التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ وَلِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (52)

الإشارة إلى الكلام السابق في السورة كلها من أيْنَ ابتدأتهُ أصبت مراد الإشارة ، والأحسن أن يكون للسورة كلها .

والبلاغ اسم مصدر التبليغ ، أي هذا المقدار من القرآن في هذه السورة تبليغ للناس كلهم .

واللام في { للناس } هي المعروفة بلام التبليغ ، وهي التي تدخل على اسم من يَسمع قولاً أو ما في معناه .

وعطف { ولينذروا } على { بلاغ } عطف على كلام مقدر يدل عليه لفظ { بلاغ } ، إذ ليس في الجملة التي قبله ما يصلح لأن يعطف هذا عليه فإن وجود لام الجر مع وجود واو العطف مانع من جعله عطفاً على الخبر ، لأن المجرور إذا وقع خبر عن المبتدإ اتصل به مباشرة دون عطف إذ هو بتقدير كائِن أو مستَقر ، وإنما تعطف الأخبار إذا كانت أوصافاً . والتقدير هذا بلاغ للناس ليستيقظوا من غفلتهم ولينذروا به .

واللام في { ولينذروا } لام كي . وقد تقدم قريب من نظم هذه الآية في قوله تعالى { وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها } في سورة الأنعام ( 92 ) .

والمعنى وليعلموا مِما ذكر فيه من الأدلة مَا الله إلا إلهٌ واحد ، أي مقصور على الإلهية الموحدة . وهذا قصر موصوف على صفة وهو إضافي ، أي أنه تعالى لا يتجاوز تلك الصفة إلى صفة التعدد بالكثرة أو التثليث ، كقوله : { إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد } [ سورة النساء : 171 ] .

والتذكر : النظر في أدلة صدق الرسول عليه الصلاة والسلام ووجوب اتباعه ، ولذلك خص بذوي الألباب تنزيلاً لغيرهم منزلة من لا عقول لهم { إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا } [ سورة الفرقان : 44 ] .

وقد رتبت صفات الآيات المشار إليها باسم الإشارة على ترتيب عقلي بحسب حصول بعضها عقب بعض ، فابتدىء بالصفة العامة وهي حصول التبليغ . ثم ما يعقب حصول التبليغ من الإنذار ثم ما ينشأ عنه من العلم بالوحدانية لما في خلال هذه السورة من الدلائل . ثم بالتذكير في ما جاء به ذلك البلاغ وهو تفاصيل العلم والعمل . وهذه المراتب هي جامع حكمة مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم موزعة على من بَلّغ إليهم . ويختص المسلمون بمضمون قوله : { وليذكروا أولوا الألباب } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ وَلِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (52)

قوله تعالى : " هذا بلاغ للناس " أي هذا الذي أنزلنا إليك بلاغ ، أي تبليغ وعظة . " ولينذروا به " أي ليخوفوا عقاب الله عز وجل ، وقرئ . " ولينذروا " بفتح الياء والذال ، يقال : نذرت بالشيء أنذر إذا علمت به فاستعددت له ، ولم يستعملوا منه مصدرا كما لم يستعملوا من عسى وليس ، وكأنهم استغنوا بأن والفعل كقولك : سرني أن نذرت بالشيء . " وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب " أي وليعلموا وحدانية الله بما أقام من الحجج والبراهين . " وليذكر أولو الألباب " أي وليتعظ أصحاب العقول . وهذه اللامات في " ولينذروا " " وليعلموا " " وليذكر " متعلقة بمحذوف ، التقدير : ولذلك أنزلناه . وروي يمان بن رئاب أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه . وسئل بعضهم هل لكتاب الله عنوان ؟ فقال : نعم ، قيل : وأين هو ؟ قال : قوله تعالى : " هذا بلاغ للناس ولينذروا به " إلى آخرها . تم تفسير سورة إبراهيم عليه السلام والحمد لله .