التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ} (34)

عُنيت الآيات من أول السورة باستقصاء مطاعن المشركين في القرآن ومن جاء به بقولهم { أفتأتون السحر وأنتم تُبصرون } [ الأنبياء : 3 ] ، وقولهم : { أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر } [ الأنبياء : 5 ] وكان من جملة أمانيهم لما أعياهم اختلاق المطاعن أن كانوا يتمنون موت محمد صلى الله عليه وسلم أو يرجونه أو يُدبرونه قال تعالى : { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } في سورة الطور ( 30 ) ، وقال تعالى : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك في } [ الأنفال : 30 ] .

وقد دلّ على أن هؤلاء هم المقصود من الآية قوله تعالى : { أفإن مت فهم الخالدون } فلما كان تمنيهم موته وتربصهم به ريبَ المنون يقتضي أن الذين تمنوا ذلك وتربصوا به كأنهم واثقون بأنهم يموتون بعده فتتمّ شماتتهم ، أو كأنهم لا يموتون أبداً فلا يشمت بهم أحد ، وجه إليهم استفهام الإنكار على طريقة التعريض بتنزيلهم منزلة من يزعم أنهم خالدون .

وفي الآية إيماء إلى أن الذين لم يقدر الله لهم الإسلام ممن قالوا ذلك القول سيموتون قبل موت النبي عليه الصلاة والسلام فلا يشمتون به فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أهلك الله رؤوس الذين عاندوه وهدى بقيتهم إلى الإسلام .

ففي قوله تعالى : { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد } طريقةُ القول بالموجَب ، أي أنك تموت كما قالوا ولكنهم لا يرون ذلك وهم بحال من يزعمون أنهم مخلدون فأيقنوا بأنهم يتربصون بك ريب المنون من فرط غرورهم ، فالتفريع كان على ما في الجملة الأولى من القول بالموجَب ، أي ما هم بخالدين حتى يُوقنوا أنهم يرون موتك . وفي الإنكار الذي هو في معنى النفي إنذارٌ لهم بأنهم لا يرى موتَه منهم أحد .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ} (34)

قوله تعالى : " وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد " أي دوام البقاء في الدنيا نزلت حين قالوا : نتربص بمحمد ريب المنون . وذلك أن المشركين كانوا يدفعون نبوته ويقولون : شاعر نتربص به ريب المنون ، ولعله يموت كما مات شاعر بني فلان ، فقال الله تعالى : قد مات الأنبياء من قبلك ، وتولى الله دينه بالنصر والحياطة ، فهكذا نحفظ دينك وشرعك . " أفإن مت فهم الخالدون " أي أفهم ، مثل قول الشاعر{[11258]} :

رَفَوْنِي وقالوا يا خُوَيْلِدُ لا تُرَعْ *** فقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ همُ همُ

أي أهم فهو استفهام إنكار . وقال الفراء : جاء بالفاء ليدل على الشرط ؛ لأنه جواب قولهم سيموت . ويجوز أن يكون جيء بها ؛ لأن التقدير فيها : أفهم الخالدون إن مت ! قال الفراء : ويجوز حذف الفاء وإضمارها ؛ لأن " هم " لا يتبين فيها الإعراب . أي إن مت فهم يموتون أيضا ، فلا شماتة في الإماتة . وقرئ " مت " بكسر الميم وضمها لغتان .


[11258]:هو أبو خراش الهذلي . ورفاه سكنه من الرعب، يقول: سكنوني. اعتبر بمشاهدة الوجوه، وجعلها دليلا على ما في النفوس.