روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ} (7)

{ إَنَّ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } بيان لمآل أمر من كفر بالبعث المشار إليه فيما سبق ، وأعرض عن البينات الدالة عليه ، والمراد بلقائه تعالى شأنه إما الرجوع إليه بالبعث أو لقاء الحساب ، وأياماً كان ففيه مع الالتفات إلى ضمير الجلالة من تهويل الأمر ما لا يخفى .

والرجاء يطلق على توقع الخير كالأمل وعلى الخوف وتوقع الشر وعلى مطلق التوقع وهو في الأول حقيقة وفي الأخيرين مجاز ، واختار بعض المحققين المعنى المجازي الأخير المنتظم للأمل والخوف ، فالمعنى لا يتوقعون الرجوع إلينا أو لقاء حسابنا المؤدي إلى حسن الثواب أو إلى سوء العقاب فلا يأملون الأول ولا يخافون الثاني ويشير إلى عدم أملهم قوله سبحانه : { وَرَضُواْ بالحياة الدنيا } فإنه منبىء عن إيثار الأدنى الخسيس على الأعلى النفيس وإلى عدم خوفهم قوله عز وجل { واطمأنوا بِهَا } فإن المراد أنهم سكنوا فيها سكون من لا براح له آمنين من اعتراء المزعجات غير مخطرين ببالهم ما يسوءهم من العذاب ، وجوز أن يراد بالرجاء المعنى الأول والكلام على حذف مضاف أي لا يؤملون حسن لقائنا بالبعث والاحياء بالحياة الأبدية ورضوا بدلاً منها ومما فيها من الكرامات السنية بالحياة الدنيا الفانية الدنية وسكنوا إليها مكبين عليها قاصرين مجامع هممهم على لذائذها وزخارفها من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم ، وجوز أن يراد به المعنى الثاني والكلام على حذف المضاف أيضاً أي لا يخافون سوء لقائنا الذي يجب أن يخاف ، وتعقب بأن كلمة الرضا بالحياة الدنيا تأبى ذلك فإنها منبئة عما تقدم من ترك الأعلى وأخذ الأدنى ، وقال الآمام : إن حمل الرجاء على الخوف بعيد لأن تفسير الضد بالضد غير جائز ولا يخفى أنه في حيز المنع فقد ورد ذلك في استعمالهم وذكره الراغب والإمام المرزوقي وأنشدوا شاهداً له قول أبي ذؤيب

: إذا لسعته النحل لم يرج لسعها . . . وحالفها في بيت نوب عوامل

ووجه ذلك الراغب بأن الرجاء والخوف يتلازمان ، وأما الاعتراض على الإمام بأن استعمال الضد في الضد جائز في الاستعارة التهكمية فليس بشيء لأن مقصوده رحمه الله تعالى أن ذلك غير جائز في غير الاستعارة المذكورة كما يشعر به قوله تفسير دون استعارة ثم إنه لا يجوز اعتبار هذه الاستعارة هنا لأن التهكم غير مراد كما لا يخفى ، ويعلم مما ذكرنا في تفسير الآية أن الباء للظرفية ، وجوز أن تكون للسببية على معنى سكنوا بسبب زينتها وزخارفها ، واختيار صيغة الماضي في الخصلتين الأخيرتين للدلالة على التحقق والتقرر كما أن اختيار صيغة المستقبل في الأولى للإيذان بالاستمرار { والذين هُمْ عَنْ ءاياتنا } المفصلة في صحائف الأكوان حسبما أشير إلى بعضها أو آياتنا المنزلة المنبهة على الاستدلال بها المتفقة معها في الدلالة على حقية ما لا يرجونه من اللقاء المترتب على البعث وعلى بطلان ما رضوا به واطمأنوا فيه من الحياة الدنيا { غافلون } لا يتفكرون فيها أصلاً وإن نبهوا بما نبهوا لانهماكهم بما يصدهم عنها من الأحوال المعدودة ، وتكرير الموصول للتوصل به إلى هذه الصلة المؤذنة بدوام غفلتهم واستمرارها والعطف لمغايرة الوصف المذكور لما قبله من الأوصاف وفي ذلك تنبيه على أنهم جامعون لهذا وتلك وأن كل واحد منهما متميز مستقل صالح لأن يكون منشأ للذم والوعيد ، والقول بأن ذلك لتغاير الوصفين والتنبيه على أن الوعيد على الجمع بين الذهول عن الآيات رأساً والانهماك في الشهوات بحيث لا يخطر ببالهم الآخرة أصلاً ليس بشيء إذ يفهم من ظاهره أن كلاً منهما غير موجب للوعيد بالاستقلال بل الموجب له المجموع وهو كما ترى ، وكونه لتغاير الفريقين بأن يراد من الأولين من أنكر البعث ولم يرد إلا الحياة الدنيا وبالآخرين من ألهاه حب العاجل عن التأمل في الآجل والإعداد له كأهل الكتاب الذين ألهاهم حب الدنيا والرياسة عن الإيمان والاستعداد للآخرة بعيد غاية البعد في هذا المقام .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ} (7)

{ 7 - 8 } { إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }

يقول تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا } أي : لا يطمعون بلقاء الله ، الذي هو أكبر ما طمع فيه الطامعون ، وأعلى ما أمله المؤملون ، بل أعرضوا عن ذلك ، وربما كذبوا به { وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا } بدلا عن الآخرة .

{ وَاطْمَأَنُّوا بِهَا } أي : ركنوا إليها ، وجعلوها غاية مرامهم{[391]}  ونهاية قصدهم ، فسعوا لها وأكبوا على لذاتها وشهواتها ، بأي طريق حصلت حصلوها ، ومن أي وجه لاحت ابتدروها ، قد صرفوا إرادتهم ونياتهم وأفكارهم وأعمالهم إليها ، فكأنهم خلقوا للبقاء فيها ، وكأنها ليست دار ممر ، يتزود منها المسافرون إلى الدار الباقية التي إليها يرحل الأولون والآخرون ، وإلى نعيمها ولذاتها شمر الموفقون .

{ وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ } فلا ينتفعون بالآيات القرآنية ، ولا بالآيات الأفقية والنفسية ، والإعراض عن الدليل مستلزم للإعراض والغفلة ، عن المدلول المقصود .


[391]:- في ب: أمرهم.
 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ} (7)

قوله تعالى : { إن الذين لا يرجون لقاءنا } ، أي : لا يخافون عقابنا ولا يرجون ثوابنا . والرجاء يكون بمعنى الخوف والطمع ، { ورضوا بالحياة الدنيا } ، فاختاروها وعملوا لها ، { واطمأنوا بها } : سكنوا إليها . { والذين هم عن آياتنا غافلون } ، أي : عن أدلتنا غافلون لا يعتبرون . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : عن آياتنا عن محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { غافلون } معرضون .