التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِيهَا فِجَاجٗا سُبُلٗا لَّعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ} (31)

هذا من آثار فتق الأرض في حد ذاتها إذْ أخرج الله منها الجبال وذلك فتق تكوين ، وجعل فيها الطّرق ، أي الأرضين السهلة التي يتمكن الإنسان من المشي فيها عكس الجبال .

والرواسي : الجبال ، لأنها رست في الأرض ، أي رسخت فيها .

والميْد : الاضطراب . وقد تقدم في أول سورة النحل .

وتقدم في أول سورة النحل أن معنى { أن تَميد } أن لا تميد ، أو لكراهة أن تميد . والمعنى : وجعلنا في الأرض فجاجاً . ولما كان { فجاجاً } معناه واسعة كان في المعنى وصفاً للسبيل ، فلما قُدم على موصوفه انتصب على الحال . والمقصود إتمام المنة بتسخير سطح الأرض ليسلكوا منها طرقاً واسعة ولو شاء لجعل مسالك ضيقة بين الجبال كأنها الأودية .

والفجاج : جمع فَجّ . والفج : الطريق الواسع .

والسُبُل : جمع سبيل ، وهو : الطريق مطلقاً .

وجملة { لعلهم يهتدون } مستأنفة إنشاء رجاءِ اهتداء المشركين إلى وحدانية الله فإن هذه الدلائل مشاهدة لهم واضحة الدلالة . ويجوز أن يراد بالاهتداء الاهتداء في السير ، أي جعلنا سبلاً واضحة غير محجوبة بالضيق إرادة اهتدائهم في سيرهم ، فتكون هذه منة أخرى وهو تدبير الله الأشياء على نحو ما يلائم الإنسان ويصلح أحواله .

فقوله تعالى { لعلهم يهتدون } من الكلام الموجه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِيهَا فِجَاجٗا سُبُلٗا لَّعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ} (31)

قوله تعالى : " وجعلنا في الأرض رواسي " أي جبالا ثوابت . " أن تميد بهم " أي لئلا تميد بهم ، ولا تتحرك ليتم القرار عليها ، قاله الكوفيون . وقال البصريون : المعنى كراهية أن تميد . والميد : التحرك والدوران . يقال : ماد رأسه ، أي دار . ومضى في " النحل " {[11251]} مستوفى . " وجعلنا فيها فجاجا " يعني في الرواسي ، عن ابن عباس . والفجاج ا لمسالك . والفج الطريق الواسع بين الجبلين . وقيل : وجعلنا في الأرض فجاجا أي مسالك ، وهو اختيار الطبري ؛ لقوله : " لعلهم يهتدون " أي يهتدون إلى السير في الأرض . " سبلا " تفسير الفجاج ؛ لأن الفج قد يكون طريقا نافذا مسلوكا وقد لا يكون . وقيل : ليهتدوا بالاعتبار بها إلى دينهم .


[11251]:راجع جـ 10 ص 90 و ص 10.