التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهۡرٞ وَرَوَاحُهَا شَهۡرٞۖ وَأَسَلۡنَا لَهُۥ عَيۡنَ ٱلۡقِطۡرِۖ وَمِنَ ٱلۡجِنِّ مَن يَعۡمَلُ بَيۡنَ يَدَيۡهِ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَمَن يَزِغۡ مِنۡهُمۡ عَنۡ أَمۡرِنَا نُذِقۡهُ مِنۡ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} (12)

عطف فضيلة سليمان على فضيلة داود للاعتبار بما أوتيه سليمان من فضل كرامةً لأبيه على إنابته ولسليمان على نشأته الصالحة عند أبيه ، فالعطف على { لقد آتينا داود منا فضلاً } [ سبأ : 10 ] والمناسبة مثل مناسبة ذكر داود فإن سليمان كان موصوفاً بالإِنابة قال تعالى : { ثم أناب } في سورة ص ( 34 ) .

والريح } عطف على { الحديد } في قوله : { وألنا له الحديد } [ سبأ : 10 ] بتقدير فعل يدل عليه { وألنا } . والتقدير : وسخرنا لسليمان الريح على نحو قول الشاعر :

مُتَقَلِّداً سيفاً ورُمْحاً{[333]}

أي وحاملاً رمحاً .

واللام في قوله : { لسليمان } لام التقوية أنه لما حذف الفعل لدلالة ما تقدم عليه قرن مفعوله الأول بلام التقوية لأن الاحتياج إلى لام التقوية عند حذف الفعل أشد من الاحتياج إليها عند تأخير الفعل عن المفعول . و { الريح } مفعول ثان .

ومعنى تسخيره الريح : خلق ريح تلائم سيرَ سفائنه للغزو أو التجارة ، فجعل الله لمراسيه في شطوط فلسطين رياحاً موسمية تهبّ شهراً مشرّقة لتذهب في ذلك الموسم سفنه ، وتهبّ شهراً مغرّبة لترجع سفنه إلى شواطىء فلسطين كما قال تعالى : { ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها } في سورة الأنبياء ( 81 ) .

فأطلق الغدوّ على الانصراف والانطلاق من المكان تشبيهاً بخروج الماشية للرعي في الصباح وهو وقت خروجها ، أو تشبيهاً بغدّو الناس في الصباح .

وأطلق الرواح على الرجوع من النهمة التي يخرج لها كقول ابن أبي ربيعة :

أمِن آلِ نعم أنتَ غاد فمُبكِرُ *** غداةَ غَدٍ أمْ رائح فمؤخِّرُ

لأن عرفهم أن رواح الماشية يكون في المساء فهو مشتق من راح إذا رجع إلى مقره .

وقرأ الجمهور { ولسليمان الريح } بلفظ إفراد { الريح } وبنصب { الريح } على أنه معطوف على { الحديد } في قوله : { وألنا له الحديد } [ سبأ : 10 ] . وقرأ أبو بكر عن عاصم برفع { الريحُ } على أنه من عطف الجمل و { الريحُ } مبتدأ و { لسليمان } خبر مقدم . وقرأه أبو جعفر { الرياح } بصيغة الجمع منصوباً .

و { القِطْر } بكسر القاف وسكون الطاء النحاس المُذاب . وتقدم في قوله تعالى : { قال آتوني أفرغ عليه قطراً } في سورة الكهف ( 96 ) .

والإِسالة : جعل الشيء سائلاً ، أي مائعاً منبطحاً في الأرض كمسيل الوادي . و{ عين القطر } ليست عيناً حقيقة ولكنها مستعارة لمصب ما يصهر في مصانعه من النحاس حتى يكون النحاس المذاب سائلاً خارجاً من فساقي ونحوها من الأنابيب كما يخرج الماء من العين لشدة إصهار النحاس وتَوالي إصهاره فلا يزال يسيل ليصنع له آنية وأسلحة ودَرقاً ، وما ذلك إلا بإذابة وإصهار خارقيْن للمعتاد بقوة إلهية ، شبه الإِصهار بالكهرباء أو بالألسنة النارية الزرقاء ، وذلك ما لم يؤته مَلك من ملوك زمانه .

ويجوز أن يكون السيلان مستعاراً لكثرة القِطر كثرة تشبه كثرة ماء العيون والأنهار كقول كُثيّر

وسالتْ بأعناق المَطي الأباطح

ويكون { أسلنا } أيضاً ترشيحاً لاستعارة اسم العين لمعنى مُذاب القطر ، ووجه الشبه الكثرة .

وقوله : { ومن الجن من يعمل بين يديه } يجوز أن يكون عطفاً على جملة { وأسلنا له عين القطر } فقوله : { من يعمل بين يديه } مبتدأ وقوله : { بإذن ربّه } خبر . و { من } في قوله : { من الجن } بيان لإِبهام { مَن } قدم على المبيَّن للاهتمام به لغرابته ، وهو في موضع الحال . ولك أن تجعل { من يعمل } عطفاً على { الريح } في قوله : { ولسليمان الريح } أي سَخرنا له من يعمل بين يديه من الجن ، وتجعلَ جملة { وأسلنا له عين القطر } معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه .

ومعنى { يعمل بين يديه } يخدمه ويطيعه . يقال : أنا بين يديك ، أي مطيع ، ولا يقتضي هذا أن يكون عملتُه الجنّ وحدهم بل يقتضي أن منهم عملة ، وفي آية النمل ( 17 ) { من الجن والإِنس والطير } والزيغ : تجاوز الحد والطريق ، والمعنى : من يَعْص أمرنا الجاري على لسان سليمان .

وذِكر الجن في جند سليمان عليه السلام تقدم في سورة النمل .

و { عذاب السعير } : عذاب النار تشبيه ، أي عذاباً كعذاب السعير ، أي كعذاب جهنم ، وأما عذاب جهنم فإنما يكون حقيقة يوم الحساب .


[333]:- أوله: ورأيت زوجك في الوغى.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهۡرٞ وَرَوَاحُهَا شَهۡرٞۖ وَأَسَلۡنَا لَهُۥ عَيۡنَ ٱلۡقِطۡرِۖ وَمِنَ ٱلۡجِنِّ مَن يَعۡمَلُ بَيۡنَ يَدَيۡهِ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَمَن يَزِغۡ مِنۡهُمۡ عَنۡ أَمۡرِنَا نُذِقۡهُ مِنۡ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} (12)

قوله تعالى : " ولسليمان الريح " قال الزجاج : التقدير وسخرنا لسليمان الريح . وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه : " الريحُ " بالرفع على الابتداء ، والمعنى له تسخير الريح ، أو بالاستقرار ، أي ولسليمان الريح ثابتة ، وفيه ذلك المعنى الأول . فإن قال قائل : إذا قلت أعطيت زيدا درهما ولعمرو دينار ، فرفعته فلم يكن فيه معنى الأول ، وجاز أن يكون لم تعطه الدينار . وقيل : الأمر كذا ولكن الآية على خلاف هذا من جهة المعنى ؛ لأنه قد علم أنه لم يسخرها أحد إلا الله عز وجل . " غدوها شهر ورواحها شهر " أي مسيرة شهر . قال الحسن : كان يغدو من دمشق فيقيل بإصطخر ، وبينهما مسيرة شهر للمسرع ، ثم يروح من إصطخر ويبيت بكابل ، وبينهما شهر للمسرع . قال السدي : كانت تسير به في اليوم مسيرة شهرين . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان سليمان إذا جلس نصبت حواليه أربعمائة ألف كرسي ، ثم جلس رؤساء الإنس مما يليه ، وجلس سفلة الإنس مما يليهم ، وجلس رؤساء الإنس مما يلي سفلة الإنس ، وجلس سفلة الجن مما يليهم ، وموكل بكل كرسي طائر لعمل قد عرفه ، ثم تقلهم الريح ، والطير تظلهم من الشمس ، فيغدو من بيت المقدس إلى إصطخر ، فيبيت ببيت المقدس ، ثم قرأ ابن عباس : " غدوها شهر ورواحها شهر " . وقال وهب بن منبه : ذكر لي أن منزلا بناحية دجلة مكتوبا فيه كتبه بعض صحابة سليمان ، إما من الجن وإما من الإنس - : نحن نزلنا وما بنيناه ، ومبنيا وجدناه ، غدونا من اصطخر فَقِلْنَاه ، ونحن رائحون منه إن شاء الله تعالى فبائتون في الشام . وقال الحسن : شغلت سليمان الخيل حتى فاتته صلاة العصر ، فعقر الخيل فأبدله الله خيرا منها وأسرع ، أبدله الريح تجري بأمره حيث شاء ، غدوها شهر ورواحها شهر . وقال ابن زيد : كان مستقر سليمان بمدينة تؤمر ، وكان أمر الشياطين قبل شخوصه من الشام إلى العراق ، فبنوها له بالصفاح{[12976]} والعمد والرخام الأبيض والأصفر . وفيه يقول النابغة :

إلا سليمانَ إذ قال الإله له *** قم في البرية فاحْدُدْهَا{[12977]} عن الفَنَدِ

وخيِّس{[12978]} الجن إني قد أذنت لهم *** يبنون تدمر بالصُّفَاحِ والعَمَدِ

فمن أطاعك فانفعه بطاعته *** كما أطاعك وادلُلْهُ على الرَّشَدِ

ومن عصاك فعاقبه معاقبة *** تَنْهَى الظلوم ولا تقعد على ضَمَدِ{[12979]}

ووجدت هذه الأبيات منقورة في صخرة بأرض يشكر ، أنشأهن بعض أصحاب سليمان عليه الصلاة والسلام :

ونحن ولا حولٌ سوى حول ربنا *** نروح إلى الأوطان من أرض تَدْمُرِ

إذا نحن رحنا كان رَيْثُ رواحنا *** مسيرةَ شهر والغدوُّ لآخَرِ

أناس شروا لله طوعاً نفوسَهم *** بنصر ابن داود النبي المُطَهَّرِ

لهم في معالي الدين فضل ورفعَةٌ{[12980]} *** وإن نُسِبُوا يوما فمن خير مَعْشَرِ

متى يركبوا الريح المطيعة أسرعت *** مبادرة عن شهرها لم تُقَصِّرِ

تظلُّهم طيرٌ صفوفٌ عليهمُ *** متى رفرفت من فوقهم لم تُنَفَّرِ

قوله تعالى : " وأسلنا له عين القطر " القطر : النحاس . عن ابن عباس وغيره . أسيلت له مسيرة ثلاثة أيام كما يسيل الماء ، وكانت بأرض اليمن ، ولم يذب النحاس فيما روي لأحد قبله ، وكان لا يذوب ، ومن وقته ذاب وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله تعالى لسليمان . قال قتادة : أسال الله عينا يستعملها فيما يريد . وقيل لعكرمة : إلى أين سالت ؟ فقال : لا أدري ! وقال ابن عباس ومجاهد والسدي : أجريت له عين الصفر ثلاثة أيام بلياليهن . قال القشيري : وتخصيص الإسالة بثلاثة أيام لا يدرى ما حده ، ولعله وهم من الناقل ؛ إذ في رواية عن مجاهد : أنها سالت من صنعاء ثلاث ليال مما يليها ، وهذا يشير إلى بيان الموضع لا إلى بيان المدة . والظاهر أنه جعل النحاس لسليمان في معدنه عينا تسيل كعيون المياه ، دلالة على نبوته أو قال الخليل : القطر : النحاس المذاب .

قلت : دليله قراءة من قرأ : " من قطرٍ آن " . " ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه " أي بأمره " ومن يزغ منهم عن أمرنا " الذي أمرناه به من طاعة سليمان . " نذقه من عذاب السعير " أي في الآخرة ، قال أكثر المفسرين . وقيل ذلك في الدنيا ، وذلك أن الله تعالى وكل بهم فيما روى السدي - ملكا بيده سوط من نار ، فمن زاغ عن أم سليمان ضربه بذلك السوط ضربة من حيث لا يراه فأحرقته . و " من " في موضع نصب بمعنى وسخرنا له من الجن من يعمل . ويجوز أن يكون في موضع رفع ، كما تقدم في الريح .


[12976]:الصفاح (كرمان): حجارة عريضة رقيقة.
[12977]:الحد: المنع. والفند: الخطأ.
[12978]:خيس: ذلل.
[12979]:الضمد: الحقد.
[12980]:في الأصول: "رأفة" والتصويب عن البحر وروح المعاني.