقة قبل الصعق فصعق لذلك كما دك الجبل للتجلي ، وأيده بما أخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تجلى الله تعالى لموسى عليه السلام كان يبصر دبب النملة على الصفا في الليلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ ، وبما أخرجه عن أبي معشر أنه قال : مكث موسى عليه السلام أربعين ليلة لا ينظر إليه أحد إلا مات من نور رب العالمين " وجمع بين هذا وبين قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى أعطى موسى الكلام وأعطاني الرؤية وفضلني بالمقام المحمود والحوض المورود " بأن الرؤية التي أعطاها لنبينا صلى الله عليه وسلم هي الرؤية مع الثبات والبقاء من غير صعق كما أن الكلام الذي أعطاه موسى كذلك بخلاف رؤية موسى عليه السلام فإنها لم تجمع له مع البقاء . وعلى هذا فمعنى قوله عليه الصلاة والسلام في حديث الدجال «إنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت هو أن أحداً لا يراه في الدنيا مع البقاء ولا يجمع له في الدنيا بينهما ، وفسر الآية بما لا يخلو عن خفاء .
والذاهبون إلى عدم الرؤية مطلقاً يجيبون عما ذكره من حديث أبي هريرة وخبر أبي معشر بأن الثاني ليس فيه أكثر من إثبات سطوع نور الله تعالى على وجه موسى عليه السلام وليس في ذلك إثبات الرؤية لجواز أن يشرق نور منه تعالى على وجهه عليه السلام من غير رؤية فإنه لا تلازم بني الرؤية وأشراق النور وبأن الأول ليس نصاً في ثبوت الرؤية المطلوبة له عليه السلام لأنها كما قال غير واحد عبارة عن التجلي الذاتي ولله تعالى تجليات شتى غير ذلك فلعل التجلي الذي أشار إليه الحديث على تقدير صحة واحد منها ، وقد يقطع بذلك فإنه سبحانه تجلى عليه عليه السلام بكلامه واصطفائه وقربه منه على الوجه الخاص اللائق به تعالى ، ولا يبعد أن يكون هذا سبباً لذلك الإبصار ، وهذا أولى مما قيل : إن اللام في لموسى للتعليل ومتعلق تجلي محذوف أي لما تجلى الله تعالى للجبل لأجل إرشاد موسى كان عليه السلام يبصر بسبب أشراق بعض أنوار تعالى عليه حين التجلي للجبل ما يبصر :
تضوع مسكاً بطن نعمان إذ مشت *** به زينب في نسوة خفرات
فالحق الذي لا ينبغي المحيص عنه أن موسى عليه السلام لم يحصل له ما سأل في هذا الميقات ، والذي أقطع به أنه نال مقام قرب النوافل والفرائض الذي يذكره الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم بالمعنى الذي يذكرونه كيفما كان ، وحاشا لله من أن أفضل أحداً من أولياء هذه الأمة وأن كانوا هم هم على أحد من أنبياء بني إسرائيل فضلاً عن رسلهم مطلقاً فضلاً عن أولي العزم منهم وقد ذكر بعض العارفين
و ( من باب الإشارة ) :{ لَن تَرَانِى } إشارة إلى استحالة الإثنينية وبقاء الأنية في مقام المشاهدة ، وهذا معنى قول من قال : رأيت ربي بعين ربي ، وقوله سبحانه : { ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ } إشارة إلى جبل الوجود ، أي انظر إلى جبل وجودك { فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى } وهو من باب التعليق بالمحال عنده { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا } أي متلاشياً لا وجود له { وَخَرَّ موسى } عن درجة الوجود { صَعِقًا } أي فانياً { فَلَمَّا أَفَاقَ } بالوجود الموهوب الحقاني { قَالَ سبحانك } أن تكون مرئياً لغيرك { تُبْتُ إِلَيْكَ } عن ذنب البقية ، أو رجعت إليك بحسب العلم والمشاهدة إذ ليس في الوجود سواك { وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين } بحسب الرتبة ، أي أنا في الصف الأول من صفوف مراتب الأرواح الذي هو مقام أهل الوحدة ، وقد يقال : إن موسى إشارة إلى موسى الروح ارتاض أربعين ليلة لتظهر منه ينابيع الحكمة وقال لأخيه هرون القلب ( من باب الإشارة ) :ولما حصل الروح على بساط القرب بعد هاتيك الرياضة وتتابعت عليه في روضات الأنس كاسات المحبة غرد بلبل لسانه في قفص فم وجوده فقال : { رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } فقال له : هيهات ذاك وأين الثريا من يد المتناول ؟ أنت بعد في بعد الإثنينية وحجاب جبل الأنانية فإن أردت ذلك فخل نفسك وائتني :
وجانب جناب الولص هيهات لم يكن *** وها أنت حي أن تكن صادقاً
مت هو الحب إن لم تقض لم تقض مأربا *** من الحب فاختر ذاك أو خل خلتي
فهان عليه الفناء في جانب رؤية المحبوب ولم يعز لديه كل شيء إذ رأى عزة المطلوب ونادى :
فقلت لها : روحي لديك وقبضها *** إليك ومن لي أن تكون بقبضتي
وما أنا بالشاني الوفاة على الهوى *** وشأني الوفا تابي سواه سجيتي
فبذل وجوده وأعطى موجوده فتجلى ربه لجبل أنانيته ثم من عليه برؤيته وكان ما كان وأشرقت الأرض بنور ربها وطفىء المصباح إذ طلع الصباح وصدح هزار الأنس في رياض القدس بنغم :
ولقد خلوت مع الحبيبة وبيننا *** سر أرق من النسيم إذا سرى
وأباح طرفي نظرة أملتها *** فغدوت معروفاً وكنت منكراً
فدهشت بين جماله وجلاله *** وغدا لسان الحال عني مخبرا
هذا والكلام في الرؤية طويل ، وقد تكفل علم الكلام بتحقيق ذلك على الوجه الأكمل ، والذي علينا إنما هو كشف القناع عما يتعلق بالآية ، والذي نظنه أنا قد أدينا الواجب ، ويكفي من القلادة ما أحاط بالجيد ، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ولما جاء موسى} الجبل {لميقاتنا}، يعني لميعادنا لتمام الأربعين يوما، {وكلمه ربه}، فلما سمع كلام ربه، استحلاه واشتاق إلى رؤية ربه، {قال}: يا {رب أرني أنظر إليك} قال له ربه: إنك {لن تراني ولكن}، اجعل بيني وبينك علما هو أقوى منك، يعني الجبل، {انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني}، وإن لم يستقر الجبل مكانه، فإنك لن تطيق رؤيتي، {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا}، يعني قطعا... {وخر موسى صعقا}... {فلما أفاق}، يعني رد عليه نفسه، {قال} موسى: {سبحانك تبت إليك} من قولي: {رب أرني أنظر إليك}، {وأنا أول المؤمنين}: يعني أول المصدقين بأنك لن تُرى في الدنيا...
قوله تعالى: {قال لن تراني} [الأعراف: 143]. 423- القاضي عياض: قال مالك، لم ير في الدنيا لأنه باق. ولا يرى الباقي بالفاني، فإذا كان في الآخرة، ورزقوا أبصارا باقية رُئي الباقي بالباقي. 704
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: ولما جاء موسى للوقت الذي وعدنا أن يلقانا فيه، وكلّمه ربه وناجاه، قال موسى لربه:"أرِني أنْظُرْ إلَيْكَ" قال الله له مجيبا: "لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ"... عن ابن عباس، قوله: "أرِني أنْظُرْ إلَيْكَ "قال: أعطني...
"فَلَمّا تَجَلّى رَبّهُ للْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا وَخَرّ مِوسَى صَعِقا" يقول تعالى ذكره: فلما اطلع الربّ للجبل جعل الله الجبل "دكّا": أي مستويا بالأرض. "وخَرّ مُوسَى صَعِقا" أي مغشيّا عليه... حدثني المثنى، قال: ثني الحجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الاَية: فَلَمّا تَجَلّى رَبّهُ للْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا قال: «هكذا» بأصبعه ووضع النبيّ صلى الله عليه وسلم الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، «فسَاخَ الجَبَلُ»...
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: دَكّا. فقرأته عامّة قرّاء أهل المدينة والبصرة: دَكّا مقصورا بالتنوين، بمعنى: دك الله الجبل دكّا أي فَتّتَه، واعتبارا بقول الله: "كَلاّ إذَا دُكّتِ الأرْضِ دَكّا دَكّا"، وقوله: "وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكّتا دَكّةً وَاحِدَةً"...
وقرأته عامّة قرّاء الكوفيين: «جَعَلَهُ دَكّاءَ» بالمدّ وترك الجرّ والتنوين، مثل حمراء وسوداء...عن عكرمة، قال: دكّاء من الدكّاوات. وقال: لما نظر الله تبارك وتعالى إلى الجبل صار صخره ترابا.
واختلف أهل العربية في معناه إذا قرئ كذلك. فقال بعض نحويي البصرة: العرب تقول: ناقة دكاء: ليس لها سنام... وكان بعض نحويي الكوفة يقول: معنى ذلك: جعل الجبل أرضا دكّاء، ثم حذفت الأرض وأقيمت الدكاء مقامها إذ أدّت عنها.
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأ: «جعله دكاء» بالمدّ، وترك الجرّ لدلالة الخبر الذي رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على صحته وذلك أنه رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فَساخَ الجَبَلُ» ولم يقل: فتفتّت، ولا تحوّل ترابا. ولا شكّ أنه إذا ساخ فذهب ظهر وجه الأرض، فصار بمنزلة الناقة التي قد ذهب سنامها، وصارت دكاء بلا سنام. وأما إذا دكّ بعضه فإنما يكسر بعضه بعضا ويتفتّت ولا يسوخ. وأما الدكاء فإنها خَلَفٌ من الأرض، فلذلك أُنثت على ما قد بينت. فمعنى الكلام إذن: فلما تجلى ربه للجبل ساخ، فجعل مكانه أرضا دكاء...
"فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوّلُ المُؤْمِنِينَ" يقول تعالى ذكره: فلما ثاب إلى موسى عليه السلام فهمه من غشيته، وذلك هو الإفاقة من الصعقة التي خرّ لها موسى صلى الله عليه وسلم، قال: "سُبْحانَكَ" تنزيها لك يا ربّ وتبرئة أن يراك أحد في الدنيا ثم يعيش. "تُبْتُ إلَيْكَ" من مسألتي إياك ما سألتك من الرؤية. "وأنا أوّلُ المُؤْمِنِينَ" بك من قومي أن لا يراك في الدنيا أحد إلا هلك...
وقال آخرون: معناه قوله: وأنا أوّلُ المُؤْمِنِينَ بك من بني إسرائيل...
وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في قوله: "وأنا أوّلُ المُؤْمِنِينَ" على قول من قال: معناه: أنا أوّل المؤمنين من بني إسرائيل لأنه قد كان قبله في بني إسرائيل مؤمنون وأنبياء، منهم ولد إسرائيل لصلبه، وكانوا مؤمنين وأنبياء، فلذلك اخترنا القول الذي قلناه قبل.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{وكلّمه ربه} لا يجوز لنا أن نصف كيفية الكلام وماهيّته سوى أنه أنشأ كلاما وصوتا أسمعه موسى كيف شاء بما شاء...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
يخبر تعالى عن موسى، عليه السلام، أنه لما جاء لميقات الله تعالى، وحصل له التكليم من الله [تعالى] سأل الله تعالى أن ينظر إليه فقال: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي} وقد أشكل حرف "لن "هاهنا على كثير من العلماء؛ لأنها موضوعة لنفي التأبيد، فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة. وهذا أضعف الأقوال؛ لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة، كما سنوردها عند قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ} [القيامة: 22، 23].
وقوله تعالى إخبارًا عن الكفار: {كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] وقيل: إنها لنفي التأبيد في الدنيا، جمعا بين هذه الآية، وبين الدليل القاطع على صحة الرؤية في الدار الآخرة. وقيل: إن هذا الكلام في هذا المقام كالكلام في قوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} وقد تقدم ذلك في الأنعام [الآية: 103].
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما ذكر سبحانه مواعدته واحتياطه في إصلاح قومه، شرح أمره حال المواعدة وحالهم بعد غيبته عنهم فقال: {ولما جاء موسى لميقاتنا} أي عند أول الوقت الذي قدرناه للمناجاة؛ ولما كان مقام الجلال مهولاً لا يستطاع وعي الكلام معه، التفت إلى مقام الإكرام فقال: {وكلمه} أي من غير واسطة {ربه} أي المحسن إليه بأنواع الإحسان المتفضل على قومه بأنواع الامتنان، والذي سمعه موسى عليه السلام... ولما كلمه بصفة الربوبية الناظر إلى العطف واللطف، وكانت الرؤية جائزة، اشتاق إلى الرؤية شوقاً لم يتمالك معه لما استحلاه من لذاذة الخطاب فسألها لعلمه أنها جائزة {قال} مسقطاً الأداة كعادة أهل القرب -{رب أرني} أي ذاتك الأقدس بأن ترفع عني الحجاب فتجعلني متمكناً من النظر، وهو معنى قول الحبر ابن عباس: أعطني، وحقق أنها رؤية العين بقوله في جواب الأمر- {أنظر} أي أصوب تحديق العين وأشار إلى عظمته سبحانه وعلو شأنه علو العظمة لا المسافة -بالتعدية بحرف النهاية بعد أن أشار بحذف أداة النداء إلى غاية القرب بالإحسان- فقال: {إليك} أي فأراك. ولما كان سبحانه قد قضى أنه عليه السلام لا يراه في الدنيا {قال} نافياً المقصود، وهو الرؤية لا مقدمتها، وهو النظر الذي هو التحديق بالعين {لن تراني} ودل سبحانه بهذه العبارة على جواز رؤيته حيث لم يقل: لن أُرى، أو لن يراني أحد؛ ثم زاد ذلك بياناً بتعليقه بممكن فقال: {ولكن انظر إلى الجبل} إشارة جبل بعهده، وهو أعظم جبل هناك، وزاد في الإشارة إلى إمكان الرؤية بالتعبير بأداة الشك وإتباعها بأمر ممكن فقال -: {فإن استقر مكانه} أي وجد قراره وجوداً تاماً، وأشار إلى بعد الرؤية أيضاً وجلالة المطلوب منها بقوله: {فسوف تراني} أي بوعد لا خلف فيه {فلما تجلى ربه} أي المحسن إليه بكل عطاء ومنع وبين بتعبيره باللام أنه تجلى قربه وخصوصيته، ولو عبر بعلى مثلاً لكان أمر آخر فقال -: {للجبل} أي بأن كشف للجبل عما شاء من حجب عظمته {جعله دكاً} أي مدكوكاً، والدك والدق أخوان {وخر} أي وقع {موسى صعقاً} أي مغشياً عليه مع صوت هائل، فعلم أن معنى الاستدراك أنك لن تثبت لرؤيتي في هذه الدار ولا تعرف ذلك الآن، ولكنك تعرفه بمثال أريكه وهو الجبل، فإن الفاني -كما نقل عن الإمام مالك- لا ينبغي له أن يرى الباقي -{فلما أفاق} أي من غشيته {قال سبحانك} أي تنزيهاً لك عن أن أطلب منك ما لم تأذن فيه {تبت إليك} أي من ذلك {وأنا أول المؤمنين} أي مبادر غاية المبادرة إلى الإيمان بكل ما أخبرت به كل ما تضمنته هذه الآيات، فتعبيره بالإيمان في غاية المناسبة لعدم الرؤية لأن شرط الإيمان أن يكون بالغيب، فقد ورد في نبينا صلى الله عليه وسلم آيتان: إحداهما يمكن أن تشير إلى الرؤية بالتعبير بالمسلمين دون المؤمنين في قوله {وأنا أول المسلمين} والثانية تومئ إلى عدمها وهي {آمن الرسول} إلى قوله: {كل آمن بالله}- والله أعلم -، وكل هذا تبكيت على قومه وتبكيت لهم في عبادتهم العجل وردع لهم عن ذلك، وتنبيه لهم على أن الإلهية مقرونة بالعظمة والكبر بعيدة جداً عن ذوي الأجسام لما يعلم سبحانه من أنهم سيكررون عبادة الأصنام، فأثبت للإله الحق الكلام والتردي عن الرؤية بحجاب الكبر والعظمة واندكاك الجبل عند تجليه ونصب الشرع الهادي إلى أقوم سبيل تعريضاً بالعجل، وإلى ذلك يرشد قوله تعالى: {ألم يروا أنه لا يكلمهم} الآية...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني} أي إنك لا تراني الآن، ولا فيما تستقبل من الزمان، ثم استدرك تبارك وتعالى على ذلك بما يدل على تعليل النفي، ويخفف عن موسى شدة وطأة الرد، بإعلامه ما لم يكن يعلم من سنته، وهو أنه لا يقوى شيء في هذا الكون على رؤيته كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى عن مسلم (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) فقال:"ولكن انظر إلى الجبل" فإنني سأتجلى له فإن ثبت لدى التجلي وبقي مستقرا في مكانه فسوف تراني، لمشاركتك له في مادة هذا العالم الفاني، وإذا كان الجبل في قوته ورسوخه لا يثبت ولا يستقر لهذا التجلي لعدم استعداد مادته لقوة تجلي خالقه وخالق كل شيء فاعلم أنك لن تراني أيضا وأنت مشارك له في كونك مخلوقا من هذه المادة وخاضعا للسنن الربانية في قوتها وضعف استعدادها {وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء: 28] وقبولها للفناء...
{فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكّا وخرّ موسى صعقا} يقال جلا الشيء والأمر وانجلى وتجلى بنفسه أو بغيره وجلاه فتجلى- إذا انكشف وظهر ووضح بعد خفاء في نفسه ذاتي أو إضافي أو خفاء على مجتليه وطالبه. ويكون ذلك التجلي والظهور بالذات وبغير الذات من صفة أو فعل يزول به اللبس والخفاء، وفي صيغة التجلي ما ليس في صيغة الجلاء والانجلاء من معنى التدريج والكثرة النوعية أو الشخصية قال تعالى: {والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى} [الليل: 1، 2] فالليل يغشى النهار ويستره ثم يتجلى النهار ويظهر بالتدريج... الدك الدق أو ضرب منه. قال في الأساس: دككته دققته، ودك الركية كبسها، وحمل أدك وناقة دكاء: لا سنام لهما، واندك السنام: افترش على الظهر ونزلنا بدكداك: رمل متلبد بالأرض اه. وأقول: إن الفرق بين الدق والدك كما يؤخذ من استعمال العالم الموروث عن العرب أن الدق ما يخبط به الشيء ليتفتت ويكون أجزاء دقيقة ومنه الدقيق. وكان القمح في عصور البداوة الأولى يدق بالحجارة فيكون دقيقا ثم اهتدوا إلى الأرحية التي تسحقه وتطحنه. وأما الدك فهو الهدم والخبط الذي يكون به الشيء المدكوك ملبدا ومستويا، يقال أرض مدكوكة وطريق مدكوكة، ودك الحفرة والركية...
أحسن ما ورد في التفسير المأثور لهذه الآية مطابقا لمتن اللغة ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الرؤية عن ابن عباس {فلما تجلى ربه للجبل} قال: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر (جعله دكا) قال ترابا (وخر موسى صعقا) قال مغشيا عليه. اه. وما رواه ابن المنذر عن عكرمة أنه – أي الجبل- كان حجرا أصم فلما تجلى له صار تلا ترابا دكا من الدكاوات –أي مستويا بالأرض. ولولا ذلك لجاز أن يقال إن صيرورته ترابا وإن كان بمعنى الدكاء والمدكوك لا ينافي استقرار الجبل مكانه وقد ورد في بعض الآثار والأحاديث المرفوعة أيضا أنه ساخ أي غاص في الأرض، وهو يتفق مع المعنى الأول، أي أنه رج بالتجلي رجا، بست بها حجارته بساً، وساخ في الأرض كله أو بعضه في أثناء ذلك حتى صار كما قال بعضهم ربوة دكاء كالرمل المتلبد. والمعنى فلما تجلى ربه للجبل أقل التجلي وأدناه انهدَّ وهبط من شدته وعظمته وصار كالأرض المدكوكة أو الناقة الدكاء –وسقط موسى على وجهه مغشيا عليه كمن أخذته الصاعقة، والتجلي إنما كان للجبل دونه فكيف لو كان له؟ وقد روي في تفسير هذه الآيات من الأخبار والآثار الواهية والموضوعة غرائب وعجائب أكثرها من الإسرائيليات...
{فلمّا أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين} أي (فلما أفاق) موسى من غشيه والتعبير بالإفاقة يدل على صحة تفسير ابن عباس والجمهور للصعق بالغشي وبطلان تفسير قتادة له بالموت وقال به بعض شذاذ الصوفية وادّعوا أنه رأى ربه فمات، أو مات ثم رأى ربه، ولو مات لقال تعالى: (فلما بعث)... خلاصة معنى الآية أن موسى عليه السلام لما نال فضيلة تكليم الله تعالى له بدون واسطة فسمع ما لم يكن يسمع قبل ذلك وهو من الغيب الذي لا شبه له ولا نظير في هذا العالم طلب من الرب تبارك وتعالى أن يمنحه شرف رؤيته وهو يعلم حتما أنه تعالى ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته التي منها كلامه عز وجل فكما أنه سمع كلاما ليس كمثله كلام بتخصيص رباني –استشرف لرؤية ذات ليس كمثلها شيء من الذوات، كما فهم من ترتيب السؤال على التكليم، فلم يكن عقل موسى- وهو في الذروة العليا من العقول البشرية بدليلي العقل والنقل- مانعا له من هذا الطلب، ولم يكن دينه وعلمه بالله تعالى وهما في الذروة العليا أيضا مانعين له منه. ولكن الله تعالى قال له: {لن تراني} ولكي يخفف عليه ألم الرد وهو كليمه الذي قال له في أول العهد بالوحي إليه {واصطنعتك لنفسي} أراه بعينيه ومجموع إدراكه من تجليه للجبل بما لا يعلمه سواه أن المانع من جهته هو لا من جانب الجود الرباني، فنزه الله وسبحه وتاب إليه من هذا الطلب، فبشره الله تعالى بأنه اصطفاه على الناس برسالته وبكلامه أي دون رؤيته، وأمره بأن يأخذ ما أعطاه، ويكون من الشاكرين له...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
...جُعل مجيءُ موسى في الوقت المعين أمراً حاصلاً غير محتاج للإخبار عنه، للعلم بأن موسى لا يتأخر ولا يترك ذلك، وجُعل تكليمُ الله إياه في خلال ذلك الميقات أيضاً حاصلاً غير محتاج للإخبار عن حلوله...
وقوله: {قال رب أرني}... وسؤالُ موسى رؤية الله تعالى تطلّع إلى زيادة المعرفة بالجلال الإلهي، لأنه لما كانت المواعدة تتضمن الملاقاة. وكانت الملاقاة تعتمد رؤية الذات وسماع الحديث، وحصل لموسى أحد ركني الملاقاة وهو التكليم، أطمعه ذلك في الركن الثاني وهو المشاهدة، وممّا يؤذن بأن التكليم هو الذي أطمع موسى في حصول الرؤية جعْلُ جملة {وكلمه ربه} شرطاً لحرف (لمّا) لأن (لمّا) تدل على شدة الارتباط بين شرطها وجوابها، فلذلك يكثر أن يكون علة في حصول جوابها كما تقدم في قوله تعالى: {فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما} في هذه السورة (22)، هذا على جعل {وكَلمه} عطفاً على شرط لمّا، وليسَ جوابَ لما، ولا نشك في أنه سأل رؤية تليق بذات الله تعالى، وهي مثل الرؤية الموعود بها في الآخرة، فكان موسى يحسب أن مثلِها ممكن في الدنيا حتى أعلمه الله بأن ذلك غير واقع في الدنيا، ولا يمتنع على نبي عدمُ العلم بتفاصيل الشؤون الإلهية قبل أن يُعلمها الله إياه، وقد قال الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم {وقُل رب زدني علماً} [طه: 114]، ولذلك كان أيمة أهل السنة محقين في الاستدلال بسؤال موسى رؤية الله على إمكانها بكيفية تليق بصفات الإلاهية لا نعلم كنهها وهو معنى قولهم: « بلا كيف».
وأعلم أن سؤال موسى رؤية الله تعالى طلبٌ على حقيقته كما يؤذن به سياق الآية وليس هو السؤالَ الذي سأله بنوا اسرائيل المحكي في سورة البقرة (55) بقوله: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة}... ومفعول {أرني} محذوف لدلالة الضمير المجرور عليه في قوله: {إليك}. وفصل قوله: {قالَ لنْ تراني} لأنه واقع في طريق المحاورة.
و {لَن} يستعمل لتأبيد النفي ولتأكيد النفي في المستقبل، وهما متقاربان، وإنما يتعلق ذلك كله بهذه الحياة المعبر عنها بالأبد، فنفت (لن) رؤية موسى ربّه نفياً لا طمع بعده للسائِل في الإلحاح والمراجعة بحيث يَعلم أن طلبته متعذرة الحصول، فلا دلالة في هذا النفي على استمراره في الدار الآخرة. والاستدراك المستفاد من {لكن} لرفع توهم المخاطَب الاقتصارَ على نفي الرؤية بدون تعليل ولا إقناع، أو أن يتوهم أن هذا المنع لغضب على السائِل ومنقصة فيه، فلذلك يعلم من حرف الاستدراك أن بعض ما يتوهمه سيُرفع، وذلك أنه أمره بالنظر إلى الجبل الذي هو فيه هل يثبت في مكانه، وهذا يعلم منه أن الجبل سيتوجه إليه شيءٌ من شأن الجلال الإلهي، وأن قوة الجبل لا تستقر عند ذلك التوجه العظيم، فيعلم موسى أنه أحرى بتضاؤل قواه الفانية لو تجلى له شيء من سُبُحات الله تعالى.
وعلق الشرط بحرف (إنْ) لأن الغالب استعمالها في مقام ندرة وقوع الشرط أو التعريض بتعَذره، ولما كان استقرار الجبل في مكانه معلوماً لله انتفاؤه، صح تعليق الأمر المرادِ تعذُر وقوعُه عليه بقطع النظر عن دليل الانتفاء، فلذلك لم يكن في هذا التعليق حجَة لأهل السنة على المعتزلة تقتضي أن رؤية الله تعالى جائزة عليه تعالى، خلافاً لما اعتاد كثيرٌ من علمائنا من الاحتجاج بذلك.
...وقوله: {فسوف تراني} ليس بوعد بالرؤية على الفرض لأن سُبق قوله: {لن تراني} أزال طماعية السائل الرؤية، ولكنه إيذان بأن المقصود من نظرِه إلى الجبل أن يرى رأي اليقين عجزَ القوة البشرية عن رؤية الله تعالى بالأحرى، من عدم ثبات قوة الجبل، فصارت قوة الكلام: أن الجبل لا يستقر مكانه من التجلي الذي يحصل عليه فلست أنت بالذي تراني، لأنك لا تستطيع ذلك، فمنزلة الشرط هنا منزلة الشرط الامتناعي الحاصل بحرف (لو) بدلالة قرينة السابِق.
والتجلي حقيقة الظهور وإزالة الحجاب، وهو هنا مجاز، ولعله أريد به إزالة الحوائِل المعتادة التي جعلها الله حجاباً بين الموجودات الأرضية وبين قوى الجبروت التي استأثر الله تعالى بتصريفها على مقاديرَ مضبوطة ومتدرجة في عوالم مترتبة ترتيباً يعلمه الله.
وتقريبُه للإفهام شبيه بما اصطلح عليه الحكماء في ترتيب العقول العشرة، وتلك القوى تنسب إلى الله تعالى لكونها آثاراً لقدرته بدون واسطة، فإذا أزال الله الحجاب المعتاد بين شيء من الأجسام الأرضية وبين شيء من تلك القوى المؤثرة تأثيراً خارقاً للعادة اتصلت القوة بالجسم اتصالاً تظهرُ له آثار مناسبة لنوع تلك القوة، فتلك الإزالة هي التي استعير لها التجلي المسندُ إلى الله تعالى تقريباً للإفهام، فلما اتصلت قوة ربانية بالجبل تُماثل اتصال الرؤية اندّك الجبل، ومما يقرب هذا المعنى، ما رواه الترمذي وغيره، من طرق عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ قوله تعالى: {فلما تجلى ربه} فوضع إبهامه قريباً من طرف خنصره يُقلل مقدار التجلي.
وصَعِق موسى من اندكاك الجبل فعلم موسى أنه لو توجه ذلك التجلي إليه لانتثر جسمه فُضاضاً.
والصعق: وصف بمعنى المصعوق، ومعناه المغشي عليه من صيحة ونحوها، مشتق من اسم الصاعقة وهي القطعة النارية التي تبلغ إلى الأرض من كهرباء البرق، فإذا أصابت جسماً أحرقته، وإذا أصابت الحيوان من قريب أماتته، أو من بعيد غُشي عليه من رائحتها، وسُمي خويلدُ بن نُفيْل الصِعقَ عَلماً عليه بالغلبة، وإنما رجحنا أن الوصف والمصدر مشتقان من اسم الصاعقة دون أن نجعل الصاعقة مشتقاً من الصعق؛ لأن أيمة اللغة قالوا: إن الصعْق الغشيُ من صيحة ونحوها، ولكن توسعوا في إطلاق هذا الوصف على من غشي عليه بسبب هدة أو رجَة، وإن لم يكن ذلك من الصاعقة.
والإفاقة: رجوع الإدراك بعد زواله بغشْي، أو نوم، أو سُكر، أو تخبط جنون.
و {سبحانك} مصدر جاء عوضاً عن فعله أي أسبحك، وهو هنا إنشاء ثناء على الله وتنزيه عما لا يليق به، لمناسبة سؤاله منه مَا تبين له أنه لا يليق به سؤالهُ دون استيذانه وتحققِ إمكانه كما قال تعالى لنوح: {فلا تسألني ما ليس لك به علم} في سورة هود (46).
وقوله: {تبت إليك} إنشاء لتوبة من العود إلى مثل ذلك دون إذن من الله، وهذا كقول نوح عليه السلام: {رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم} [هود: 47] وصيغة الماضي من قوله: {تُبت} مستعملة في الإنشاء فهي مستعملة في زمن الحال مثل صيغ العقود في قولهم بعْتُ وزَوّجْتُ. مبالغة في تحقق العقد.
وقوله: {وأنا أول المؤمنين} أطلق {الأول} على المُبادر إلى الإيمان، وإطلاق الأول على المبادر مجاز شائع مساو للحقيقة، والمرادُ به هنا وفي نظائره الكناية عن قوة إيمانه، حتى أنه يبادر إليه حين تردد غيره فيه، فهو للمبالغة، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: {ولا تكونوا أولَ كافر به} في سورة البقرة (41)، وقوله: {وأنا أول المسلمين} في سورة الأنعام (163)...