التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ} (48)

استئناف لزيادة الإنذار بيوم الحساب ، لأن في هذا تبيين بعض ما في ذلك اليوم من الأهوال ؛ فلك أن تجعل { يوم تبدل الأرض } متعلقاً بقوله : { سريع الحساب } قُدّم عليه للاهتمام بوصف ما يحصل فيه ، فجاء على هذا النظم ليحصل من التشويق إلى وصف هذا اليوم لما فيه من التهويل .

ولك أن تجعله متعلقاً بفعل محذوف تقديره : اذكُرْ يوم تبدل الأرض ، وتجعل جملة { إن الله سريع الحساب } على هذا تذييلاً .

ولك أن تجعله متعلقاً بفعل محذوف دل عليه قوله : { ليجزي الله كل نفس ما كسبت } . والتقدير يجزي اللّهُ كلّ نفس بما كسبت يومَ تبدل الأرض . . الخ .

وجملة { إن الله سريع الحساب } تذييل أيضاً .

والتبديل : التغيير في شيء إما بتغيير صفاته ، كقوله تعالى : { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } [ سورة الفرقان : 70 ] ، وقولك : بدلتُ الحَلقة خاتماً وإما بتغيير ذاته وإزالتها بذات أخرى ، كقوله تعالى : { بدلناهم جلوداً غيرها } [ سورة النساء : 56 ] ، وقوله : { وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط } [ سورة سبأ : 16 ] .

وتبديل الأرض والسماوات يوم القيامة : إما بتغيير الأوصاف التي كانت لها وإبطال النُظم المعروفة فيها في الحياة الدنيا ، وإما بإزالتها ووجدان أرض وسماوات أخرى في العالم الأخروي . وحاصل المعنى استبدال العالم المعهود بعالم جديد .

ومعنى { وبرزوا لله الواحد القهار } مثل ما ذكر في قوله : { وبرزوا لله جميعاً } [ سورة إبراهيم : 21 ] . والوصف { بالواحد القهار } للرد على المشركين الذين أثبتوا له شركاء وزعموا أنهم يدافعون عن أتباعهم . وضمير { برزوا } عائد إلى معلوم من السياق ، أي وبرز الناس أو برز المشركون .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ} (48)

قوله تعالى : " يوم تبدل الأرض غير الأرض " أي اذكر يوم تبدل الأرض ، فتكون متعلقة بما قبله . وقيل : هو صفة لقول : " يوم يقوم الحساب " [ إبراهيم : 41 ] . واختلف في كيفية تبديل الأرض ، فقال كثير من الناس : إن تبدل الأرض عبارة عن تغير صفاتها ، وتسوية آكامها ، ونسف جبالها ، ومد أرضها ، ورواه ابن مسعود رضي الله عنه ، خرجه ابن ماجه في سننه وذكره ابن المبارك من حديث شهر بن حوشب ، قال : حدثني ابن عباس قال : إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وزيد في سعتها كذا وكذا ، وذكر الحديث . وروي مرفوعا من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تبدل الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي{[9577]} لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في الثانية في مثل مواضعهم من الأولى من كان في بطنها ففي بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها{[9578]} ) ذكره الغزنوي . وتبديل السماء تكوير شمسها وقمرها ، وتناثر نجومها ، قاله ابن عباس . وقيل : اختلاف أحوالها ، فمرة كالمهل{[9579]} ومرة كالدهان{[9580]} ، حكاه ابن الأنباري ، وقد ذكرنا هذا الباب مبينا في كتاب { التذكرة } وذكرنا ما للعلماء في ذلك ، وأن الصحيح إزالة هذه الأرض حسب ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم . روى مسلم عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه حبر من أحبار اليهود فقال : السلام عليك ، وذكر الحديث ، وفيه : فقال اليهودي أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( في الظلمة دون الجسر ){[9581]} . وذكر الحديث . وخرج عن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله : " يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات " فأين الناس يومئذ ؟ قال : ( على الصراط ) . خرجه ابن ماجه بإسناد مسلم سواء ، وخرجه الترمذي عن عائشة وأنها هي لسائلة ، قال : هذا حديث حسن صحيح ، فهذه الأحاديث تنص على أن السماوات والأرض تبدل وتزال ، ويخلق الله أرضا أخرى يكون الناس عليها بعد كونهم على الجسر . وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصه النقي{[9582]} ليس فيها علم لأحد ) . وقال جابر : سألت أبا جعفر محمد بن علي عن قول الله عز وجل : " يوم تبدل الأرض غير الأرض " قال : تبدل خبرة يأكل منها الخلق يوم القيامة ، ثم قرأ : " وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام{[9583]} " [ الأنبياء : 8 ] . وقال ابن مسعود : إنه تبدل بأرض غيرها بيضاء كالفضة لم يعمل عليها خطيئة . وقال ابن عباس : بأرض من فضة بيضاء . وقال علي رضي الله عنه : تبدل الأرض يومئذ من فضة والسماء من ذهب وهذا تبديل للعين ، وحسبك . " وبرزوا لله الواحد القهار " أي من قبورهم ، وقد تقدم .


[9577]:أديم عكاظي: منسوب إلى عكاظ، وهو مما حمل إليها فبيع بها. وعكاظ: اسم سوق من أسواق الجاهلية مشهورة كانت بقرب مكة. والأمت: المكان المرتفع والتلال الصغار والانخفاض والارتفاع.
[9578]:عبارة الأصل هنا ناقصة ومحرفة، والزيادة والتصويب من تفسير الطبري وكتاب "التذكرة" للمؤلف.
[9579]:راجع ج 18 ص 284.
[9580]:راجع ج 17 ص 173.
[9581]:الجسر: الصراط.
[9582]:النقي: الدقيق الحواري. والحواري: ما حور أي بيض. والعلم الأثر.
[9583]:راجع ج 11 ص 272.