نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ} (62)

ولما كان التقدير : فاتبعتموه وسلكتم سبيله مع اعوجاجه ، وتركتم سبيلي مع ظهور استقامته ، عطف عليه قوله : { ولقد أضل منكم } أي عن الطريق الواضح السوي بما سلطته به من الوسوسة ، وأكده إشارة إلى أنه أمر لا يكاد أن يصدق به لما يبعد ارتكابه في العادة من اتضاح أمره وظهور فساده وضره . ولما كان الآدمي شديد الشكيمة عالي الهمة إذا أراد ، عبر بقوله : { جبّلاً } أي أمما كباراً عظاماً كانوا كالجبال في قوة العزائم وصعوبة الانقياد ، ومع ذلك فكان يتلعب بهم تلعباً ، فسبحان من أقدره على ذلك وإلا فهو أضعف كيداً وأحقر أمراً ، قال في القاموس : الجبل - بالضم : الشجر اليابس والجماعة منا كالجبل كعنق وعدل وعتل وطمر وطمرة وأمير ، ثم قال : وبالكسر وبالضم وكطمرة : الأمة والجماعة ، ثم قال : والجبلة مثلثة ومحركة وكطمرة : الخلقة والطبيعة . ودلت قراءة أبي عمرو وابن عامر بضم الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام على الذين هم في أول مراتب الشدة والقوة ، وقراءة ابن كثير وحمزة والكسائي ورويس عن يعقوب بضمتين وتخفيف على ما فوق ذلك مما يقرب من الوسط مع الظهور والعلو للضم من القوة ، وقراءة روح كذلك مع تشديد على ما فوق الوسط - بما أشارت إليه الحركات والتشديد ، ولكنه مع خفاء ، وكأنه بالمكر بما أشار إليه كون الحركتين بالكسر ، وعظم سبحانه الأمر بقوله : { كثيراً } ثم زاد في التوبيخ والإنكار بما أنتجه المقام وسببه إضلاله لهم مع ما أوتوا من العقول من قوله : { أفلم } ولما كان سبحانه قد آتاهم عقولاً وأيّ عقول ، عبر بالكون فقال : { تكونوا تعقلون * } أي لتدلكم على ما فيه النجاة عقولكم بما نصبت من الأدلة ، مع ما نبهت عليه الرسل ، وحذرت منه من إهلاك الماضين ، بسبب اتباع الشياطين ، وغير ذلك من كل أمر واضح مبين .