روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ} (44)

{ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً } قرأ أبو معاذ { لَّيّناً } بالتخفيف ، والفاء لترتيب ما بعدها على طغيانه فإن تليين القول مما يكسر سورة عناد العتاة ويلين قسوة الطغاة ، ويعلم من ذلك أن الأمر بإلانة القول ليس لحق التربية كما قيل ، والمعنى كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لا تعنفاه في قولكما وارفقا به في الدعاء ويتحقق ذلك بعبارات شتى منها ما سيأتي إن شاء الله تعالى قريباً وهو { إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } [ طه : 47 ] الخ ومنها ما في النازعات وهو { هَل لَّكَ إلى أَن تزكى وَأَهْدِيَكَ إلى رَبّكَ فتخشى } [ النازعات : 18 ، 19 ] وهذا ظاهر غاية الظهور في الرفق في الدعاء فإنه في صورة العرض والمشورة ، وقيل : كنياه ، واستدل به على جواز تكنية الكافر ، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه . وابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً . وسفيان الثوري ، وله كنى أربع أبو الوليد . وأبو مصعب . وأبو العباس . وأبو مرة ، وقيل : عداه شباباً لا يهرم بعده وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته ، وعن الحسن قولاً له : إن لك رباً وإن لك معاداً وإن بين يديك جنة وناراً فآمن بالله تعالى يدخلك الجنة ويقك عذاب النار ، وقيل : أمرهما سبحانه بأنه يقدما له الوعد على الوعيد من غير تعيين قول كما قيل :

أقدم بالوعد قبل الوعيد *** لينهى القبائل جهالها

وروي عن عكرمة أن القول اللين لا إله إلا الله ولينه خفته على اللسان ، وهذا أبعد الأقوال وأقربها الأول ، وكان الفضل بن عيسى الرقاشي إذا تلا هذه الآية قال : يا من يتحبب إلى من يعاديه فكيف بمن يتولاه ويناديه ؛ وقرأت عند يحيى بن معاذ فبكى وقال : إلهي هذا رفقك بمن يقول أنا الإله فكيف رفقك بمن يقول أنت الله ؟ وفيها دليل على استحباب إلانة القول للظالم عند وعظه { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ } ويتأمل فيبدل النصفة من نفسه والإذعان للحق فيدعوه ذلك إلى الإيمان { أَوْ يخشى } أن يكون الأمر كما تصفان فيجره إنكاره إلى الهلكة وذلك يدعوه إلى الإيمان أيضاً إلا أن الأول للراسخين ولذا قدم ، وقيل : يتذكر حاله حين احتبس النيل فسار إلى شاطئه وأبعد وخر لله تعالى ساجداً راغباً أن لا يخجله ثم ركب فأخذ النيل يتبع حافر فرسه فيستدل بذلك على عظيم حلم الله تعالى وكرمه أو يخشى ويحذر من بطش الله تعالى وعذابه سبحانه ، والمعول على ما تقدم .

ولعل للترجي وهو راجع للمخاطبين ، والجملة في محل النصب حال من ضميرهما في { قَوْلاً } أي فقولا له قولاً ليناً راجيين أن يتذكر أو يخشى ، وكلمة أو لمنع الخلو .

وحاصل الكلام باشرا الأمر مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله ولا يخيب سعيه فهو يجتهد بطوعه ويحتشد بأقصى وسعه ، وقيل : حال من ضميرهما في { اذهبا } [ طه : 43 ] والأول أولى ، وقيل : لعل هنا للاستفهام أي هل يتذكر أو يخشى . وأخرج ذلك ابن المنذر . وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، قيل : وهو القول اللين ، وأخرج ذلك مخرج قولك : قل لزيد هل يقوم .

وقال الفراء : هي هنا بمعنى كي التعليلية وهي أحد معانيها كما ذهب إليه جماعة منهم الأخفش . والكسائي بل حكى البغوي عن الواقدي أن جميع ما في القرآن من لعل فإنها للتعليل إلا قوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ } فإنها للتشبيه كما في «صحيح البخاري » . وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك قال : لعل في القرآن بمعنى كي غير آية في الشعراء { لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ } [ الشعراء : 129 ] فإن المعنى كأنكم تخلدون ، وأخرج عن قتادة أنه قال : قرئ كذلك ، ولا يخفى أن كونها للتشبيه غريب لم يذكره النحاة ، وحملها على الاستفهام هنا بعيد ، ولعل التعليل أسبق إلى كثير من الأذهان من الترجي لكن الصحيح كما في «البحر » أنها للترجي وهو المشهور من معانيها ، وقيل : إن الترجي مجاز عن مطلق الطلب وهو راجع إليه عز وجل ، والذي لا يصح منه سبحانه هو الترجي حقيقة ، والمحققون على الأول ، والفائدة في إرسالهما عليهما السلام إليه مع العلم بأنه لا يؤمن إلزام الحجة وقطع المعذرة .

وزعم الإمام أنه لا يعلم سر الإرسال إليه مع علمه تعالى بامتناع حصول الإيمان منه إلا الله عز وجل ولا سبيل في أمثال هذا المقام لغير التسليم وترك الاعتراض .

واستدل بعض المتبعين لمن قال بنجاة فرعون بهذه الآية فقال : إن لعل كذا من الله تعالى واجب الوقوع فتدل الآية على أن أحد الأمرين التذكر والخشية واقع وهو مدار النجاة ، وقد تقدم لك ما يعلم منه فساد هذا الاستدلال ، ولا حاجة بنا إلى ما قيل من أنه تذكر وخشي لكن حيث لم ينفعه ذلك وهو حين الغرق بل لا يصح حمل التذكر والخشية هنا على ما يشمل التذكر والخشية اللذين زعم القائل حصولهما لفرعون فتذكر .

من باب الإشارة : { فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } [ طه : 44 ] فيه إشارة إلى تعليم كيفية الإرشاد ، وقال النهر جوري : إن الأمر بذلك لأنه أحسن إلى موسى عليه السلام في ابتداء الأمر ولم يكافئه

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ} (44)

{ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا } أي : سهلا لطيفا ، برفق ولين وأدب في اللفظ من دون فحش ولا صلف ، ولا غلظة في المقال ، أو فظاظة في الأفعال ، { لَعَلَّهُ } بسبب القول اللين { يَتَذَكَّرُ } ما ينفعه فيأتيه ، { أَوْ يَخْشَى } ما يضره فيتركه ، فإن القول اللين داع لذلك ، والقول الغليظ منفر عن صاحبه ، وقد فسر القول اللين في قوله : { فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى* وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى } فإن في هذا الكلام ، من لطف القول وسهولته ، وعدم بشاعته ما لا يخفى على المتأمل ، فإنه أتى ب " هل " الدالة على العرض والمشاورة ، التي لا يشمئز منها أحد ، ودعاه إلى التزكي والتطهر من الأدناس ، التي أصلها ، التطهر من الشرك ، الذي يقبله كل عقل سليم ، ولم يقل " أزكيك " بل قال : " تزكى " أنت بنفسك ، ثم دعاه إلى سبيل ربه ، الذي رباه ، وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة ، التي ينبغي مقابلتها بشكرها ، وذكرها فقال : { وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى } فلما لم يقبل هذا الكلام اللين الذي يأخذ حسنه بالقلوب ، علم أنه لا ينجع فيه تذكير ، فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ} (44)

قوله تعالى : { فقولا له قولاً ليناً } يقول : دارياه وارفقا معه ، قال ابن عباس رضي الله عنه : لا تعنفا في قولكما . وقال السدي ، وعكرمة : كنياه ، فقولا يا أبا العباس ، وقيل : يا أبا الوليد . وقال مقاتل : يعني القول اللين " هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك ، فتخشى " . وقيل : أمرهما باللطافة في القول لما له من حق التربية . وقال السدي : القول اللين أن موسى أتاه ووعده على قبول الإيمان شباباً لا يهرم معه ، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت ، ويبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته ، وإذا مات دخل الجنة ، فأعجبه ذلك وكان لا يقطع أمراً دون هامان ، وكان غائباً . فلما قدم أخبره بالذي دعاه إليه موسى ، وقال : أردت أن أقبل منه ، فقال له هامان : كنت أرى أن لك عقلاً ورأياً أنت رب تريد أن تكون مربوباً ، وأنت تعبد تريد أن تعبد . فغلبه على رأيه وكان هارون يومئذ بمصر ، فأمر الله موسى أن يأتي هارون وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى ، فتلقاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه { لعله يتذكر أو يخشى } أي : يتعظ ويخاف ويسلم . فإن قيل : كيف قال ( لعله يتذكر ) وقد سبق في علمه أنه لا يتذكر ولا يسلم قيل : معناه : اذهبا على رجاء منكما وطمع ، وقضاء الله وراء أمركما . وقال الحسين بن الفضل : هو ينصرف إلى غير فرعون ، مجازه لعله يتذكر ويخشى خاش إذا رأى بري وألطافي بمن خلقته وأنعمت عليه ثم ادعى الربوبية . وقال أبو بكر محمد بن عمر الوراق " لعل " من الله واجب ولقد تذكر فرعون وخشى حين لم تنفعه الذكرى والخشية ، وذلك حين ألجمه الغرق قال : ( آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ) وقرأ رجل عند يحيى بن معاذ هذه الآية ( فقولا له قولاً ليناً ) فبكى يحيى وقال : إلهي هذا برك بمن يقول أنا الإله ، فكيف برك بمن يقول أنت الإله .