{ قَالَ } أي فتاه ، والاستئناف بياني كأنه قيل فما صنع الفتى حين قال له موسى عليه السلام ما قال ؟ فقيل قال : { أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصخرة } أي التجأنا إليها وأقمنا عندها ، وجاء في بعض الروايات الصحيحة أن موسى عليه السلام حين قال لفتاه : { لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَباً } [ الكهف : 62 ] قال : قد قطع الله عنك النصب ، وعلى هذا فيحتمل أنه بعد أن قال ذلك قال : { أَرَأَيْتَ } الخ ، قال شيخ الإسلام : وذكر الاواء إلى الصخرة مع أن المذكور فيما سبق بلوغ مجمع البحرين لزيادة تعيين محل الحادثة فإن المجمع محل متسع لا يمكن تحقيق المراد بنسبة الحادثة إليه ولتمهيد العذر فإن الاواء إليها والنوم عندها مما يؤدي إلى النسيان عادة انتهى .
وهذا الأخير إنما يتم على بعض الروايات من أنهما ناما عند الصخرة ، وذكر أن هذه الصخرة قريبة من نهر الزيت وهو نهر معين عنده كثير من شجر الزيتون ، و { أَرَأَيْتَ } قيل بمعنى أخبرني ؛ وتعقبه أبو حيان بأنها إذا كانت كذلك فلا بد لها من أمرين كون الاسم المستخبر عنه معها ولزوم الجملة التي بعدها الاستفهام وهما مفقودان هنا ، ونقل هو ناظر الجيش في شرح التسهيل عن أبي الحسن الأخفش أنه يرى أن أرأيت إذا لم ير بعدها منصوب ولا استفهام بل جملة مصدرة بالفاء كما هنا مخرجة عن بابها ومضمنة معنى اما أو تنبه فالفاء جوابها لا جواب إذ لأنها لا تجازي إلا مقرونة بما بلا خلاف فالمعنى إما أو تنبه إذ أوينا إلى الصخرة { فَإِنّى نَسِيتُ الحوت } وقال شيخ الإسلام : الرؤية مستعارة للمعرفة التامة والمشاهدة الكاملة ، ومراده بالاستفهام تعجيب موسى عليه السلام مما اعتراه هناك من النسيان مع كون ما شاهده من العظائم التي لا تكاد تنسى ، وقد جعل فقدانه علامة لوجدان المطلوب وهذا أسلوب معتاد بين الناس يقول أحدهم لصاحبه إذا نابه خطب : أرأيت ما نابني يريد بذلك تهويله وتعجيب صاحبه منه وأنه مما لا يعهد وقوعه لا استخباره عن ذلك كما قيل ، والمفعول محذوف اعتماداً على ما يدل عليه من قوله { فَإِنّي } الخ وفيه تأكيد للتعجيب وتربية لاستعظام المنسي اه . وفيه من القصور ما فيه . والزمخشري جعله استخباراً فقال : إن يوشع عليه السلام لما طلب منه موسى عليه السلام الغداء ذكر ما رأى من الحوت وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية فدهش فطفق يسأل عن سبب ذلك كأنه قال : أرأيت ما دهاني إذا أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت فحذف ذلك اه ، وفيه إشارة إلى أن مفعول { أَرَأَيْتَ } محذوف وهو إما الجملة الاستفهامية إن كانت ما في ما دهاني للاستفهام وإما نفس ما إن كانت موصولة ، وإلى أن إذ ظرف متعلق بدهاني وهو سبب لما بعد الفاء في { فَإِنّي } وهي سببية ، نظير ذلك قوله تعالى : { وَإِذَا لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ } [ الأحقاف : 11 ] فإن التقدير وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم فسيقولون الخ وهو قول بأن أرأيت بمعنى أخبرني وقد سمعت ما قيل عليه ، وفي تقديره أيضاً على الاحتمال الثاني ما في حذف الموصول مع جزء الصلة بناءً على أن { فَإِنّى نَسِيتُ } من تتمتها ، وعلى العلات ليس المراد من الاستخبار حقيقته بل تهويل الأمر أيضاً ، ثم لا يخفي إن رأى إن كانت بصرية أو بمعنى عرف احتاجت إلى مفعول واحد والتقدير عند بعض المحققين أأبصرت أو أعرفت حالي إذ أوينا وفيه تقليل للحذف ولا يخفي حسنه ، وإن كانت علمية احتاجت إلى مفعولين وعلى هذا قال أبو حيان : يمكن أن تكون مما حذف منه المفعولان اختصاراً والتقدير أرأيت أمرنا إذ أوينا ما عاقبته ، وإيقاع النسيان على اسم الحوت دون ضمير الغداء مع أنه المأمور بإيتائه قيل للتنبيه من أول الأمر على أنه ليس من قبيل نسيان زاده في المنزل وأن ما شاهده ليس من قبيل الأحوال المتعلقة بالغداء من حيث هو غداء وطعام بل من حيث هو حوت كسائر الحيتان مع زيادة ؛ وقيل للتصريح بما في فقده إدخال السرور على موسى عليه السلام مع حصول الجواب فقد تقدم رواية أنه قال له : لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت ، ثم الظاهر أن النسيان على حقيقته وهو ليس متعلقاً بذات الحوت بل بذكره .
وجوز أن يكون مجازاً عن الفقد فيكون متعلقاً بنفس الحوت ، والأكثرون على الأول أي نسيت أن أذكر لك أمر الحوت وما شاهدت من عجيب أمره { وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان } لعله شغله بوساوس في الأهل ومفارقة الوطن فكان ذلك سبباً للنسيان بتقدير العزيز العليم وإلا فتلك الحال مما لا تنسى . وقال بعضهم : إن يوشع كان قد شاهد من موسى عليه السلام المعجزات القاهرات كثيراً فلم يبق لهذه المعجزة وقع عظيم لا يؤثر معه الوسوسة فنسي . وقال الإمام : إن موسى عليه السلام لما استعظم علم نفسه أزال الله تعالى عن قلب صاحبه هذا العلم الضروري تنبيهاً لموسى عليه السلام على أن العلم لا يحصل إلا بتعليم الله تعالى وحفظه على القلب والخاطر ، وأنت تعلم أنه لو جعل الله تعالى المشاهد الناسي هو موسى عليه السلام كان أتم في التنبيه ، وقد يقال : إنه أنسي تأديباً له بناءً على ما تقدم من أن موسى عليه السلام لما قال له : لا أكلفك الخ قال له ما كلفت كثيراً حيث استسهل الأمر ولم يظهر الالتجاء فيه إلى الله تعالى بأن يقول : أخبرك إن شاء الله تعالى ، وفيه أيضاً عتاب لموسى عليه السلام حيث اعتمد عليه في العلم بذهاب الحوت فلم يحصل له حتى نصب ، ثم إن هذه الوسوسة لا تضر بمقام يوشع عليه السلام وإن قلنا أنه كان نبياً وقت وقوع هذه القصة .
وقال بعض المحققين : لعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما اعتراه من مشاهدة الآيات الباهرة ، وإنما نسبه إلى الشيطان مع أن فاعله الحقيقي هو الله تعالى والمجازي هو الاستغراق المذكور هضماً لنفسه بجعل ذلك الاستغراق والانجذاب لشغله عن التيقظ للموعد الذي ضربه الله تعالى بمنزلة الوساوس ففيه تجوز باستعارة الشيطان لمطلق الشاغل ، وفي الحديث «إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله تعالى في اليوم سبعين مرة » أو لأن عدم احتمال القوة للجانبين واشتغالها بأحدهما عن الآخر يعد من نقصان صاحبها وتركه المجاهدات والتصفية فيكون قد تجوز بذلك عن النقصان لكونه سببه ، وضم حفص الهاء في { أَنْسَانِيهُ } وهو قليل في مثل هذا التركيب قلة النسيان في مثل هذه الواقعة ، والجمهور على الكسر وأمال الكسائي فتحة السين .
وقوله تعالى : { أَنْ أَذْكُرَهُ } بدل اشتمال من الهاء أي ما أنساني ذكره لك إلا الشيطان ، قيل وفي تعليق الفعل بضمير الحوت أولاف وبذكره له ثانياً على طريق الإبدال المنبئ عن تنحيته المبدل منه إشارة إلى أن متعلق النسيان ليس نفس الحوت بل ذكر أمره .
وفي مصحف عبد الله وقراءته { أن } ، وفي إيثار أن والفعل على المصدر نوع مبالغة لا تخفي .
{ واتخذ سَبِيلَهُ في البحر عَجَبًا } الظاهر الذي عليه أكثر المفسرين أن مجموعه كلام يوشع وهو تتمة لقوله : { فَإِنّى نَسِيتُ الحوت } وفيه إنباء عن طرف آخر من أمره وما بينهما اعتراض قدم عليه للاعتناء بالاعتذار كأنه قيل حي واضطرب ووقع في البحر واتخذ سبيله فيه سبيلاً عجباً ، فسبيله مفعول أول لاتخذ و { في البحر } حال منه و { عَجَبًا } مفعول ثان ، وفي ذكر السبيل ثم إضافته إلى ضمير الحوت ثم جعل الظرف حالاً من المضاف تنبيه إجمالي على أن المفعول الثاني من جنس الأمور الغريبة ، وفيه تشويق للمفعول الثاني وتكرير مفيد للتأكيد المناسب للمقام ، فهذا التركيب في إفادة المراد أو في لحق البلاغة من أن يقال واتخذ في البحر سبيلاً عجباً ، وجوز أن يكون { في البحر } حالاً من { عَجَبًا } وأن يكون متعلقاً باتخذ ، وأن يكون المفعول الثاني له و { عَجَبًا } صفة مصدر محذوف أي اتخاذاً عجباً وهو كون مسلكه كالطاق والسرب ، وجوز أيضاً على احتمال كون الظرف مفعولاً ثانياً أن ينصب { عَجَبًا } بفعل منه مضمر أي أعجب عجباً ، وهو من كلام يوشع عليه السلام أيضاً تعجب من أمر الحوت بعد أن أخبر عنه ، وقيل إن كلام يوشع عليه السلام قد تم عند { البحر } وقول أعجب عجباً كلام موسى عليه السلام كأنه قيل : وقال موسى : أعجب عجباً من تلك الحال التي أخبرت بها ، وأنت تعلم أنه لو كان كذلك لجيء بالجملة الآتية بالواو والعاطفة على هذا المقدر ، وقيل يحتمل أن يكون المجموع من كلامه عز وجل وحينئذٍ يحتمل وجهين ، أحدهما أن يكون إخباراً منه تعالى عن الحوت بأنه اتخذ سبيله في البحر عجباً للناس ، وثانيهما أن يكون إخباراً منه سبحانه عن موسى عليه السلام بأنه اتخذ سبيل الحوت في البحر عجباً يتعجب منه ، و { عَجَبًا } على هذا مفعول ثان ولا ركاكة في تأخير { قَالَ } الآتي عنه على هذا لأنه استئناف لبيان ما صدر منه عليه السلام بعد ، ويؤيد كونه من كلام يوشع عليه السلام قراءة أبي حيوة { واتخاذ } بالنصب على أنه معطوف على المنصوب في { أَنْ أَذْكُرَهُ } .
فلما قال موسى لفتاه هذه المقالة ، قال له فتاه : { أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ ْ } أي : ألم تعلم حين آوانا الليل إلى تلك الصخرة المعروفة بينهما { فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان ْ } لأنه السبب في ذلك { وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ْ } أي : لما انسرب في البحر ودخل فيه ، كان ذلك من العجائب .
قال المفسرون : كان ذلك المسلك للحوت سربا ، ولموسى وفتاه عجبا ، فلما قال له الفتى هذا القول ، وكان عند موسى وعد من الله أنه إذا فقد الحوت ، وجد الخضر ، فقال موسى : { ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ْ }
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذِكْرُه: قال فتى موسى لموسى حين قال له: آتِنا غَداءنا لِنَطْعَمَ:"أرَأيْتَ إذا أوَيْنا إلى الصّخرة فإني نَسِيتُ الحوتَ" هنالك "وَما أنْسانيهُ إلاّ الشّيْطانُ "يقول: وما أنساني الحوتَ إلا الشيطانُ أنْ أذْكُرَهُ... معنى الكلام: وما أنساني أنْ أَذْكُرَ الحوتَ إلا الشيطانُ... واتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَباً يَعْجَبُ منه... عن ابن عباس "واتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَبا" قال: يعني: كان سرب الحوت في البحر لموسى عجبا...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
... في الآية وجوه من الغرائب؛ أحدهما: أن يلزم الإنسان طلب العلم واقتباسه؛ إذ كان به وبالناس حاجة إليه، وإن بعدت الشقة، ونأى الموضع حين قال موسى: {لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضى حقبا} (الكهف: 60).
والثاني: أن لا بأس لاثنين أن يسافرا؛ إذ لا كل واحد واثنين يكونان شيطانين على ما ذكر في بعض الأخبار أن الواحد شيطان، والاثنين شيطانان، ولكن واحدا دون واحد، واثنين دون اثنين.
والثالث: أنه لا يسافر إلا بالزاد، إذ تزود موسى والفتى بالحوت الذي ذكر حين خرجا إلى حيث أمر موسى أن يخرج في مجمع البحرين. فأما أهل التأويل فإنهم قالوا جميعا: إنه أُمِرَ موسى أن يأتي الخضر ليتعلم منه العلم، ولكن ليس في القرآن ذكر للخضر، إنما فيه ذكر عبد من عباده حين قال: {فوجدا عبدا من عبادنا} (الكهف: 65).
والرابع: أن الثنيا إنما يلزم في كل فعل مستقبل مما يشك فيه، ويرتاب. فأما ما كان سبيل معرفته الوحي واليقين فإنه لا يستثني فيه: حين قال موسى لفتاه: {لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا} (الكهف: 60) قال ذلك من غير ثنيا لأنه عز و جل أمره أن يأتيه. ولا يحتمل أن يؤمر بالإتيان في مكان، ثم هو يشك أنه لعله لا يأتيه. لذلك قطع القول فيه. وكذلك قول ذلك العبد الصالح لموسى: {إنك لن تستطيع معي صبرا} (الكهف: 67) قطع القول فيه من غير ثنيا لأنه علم بالوحي أنه لا يصبر على ما يرى منه. وأما موسى فإنه قد استثنى في ما وعد أنه يصبر لأنه أضاف إلى حادث من الأوقات على الشك منه أن يصبر، أو لا يصبر، وعلى الارتياب على اليقين. فقال: {ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا} (الكهف: 69) مما ذكرنا. والخامس: أن الرجل إذا اختلف إلى عالم يقتبس منه العلم، ويتعلم منه، فرأى منه مناكير ومظالم تلزمه أن يفارقه، ولا يتعلم منه العلم كصنيع موسى بصاحبه لما رأى من خرق السفينة وقتل الغلام وغيره مما كان منكرا وظلما في الظاهر، وإن كان ما فعل، هو فعل الأمر، كره موسى صحبته، وندم على ذلك أشد الندامة، حتى جعله على علم من ذلك كله. فهكذا الواجب على الرجل إذا رأى مناكير من الذي يأخذ منه العلم ومظالم أن يفارقه، ولا يأخذ من علمه، والله أعلم.
وفي قوله تعالى: {ستجدني إن شاء الله صابرا} دلالة أن الاختيار والمستحب في الثنيا أن يكون في ابتداء الكلام، لأن موسى ابتدأ به. وكذلك قوله: {وإنا إن شاء الله لمهتدون} (البقرة: 70) فإذا تركه في أول كلامه، أو نسي، يستثني في آخره، فيعمل عمله في دفع الخُلف في الوعد والكذب. وعلى هذا تَأَوَّلَ بعض الناس قوله: {واذكر ربك إذا نسيت} (الكهف: 23) أي استثن في آخره إذا نسيت في أول كلامك، والله أعلم. ثم هذه القصص والأنباء التي ذُكِرَت لرسول الله صلى الله عليه وسلم على إثر سؤال كان منهم على ما ذكرنا في قصة أصحاب الكهف وغيرها من القصص، أو على غير سؤال. ولكن كانت في كتبهم، فذكرت له ليُعْلَم أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{أَرَأَيْتَ} بمعنى أَخبِرْني. فإن قلت: ما وجهُ التئامِ هذا الكلام، فإنّ كل واحدٍ من {أَرَأَيْتَ} و {إِذْ أَوَيْنَا} و {فَإِنّي نَسِيتُ الحوتَ} لا مُتعلَّقَ له؟ قلت: لمّا طَلب موسى عليه السلام الحوت، ذَكَر يوشعُ ما رأى منه وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية، فدَهِشَ وطَفِقَ يَسأل موسى عليه السلام عن سبب ذلك، كأنه قال: أرأيتَ ما دَهاني إذ أوَيْنا إلى الصخرة؟ فإني نَسِيتُ الحوتَ، فحُذف ذلك...
{عَجَبًا}... مِثل {سَرَباً} يعني: واتَّخَذ سبيلَه سبيلاً عَجَباً، وهو كونه شبيهَ السَّرَبِ...
وقيل: إن {عَجَبًا} حكايةٌ لتعجُّب موسى عليه السلام، وليس بذاك...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
فكأنه قيل: فما كان عن أمره؟ فقيل: {قال} لموسى عليه السلام معجباً له: {أرءيت} ما دهاني؟ {إذ أوينا إلى الصخرة} التي بمجمع البحرين {فإني} أي بسبب أني {نسيت الحوت} أي نسيت أن أذكر لك أمره الذي كان هناك؛ ثم زاد التعجيب من هذا النسيان بالاعتراض بين الإخبار به مجملاً وبين تفصيل أمره وبإيقاع النسيان عليه ثم على ذكره فقال تعالى: {وما أنسانيه} مع كونه عجيباً {إلا الشيطان} بوساوسه. ولما كان المقام للتدريب في عظيم تصرف الله تعالى في القلوب بإثبات العلم ونفيه وإن كان ضرورياً، ذكر نسيانه، ثم أبدل من ضميره قوله تعالى: {أن أذكره} لك فإنه عاش فانساب من المكتل في البحر {واتخذ سبيله} أي طريقه الذي ذهب فيه {في البحر عجباً} وذكره له الآن مانع من أن يكون للشيطان عليه سلطان على أن هذا الإنساء ليس مفوتاً لطاعة، بل فيه ترقية لهما في معارج المقامات العالية لوجدان التعب بعد المكان الذي فيه البغية، وحفظ الماء منجاباً على طول الزمان وغير ذلك من آيات الإيقان، وقوله تعالى {إنما سلطانه على الذين يتولونه} [النحل:100] مبين أن السلطان الحمل على المعاصي، وقد كان في هذه القصة خوارق حياة الحوت وإيجاد ما كان أكل منه، وإمساك الماء عن مدخله...
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
{أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصخرة} أي التجَأْنا إليها... وذكرُ الإِوَاءِ إليها مع أن المذكور فيما سَبق مرتين بلوغُ مجمعِ البحرين لزيادة تعيينِ محلِّ الحادثة، فإن المجمَع محلٌ متّسعٌ لا يمكن تحقيقُ المراد المذكور بنسبة الحادثةِ إليه ولتمهيد العُذر فإن الإِواءَ إليها والنومَ عندها مما يؤدي إلى النسيان عادةً... والرؤيةُ مستعارةٌ للمعرفة التامة والمشاهدة الكاملةِ...
{فإني نَسِيتُ الحوتَ}... تأكيدٌ للتعجيب وتربيةٌ لاستعظام المنسيِّ، وإيقاعُ النسيان على اسم الحوتِ دون ضمير الغَداءِ مع أنه المأمورُ بإتيانه للتنبيه من أول الأمر على أنه ليس من قبيل نِسيان المسافرِ زادَه في المنزل وأنّ ما شاهَده ليس من قبيل الأحوالِ المتعلِّقة بالغَداء من حيث هو غَداءٌ وطعامٌ، بل من حيث هو حوتٌ كسائر الحِيتان مع زيادةٍ أي نسِيتُ أن أذكر لك أمرَه وما شاهدتُ منه من الأمور العجيبة... {أَنْ أَذْكُرَهُ}... وقُرئ أن أذكّره، وإيثارُ أن أَذْكُرَه على المصدر للمبالغة فإن مدلوله نفسُ الحدثِ عند وقوعه...
{واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البحر عَجَبًا} بيانٌ لطَرَفٍ من أمر الحوتِ منبئ عن طرف آخرَ منه،... كأنه قيل: حَيِيَ واضطَرَب ووقَع في البحر واتَّخَذ سبيلَه فيه سبيلاً عجباً...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
{نَسِيتُ الحوتَ} أي نَسِيتُ حِفْظَه وافتقادَه، أي فانفَلَت في البحر...
{أَنْ أَذْكُرَهُ}... الذِّكْرُ هنا ذِكْرُ اللسانِ...
ووَجْهُ حصْرِه إسنادَ هذا الإنساء إلى الشيطان أنّ ما حَصل له من نسيانِ أنْ يخبر موسى بتلك الحادثة نسيانٌ ليس من شأنه أن يقع في زمنٍ قريبٍ مع شدة الاهتمام بالأمر المَنسيّ وشدةِ عنايته بإخبار نبيئه به. ومع كون المَنسيّ أعجوبةً شأنُها أن لا تُنسى يَتعيَّن أن الشيطان ألْهاهُ بأشياء عن أن يتذكّر ذلك الحادث العجيب وعَلم يوشعُ أن الشيطان يَسوءه التقاءُ هذين العبدين الصالحين، وما له من الأثر في بَثّ العلوم الصالحة فهو يَصْرِفُ عنها ولو بتأخيرِ وقوعها طمعاً في حدوث العوائق...