التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز  
{وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} (75)

قوله تعالى : ( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوالدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الله الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) .

قوله : ( وما لكم ) ما ، في محل رفع مبتدأ . لكم خبره وجملة ( لا تقاتلون ) في محل نصب حال . وهذا استفهام إنكاري يتضمن تنديدا بالتخاذل عن الجهاد وقتال المشركين والأعداء . والأصل في العمل كله كيفما كان أن تتوجه فيه المقاصد والنوايا إلى الله ، وتلك هي سبيل المؤمنين العاملين الذين يمضون في الحياة مخلصين من دون إشراك أو رياء . ذلك هو الأصل الذي يجب أن يظل مركوزا في الرؤوس بغير مبارحة . ولا تكون الأعمال بغير ذلك إلا التصرف الشخصي الممحض والذي لا يساوي في ميزان الله شيئا . وثمة أعمال وممارسات أخرى تنبثق عن الأصل الأكبر ( سبيل الله ) ويتضح ذلك في قوله سبحانه : ( والمستضعفين من الرجال والنساء والوالدان ) وقيل في العطف بأنه على اسم الجلالة . وفي قول آخر بأنه على ( سبيل ) فالتقدير يكون : وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين – أو في المستضعفين- من الرجال . .

والخلاصة أن يكون القتال- أصلا في سبيل الله- ثم ينبثق عن هذا الأصل القتال من أجل إنقاذ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان أولئك الذين يعانون من الذل في ظل المشركين الأعداء ليسوموهم البلاء والفتنة والتعذيب .

والآية تعرض لحال المسلمين المستضعفين وهم يتضرعون إلى الله في ضعف ومسكنة ويشتكون إليه حالهم البائسة تحت نير الأعداء الذين لا يرعون في المسلمين أينما كانوا إلا ولا ذمة .

قوله : ( أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها . . . ) يدعون الله أن يعجّل لهم الفرج وأن يزحزح عنهم كابوس الطغيان ليخرجوا من بين ظهراني الشرك في مكة التي مارس أهلها مع المسلمين المستضعفين أنواع القهر والإذلال . ويدعون الله كذلك أن يهيئ لهم من عنده من يكون لهم وليا ونصيرا يستنقذهم من ذل المهانة تحت وطأة المشركين الظالمين .

ولئن كانت هذه الآية قد جاءت لتبين حال المستضعفين من المسلمين في مكة فإن ذلك ينطوي على الحكم بفرضية المناصرة والإنقاذ لأية فئة من المسلمين باتت تعاني من الظلم والقهر تحت سطوة الكافرين الأعداء في أية بقعة من بقاع الأرض . إن على المسلمين الذين تجمعهم دولة الإسلام أن يبادروا فورا ومن غير وناء أو تردد لاستنقاذ المسلمين المستضعفين حيثما كانوا فيقدموا لهم أسباب النصرة والعون ليمكنهم من الثبات في وجه الأهوال والأعاصير السافية التي تعصف بالعقيدة عصفا ، وليردوا عنهم كيد المعتدين الذين لا يألون في محاربة الإسلام ومطاردة أهله جهدا .

وتذكّرنا هذه الآية وأمثالها بحال المسلمين في العصور الأواخر وفي هذه الفترة بالذات . فهي فترة حافلة بالمآسي والأرزاء ، كظيظة بالنكبات والويلات التي يعاني منها المسلمون في شتى بقاع الدنيا على أيدي الجلادين من الساسة الكفرة على اختلاف ميولهم ومشاربهم . يبدو ذلك ونحن نستجلي أحوال المسلمين قي كل مكان من العالم حيث الأهوال والآلام بدءا بالحروب الصليبية وما عقبها من مجازر وفظائع ، وانتهاء بالزمن الراهن حيث الضياع والتمزق والضربات التي يكيلها المشركون والملحدون للمسلمين . مثلما حدث ويحدث للمسلمين في كل من القفقاس والفلبين وبخارى وسمرقند وكشمير والبوسنة والهرسك حيث الأهوال والبلايا التي حاقت بالمسلمين في تلك البلاد . لقد عاث الصليبيون الصربيون في المسلمين هنالك فسادا وخرابا وأثخنوا فيهم التقتيل والتشريد والاستئصال والإبادة على نحو من الترويع المذهل الذي لا يفعله غير الأشرار والظالمين من شياطين البشر يضاف إلى ذلك ما ارتكبه الصليبيون الصربيون في حق المسلمين من انتهاك للأعراض والحرمات وارتكاب الفظائع والمجازر بالجملة بما يقضّ الحس قضا ، ويؤز القلب والمشاعر أزا . وما كان ذلك ليكون لولا الموات الذي أصاب المسلمين والحكام خاصة في ضمائرهم ومشاعرهم بعد أن أفلت عن قلوبهم شمس العقيدة الساطعة النابضة . ليس ذلك في البوسنة أو الهرسك وحدها بل في كل بلدان الإسلام المبتلاة بقوى العدوان في الغرب والشرق معا . ولقد عانت هذه البلدان صنوفا من البلاء والكوارث والتدمير إلى درجة الاستئصال والمحق تماما في بعض الأحوال كالذي حدث للمسلمين في الأندلس على أيدي الصليبيين . ناهيك عن صور الإبادة والقتل والإذلال التي لاقاها هؤلاء المسلمون على أيدي الجلادين المجرمين من التابعين لحضارة الغرب المتفسّخ الماجن أو حضارة اليهودي كارل هنريك مردخاي ماركس وتلميذه الصهيوني الماسوني المتعصب لينين .

وأخيرا وليس آخر هذه النكبة المريعة المزلزلة للذهن والحس والأعصاب والتي حلّت بفلسطين وشعبها المغلوب على أمره ، هذا الشعب الذي لاقى من التآمر والجريمة والعدوان ما لا يخطر ببال وما ليس له نظير في تاريخ البشرية . وهي معضلة قد تألبت على حبكها وتنفيذها قوى العدوان في أوربا وأمريكا مسخرة للصهيونيين الماكرين الحاقدين . كان ذلك يوم أن تآمرت دولة الإنجليز المستعمرين في خسة ووقاحة مع الصهاينة في الظلام لتشريد المسلمين من فلسطين إلى أن تم ذلك بجهد كثيف من دولة الدنس والدولار-أمريكا- بالموافقة والإقرار من السوفييت دولة الشيوعية والإلحاد والقهر وخنق الحريات يوم أن بادرت بالاعتراف فورا بدولة بني صهيون في فلسطين .

كل هذه الويلات والمصائب تهتف بالمسلمين أن يتّحدوا جميعا كيما تجمعهم دولة واحدة هي دولة الإسلام ليمدوا بعدها يد العون والنصرة لإخوانهم في العقيدة من الذين يصطلون بنار التعذيب على أيدي الحاقدين الذين يكرهون أشد ما يكرهون عقيدة الإسلام والمسلمين .