التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّـٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ} (31)

يتعلق { إذْ عُرِضَ } ب { أوَّابٌ } [ ص : 30 ] . وتعليق هذا الظرف ب { أوَّابٌ } تعليق تعليل لأن الظروف يراد منها التعليل كثيراً لظهور أن ليس المراد أنه أوّاب في هذه القصة فقط لأن صيغة أوّاب تقتضي المبالغة . والأصل منها الكثرة فتعين أن ذكر قصة من حوادث أوبته كان لأنها ينجَلي فيها عِظم أوبته . والعَرض : الإِمرار والإِحضار أمام الرائِي ، أي عرَض سُواس خيله إياها عليه .

والعَشيّ : من العصر إلى الغروب . وتقدم في قوله : { بالغداة والعشي } في سورة [ الأنعام : 52 ] . وذلك وقت افتقاد الخيل والماشية بعد رواحها من مراعيها ومراتعها . وذكر العشي هنا ليس لمجرد التوقيت بل ليبنى عليه قوله : { حتَّى توارتْ بالحجابِ ، } فليس ذكر العشيّ في وقع هذه الآية كوقعه في قول عمرو بن كلثوم :

ملوك من بني جشم بن بكر *** يساقون العشيةَ يُقتلونــا

و { الصافنات } : وصف لموصوف محذوف استغنى عن ذكره لدلالة الصفة عليه لأن الصافن لا يكون إلا من الخيل والأفراس وهو الذي يقف على ثلاث قوائم وطرف حافر القائمة الرابعة لا يمكّن القائمة الرابعة من الأرض ، وتلك من علامات خفته الدالة على كرم أصل الفرس وحسن خلاله ، يقال : صفن الفرس صُفوناً ، وأنشده ابن الأعربي والزجّاج في صفة فرس :

ألفَ الصُّفون فلا يزال كأنه *** مما يقوم على الثلاثِ كَسيرا

{ الجِياد } : جمع جواد بفتح الواو وهو الفرس ذو الجَودة ، أي النفاسة ، وكان سليمان مولَعاً بالإِكثار من الخيل والفرسان ، فكانت خيله تعد بالآلاف .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّـٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ} (31)

" إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد " يعني الخيل جمع جواد للفرس إذا كان شديد الحضر ، كما يقال للإنسان جواد إذا كان كثير العطية غزيرها ، يقال : قوم أجواد وخيل جياد ، جاد الرجل بماله يجود جودا فهو جواد ، وقوم جود مثال : قذال وقذل ، وإنما سكنت الواو لأنها حرف علة ، وأجواد وأجاود وجوداء ، وكذلك امرأة جواد ونسوة جود مثل نوار ونور ، قال الشاعر :

صَناعٌ بإشْفَاهَا حَصَانٌ بِشَكْرِهَا *** جوادٌ بقوتِ البطنِ والعِرْقُ زاخر

وتقول : سرنا عقبة جوادا ، وعقبتين جوادين ، وعقبا جيادا . وجاد الفرس أي صار رائعا يجود جودة بالضم فهو جواد للذكر والأنثى ، من خيل جياد وأجياد وأجاويد . وقيل : إنها الطوال الأعناق مأخوذ من الجيد وهو العنق ؛ لأن طول الأعناق في الخيل من صفات فراهتها . وفي الصافنات أيضا وجهان : أحدهما أن صفونها قيامها . قال القتبي والفراء : الصافن في كلام العرب الواقف من الخيل أو غيرها . ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من سره أن يقوم له الرجال صفونا فليتبوأ مقعده من النار ) أي يديمون له القيام ، حكاه قطرب أيضا وأنشد قول النابغة :

لنا قُبَّةٌ مضروبةٌ بفنائها *** عِتاقُ المَهارى والجِياد الصَّوَافن

وهذا قول قتادة . الثاني أن صفونها رفع إحدى اليدين على طرف الحافر حتى يقوم على ثلاث كما قال الشاعر :

ألِفَ الصُّفُونَ فما يزال كأنه *** مما يقومُ على الثَّلاَثِ كَسِيرَا

وقال عمرو بن كلثوم :

تركنا الخَيْلَ عاكفةً عليه *** مُقَلَّدَةً أَعِنَّتَهَا صُفُونَا

وهذا قول مجاهد . قال الكلبي : غزا سليمان أهل دمشق ونصيبين فأصاب منهم ألف فرس . وقال مقاتل : ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس ، وكان أبوه أصابها من العمالقة . وقال الحسن : بلغني أنها كانت خيلا خرجت من البحر لها أجنحة . وقاله الضحاك . وأنها كانت خيلا أخرجت لسليمان من البحر منقوشة ذات أجنحة . ابن زيد : أخرج الشيطان لسليمان الخيل من البحر من مروج البحر ، وكانت لها أجنحة . وكذلك قال علي رضي الله عنه : كانت عشرين فرسا ذوات أجنحة . وقيل : كانت مائة فرس . وفي الخبر عن إبراهيم التيمي : أنها كانت عشرين ألفا ، فالله أعلم .