روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (46)

{ وَيُكَلّمُ الناس في المهد وَكَهْلاً } عطف على الحال الأولى أيضاً وعطف الفعل على الاسم لتأويله به سائغ شائع وهو في القرآن كثير والظرف حال من الضمير المستكن في الفعل ولم يجعل ظرفاً لغواً متعلقاً به مع صحته لعطف { وَكَهْلاً } عليه ، والمراد يكلمهم حال كونه طفلاً وكهلاً ، والمقصود التسوية بين الكلام في حال الطفولية وحال الكهولة ، وإلا فالكلام في الثاني ليس مما يختص به عليه السلام وليس فيه غرابة ، وعلى هذا فالمجموع حال لا كل على الاستقلال ، وقيل : إن كلاً منهما حال ، والثاني : تبشير ببلوغ سن الكهولة وتحديد لعمره ، والمهد مقر الصبي في رضاعه وأصله مصدر سمي به وكان كلامه في المهد ساعة واحدة بما قص الله تعالى لنا ، ثم لم يتكلم حتى بلغ أوان الكلام قاله ابن عباس ، وقيل : كان يتكلم دائماً وكان كلامه فيه تأسيساً لنبوته وإرهاصاً لها على ما ذهب إليه ابن الأخشيد وعليه يكون قوله : { وَجَعَلَنِى نَبِيّاً } [ مريم : 30 ] إخباراً عما يؤول إليه ، وقال الجبائي : إنه سبحانه أكمل عقله عليه السلام إذ ذاك وأوحى إليه بما تكلم به مقروناً بالنبوة ، وجوز أيضاً أن يكون ذلك كرامة لمريم دالة على طهارتها وبراءة ساحتها مما نسبه أهل الإفك إليها ، والقول : بأنه معجزة لها بعيد وإن قلنا بنبوتها وزعمت النصارى أنه عليه السلام لم يتكلم في المهد ولم ينطق ببراءة أمه صغيراً بل أقام ثلاثين سنة واليهود تقذف أمه بيوسف النجار وهذا من أكبر فضائحهم الصادحة برد ما هم عليه من دعوى الألوهية له عليه السلام وكذا تنقله في الأطوار المختلفة المتنافية لأن من هذا شأنه بمعزل عن الألوهية ، واعترضوا بأن كلامه في المهد من أعجب الأمور فلو كان لنقل ، ولو نقل لكان النصارى أولى الناس بمعرفته ، وأجيب بأن الحاضرين إذ ذاك لم يبلغوا مبلغ التواتر ، ولما نقلوا كذبوا فسكتوا ، وبقي الأمر مكتوماً إلى أن نطق القرآن به ، وهذا قريب على قول ابن عباس : إنه لم يتكلم إلا ساعة من نهار وعلى القول الآخر وهو أنه بقي يتكلم يقال : إن الناس اشتغلوا بعد بنقل ما هو أعجب من ذلك من أحواله كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار عن الغيوب والخلق من الطين كهيئة الطير حتى لم يذكر التكلم منهم إلا النزر ولا زال الأمر بقلة حتى لم يبق مخبر عن ذلك وبقي مكتوماً إلى أن أظهره القرآن .

وبعد هذا كله لك أن تقول لا نسلم إجماع النصارى على عدم تكلمه في المهد ، وظاهر الأخبار ، وقد تقدم بعضها يشير إلى أن بعضهم قائل بذلك ، وبفرض إجماعهم نهاية ما يلزم الاستبعاد وهو بعد إخبار الصادق لا يسمن ولا يغني من جوع عند من رسخ إيمانه ، وقوي إيقانه ، وكم أجمع أهل الكتابين على أشياء نطق القرآن الحق بخلافها والحق أحق بالاتباع ، ولعل مرامهم من ذلك أن يطفئوا نور الله بأفواههم { ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون } [ التوبة : 32 ] والكهل ما بين الشاب والشيخ ، ومنه اكتهل النبت إذا طال وقوي ، وقد ذكر غير واحد أن ابن آدم ما دام في الرحم فهو جنين ، فإذا ولد فهو وليد ؛ ثم ما دام يرضع فهو رضيع ، ثم إذا قطع اللبن فهو فطيم ، ثم إذا دب ونما فهو دارج ، فإذا بلغ خمسة أشبار فهو خماسي ، فإذا سقطت رواضعه فهو مثغور ، فإذا نبتت أسنانه فهو مثغر بالتاء والثاء كما قال أبو عمرو فإذا قارب عشر سنين أو جاوزها فهو مترعرع وناشىء ؛ فإذا كان يبلغ الحلم أو بلغه فهو يافع ومراهق ، فإذا احتلم واجتمعت قوته فهو حزور ، واسمه في جميع هذه الأحوال غلام فإذا اخضر شاربه وأخذ عذاره يسيل قيل : قد بقل وجهه ، فإذا صار ذا فتاء فهو فتى وشارخ ، فإذا اجتمعت لحيته وبلغ غاية شبابه فهو مجتمع ، ثم ما دام بين الثلاثين والأربعين فهو شاب ، ثم كهل إلى أن يستوفي الستين . ويقال لمن لاحت فيه أمارات الكبر وخطه الشيب ، ثم يقال شاب ، ثم شمط ، ثم شاخ ، ثم كبر ، ثم هرم ، / ثم دلف ، ثم خرف ، ثم اهتر ، ومحاظله إذا مات وهذا الترتيب إنما هو في الذكور ، وأما في الإناث فيقال للأنثى ما دامت صغيرة : طفلة ، ثم وليدة إذا تحركت ، ثم كاعب إذا كعب ثديها ثم ناهد ، ثم معصر إذا أدركت ، ثم عانس إذا ارتفعت عن حد الإعصار ، ثم خود إذا توسطت الشباب ، ثم مسلف إذا جاوزت الأربعين ، ثم نصف ، إذا كانت بين الشباب والتعجيز ، ثم شهلة كهلة إذا وجدت من الكبر وفيها بقية وجلد ثم شهربة إذا عجزت وفيها تماسك ثم حيزبون إذا صارت عالية السن ناقصة العقل ، ثم قلعم ولطلط إذا انحنى قدّها وسقطت أسنانها .

وعلى ما ذكر في سن الكهولة يراد بتكليمه عليه السلام كهلاً تكليمه لهم كذلك بعد نزوله من السماء وبلوغه ذلك السن بناءاً على ما ذهب إليه سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وغيرهما «أنه عليه السلام رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وأنه سينزل إلى الأرض ويبقى حياً فيها أربعاً وعشرين سنة » كما رواه ابن جرير بسند صحيح عن كعب الأحبار ، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : قد كلمهم عيسى في المهد وسيكلمهم إذا قتل الدجال وهو يومئذٍ كهل { وَمِنَ الصالحين } أي ومعدوداً في عدادهم وهو معطوف على الأحوال السابقة .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (46)

{ ويكلم الناس فى المهد وكهلا } وهذا غير التكليم المعتاد ، بل المراد يكلم الناس بما فيه صلاحهم وفلاحهم ، وهو تكليم المرسلين ، ففي هذا إرساله ودعوته الخلق إلى ربهم ، وفي تكليمهم في المهد آية عظيمة من آيات الله ينتفع بها المؤمنون ، وتكون حجة على المعاندين ، أنه رسول رب العالمين ، وأنه عبد الله ، وليكون نعمة وبراءة لوالدته مما رميت به { ومن الصالحين } أي : يمن عليه بالصلاح ، من من عليهم ، ويدخله في جملتهم ، وفي هذا عدة بشارات لمريم مع ما تضمن من التنويه بذكر المسيح عليه السلام .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (46)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ويكلم الناس في المهد}: حجر أمه في الخِرَق طفلا، {و} يكلمهم {كهلا}: إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء، {ومن الصالحين}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

{وَيُكَلّمُ النّاسَ فِي المَهْدِ} أن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم، وجيها عند الله، ومكلما الناس في المهد.

وأما المهد: فإنه يعني به مضجع الصبيّ في رضاعه.

{وَكَهْلاً}: ومحتَنِكا فوق الغلومة ودون الشيخوخة. وإنما عنى جلّ ثناؤه بقوله: {وَيُكَلّمُ النّاسَ فِي المَهْدِ وَكَهْلاً}: ويكلم الناس طفلاً في المهد، دلالة على براءة أمه مما قذفها به المفترون عليها، وحجة له على نبوّته، وبالغا كبيرا بعد احتناكه بوحي الله الذي يوحيه إليه، وأمره ونهيه، وما تقوّل عليه من كتابه. وإنما أخبر الله عزّ وجلّ عباده بذلك من أمر المسيح، وأنه كذلك كان، وإن كان الغالب من أمر الناس أنهم يتكلمون كهولاً وشيوخا، احتجاجا به على القائلين فيه من أهل الكفر بالله من النصارى بالباطل، وأنه كان في معاناة أشياء مولودا طفلاً، ثم كهلاً يتقلّب في الأحداث، ويتغير بمرور الأزمنة عليه والأيام، من صغر إلى كبر، ومن حال إلى حال، وأنه لو كان كما قال الملحدون فيه، كان ذلك غير جائز عليه، فكذب بذلك ما قاله الوفد من أهل نجران، الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، واحتجّ به عليهم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأعلمهم أنه كان كسائر بني آدم، إلا ما خصه الله به من الكرامة التي أبانه بها منهم. وقال آخرون: معنى قوله: {وَكَهْلاً}: أنه سيكلمهم إذا ظهر... قد كلمهم عيسى في المهد، وسيكلمهم إذا قتل الدجال، وهو يومئذٍ كهل.

{وَمِنَ الصّالِحِينَ}: من عدادهم وأوليائهم لأن أهل الصلاح بعضهم من بعض في الدين والفضل.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{ويكلم الناس في المهد وكهلا} والكهل يكلم الناس؟ قيل لوجهين: الأول: لأن كلامه في المهد آية، والآية لا تدوم كقوله: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم} الآية [النور: 24]. وإنما يكون ذلك مرة لا أنها تشهد، وتنطق أبدا، فأخبر أن تكليمه الناس في المهد، وإن كان آية، فإنه ليس بالذي يدوم، ولا يكون إلا مرة. والثاني: أمن من الله لمريم وبشارة لها من ولادته إلى وقت كهولته، والله أعلم...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

ويكلم الناس طفلاً وكهلاً. ومعناه: يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

{ومن الصالحين}... لا رتبة أعظم من كون المرء صالحا، لأنه لا يكون كذلك إلا ويكون في جميع الأفعال والتروك مواظبا على النهج الأصلح، والطريق الأكمل، ومعلوم أن ذلك يتناول جميع المقامات في الدنيا والدين في أفعال القلوب، وفي أفعال الجوارح، فلما ذكر الله تعالى بعض التفاصيل أردفه بهذا الكلام الذي يدل على أرفع الدرجات...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{ويكلم الناس في المهد وكهلا} وهذا غير التكليم المعتاد، بل المراد يكلم الناس بما فيه صلاحهم وفلاحهم، وهو تكليم المرسلين، ففي هذا إرساله ودعوته الخلق إلى ربهم، وفي تكليمهم في المهد آية عظيمة من آيات الله ينتفع بها المؤمنون، وتكون حجة على المعاندين، أنه رسول رب العالمين، وأنه عبد الله، وليكون نعمة وبراءة لوالدته مما رميت به. {ومن الصالحين} أي: يمن عليه بالصلاح، من من عليهم، ويدخله في جملتهم، وفي هذا عدة بشارات لمريم مع ما تضمن من التنويه بذكر المسيح عليه السلام...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والمهد: شِبْه الصندوق من خشب لا غطاء له يُمهد فيه مَضجع للصبي مدة رضاعه يُوضع فيه لحفظه من السقوط.

وخُص تكليمُه بحالين: حالِ كونه في المَهد، وحالِ كونه كهلاً، مع أنه يتكلّم فيما بين ذلك لأنّ لذَينك الحالين مزيدَ اختصاص بتشريف اللَّه إياه فأما تكليمه الناس في المهد فلأنه خارق عادة إرهاصاً لنبوءته. وأما تكليمهم كهلاً فمراد به دَعوتُه الناس إلى الشريعة. فالتكليم مستعمل في صريحه وفي كنايته باعتبار القرينة المعينة للمعنيين وهي ما تعلق بالفعل من المجرورين.

وعطف عليه {ومن الصالحين}؛ والصالحون الذين صفتهم الصلاح لا تفارقهم، والصلاح استقامة الأعمال وطهارة النفس، قال إبراهيم: {ربِّ هبْ لي من الصالحين} [الصافات: 100].

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

يقول الحق: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} الكلام: معناه اللفظ الذي ينقل فكر الناطق إلى السامع،... و "المهد "هو ما أعد كفراش للوليد... ولقد أورد الحق {الْمَهْدِ وَكَهْلاً} رمزية لشيء، وهي أن عيسى ابن مريم من الأغيار، يطرأ عليه مرة أن يكون في المهد، ويطرأ عليه مرة أخرى أن يكون كهلا، وما دام في عالم الأغيار فلا يصح أن يفتتن به أحد ليقول إنه "إله" أو "ابن إله"...

{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} سر وجود آية المعجزة التي وهبها له الله وهو طفل في المهد. لأن المسألة تعلقت بعِرض أمه وكرامتها وعفتها، فكان من الواجب أن تأتي آية لتمحو عجبا من الناس حين يرونها تلد بدون أب لهذا الوليد أو زواج لها...

{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً}... أي انه تكلم في المهد طفلاً ويتكلم كهلا أي ناضج التكوين، وبذلك نعرف أن عيسى بن مريم فيه أغيار وفيه أحوال، فإذا كنتم تقولون إنه إله فهل الألوهية في المهد هي الألوهية في الكهولة؟...