التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (11)

و{ سابغات } صفة لموصوف محذوف لظهوره من المقام إذ شاع وصف الدروع بالسابغات والسوابغ حتى استغنوا عند ذكر هذا الوصف عن ذكر الموصوف .

ومعنى { قَدِّر } اجعله على تقدير ، والتقدير : جعل الشيء على مقدار مخصوص .

و { السَّرْد } صنع درع الحديد ، أي تركيب حلقها ومساميرها التي تَشُدّ شقق الدرع بعضها ببعض فهي للحديد كالخياطة للثوب ، والدِرع توصف بالمسرودة كما توصف بالسابغة . قال أبو ذؤيب الهذلي :

وعليهما مَسرودتان قضاهما *** داوُد أو صَنَعُ السوابغ تُبَّعُ

ويقال لناسج الدروع : سَرَّاد وزرّاد بالسين والزاي ، وقال المعري يصف درعاً :

وداوُد قين السابغات أذالها *** وتلك أضاة صانها المرء تبع

فلما سخر الله له ما استصعب على غيره أتبعه بأمره بالشكر بأن يعمل صالحاً لأن الشكر يكون بالعمل الذي يرضي المشك والمنعم .

وضمير { اعملوا } لداود وآله كقوله تعالى : { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها } [ طه : 132 ] أو له وحده على وجه التعظيم .

وقوله : { إني بما تعملون بصير } موقع « إن » فيه موقع فاء التسبب كقول بشار :

إن ذاك النجاحَ في التبكير

وقد تقدم غير مرة .

والبصير : المطلع العليم ، وهو هنا كناية عن الجزاء عن العمل الصالح .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (11)

قوله تعالى : " أن اعمل سابغات " أي دروعا سابغات ، أي كوامل تامات واسعات . يقال : سبغ الدرع والثوب وغيرهما إذا غطى كل ما هو عليه وفضل منه . " وقدر في السرد " قال قتادة : كانت الدروع قبله صفائح فكانت ثقالا ؛ فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع من الخفة والحصانة . أي قدر ما تأخذ من هذين المعنيين بقسطه . أي لا تقصد الحصانة فتثقل ، ولا الخفة فتزيل المنعة . وقال ابن زيد : التقدير الذي أمر به هو في قدر الحلقة ، أي لا تعملها صغيرة فتضعف فلا تقوى الدروع على الدفاع ، ولا تعملها كبيرة فينال لابسها . وقال ابن عباس : التقدير الذي أمر به هو في المسار ، أي لا تجعل مسمار الدرع رقيقا فيقلق{[12970]} ، ولا غليظا فيفصم الحلق . روي " يقصم " بالقاف ، والفاء أيضا رواية . " في السرد " السرد نسج حلق الدروع ، ومنه قيل لصانع حلق الدروع : السراد والزراد ، تبدل من السين الزاي ، كما قيل : سراط وزراط . والسرد : الخرز ، يقال : سرد يسرد إذا خرز . والمسرد : الإشفى ، ويقال سراد . قال الشماخ :

فظلت{[12971]} تباعا خيلنا في بيوتكم *** كما تابعت سَرْدَ العنان الخوارِزُ

والسِّراد : السير الذي يخرز به . قال لبيد :

يشك صِفَاحها بالرَّوْقِ شَزْرًا *** كما خرج السِّرَادُ من النقال{[12972]}

ويقال : قد سرد الحديث والصوم ، فالسرد فيهما أن يجيء{[12973]} بهما ولاء في نسق واحد ، ومنه سرد الكلام . وفي حديث عائشة : لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يسرد الحديث كسردكم ، وكان يحدث الحديث لو أراد العاد أن يعده لأحصاه . قال سيبويه : ومنه رجل سردي أي جريء ، قال : لأنه يمضي قدما{[12974]} . وأصل ذلك في سرد الدرع ، وهو أن يحكمها ويجعل نظام حلقها ولاء غير مختلف . قال لبيد :

صنع الحديد مضاعفا أسراده *** لينال طول العيش غير مرُومِ

وقال أبو ذؤيب :

وعليهما مسرودتَانِ قضاهما *** داودُ أو صَنَعُ السوابغ تُبَّعُ{[12975]}

قوله تعالى : " واعملوا صالحا " أي عملا صالحا . وهذا خطاب لداود وأهله ، كما قال : " اعملوا آل داود شكرا " [ سبأ : 13 ] . " إني بما تعملون بصير " وقال العلماء : وصف الله عز وجل نفسه بأنه بصير على معنى أنه عالم بخفيات الأمور .


[12970]:القلق: ألا يستقر في مكان واحد.
[12971]:رواية البيت كما في ديوانه: شككن بأحشاء الذنابي على هدى *** كما تابعت ... ... ... ... الخ.
[12972]:الروق: القرن. والنقال: جمع النقل (بالتحريك) والنقل، وهو الخف الخلق.
[12973]:في الأصول: "به".
[12974]:أي لم يعرّج ولم ينثن، يوصف به الذكر والأنثى.
[12975]:قضاهما: أحكمهما، أو فرغ منهما. والصنع (بالتحريك): الحذق في العمل. والصنع هاهنا تبع، وهو ملك من ملوك حمير. ويروى:" أو صنع السوابغ".