اقتضت الفاء وترتيب الجمل أن تسخير الريح وتسخير الشياطين كانا بعد أن سأل الله مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده أن أعطاه هاتين الموهبتين زيادة في قوة ملكه وتحْقِيقاً لاستجابة دعوته لأنه إنما سأل ملكاً لا ينبغي لأحد غيره ولم يسأل الزيادة فيما أعطيه من الملك . ولعل الله أراد أن يعطيه هاتين الموهبتين وأن لا يعطيهما أحداً بعده حتى إذا أعطى أحداً بعده مُلكاً مثل ملكه فيما عدا هاتين الموهبتين لم يكن قد أخلف إجابته .
والتسخير الإِلجاء إلى عمل بدون اختيار ، وهو مستعار هنا لتكوين أسباب صرف الريح إلى الجهات التي يريد سليمان توجيه سفنه إليها لتكون معينة سفنَه على سرعة سيرها ، ولئلا تعاكس وجهه سفنه ، وتقدم في قوله تعالى : { ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر } في سورة [ سبأ : 12 ] .
وقرأ أبو جعفر { الرّياحَ } بصيغة الجمع .
وتقدم قوله : { تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها } في سورة [ الأنبياء : 81 ] .
واللام في { له } للعلة ، أي لأجله ، أي ذلك التسخير كرامَة من الله له بأن جعل تصريف الرياح مقدّراً على نحو رغبته .
والأمر في قوله : { بِأمْرِهِ } مستعار للرغبة أو للدعاء بأن يدعو الله أن تكون الريح متجهة إلى صوب كذا حسب خطة أسفار سفائنه ، أو يرغب ذلك في نفسه ، فيصرف الله الريح إلى ما يلائم رغبته وهو العليم بالخفيّات .
والرُّخاء : اللينة التي لا زعزعة في هبوبها . وانتصب { رُخَاءً } على الحال من ضمير { تَجْرِي } أي تجري بأمره لينة مساعدة لسير السفن وهذا من التسخير لأن شأن الريح أن تتقلب كيفياتُ هبوبِها ، وأكثر ما تهب أن تهب شديدة عاصفة ، وقد قال تعالى في سورة [ الأنبياء : 81 ] : { ولسليمان الريح عاصفة ومعناه : سخرنا لسليمان الريح التي شأنها العصوف ، فمعنى فسخَّرْنَا لهُ } جعلناها له رخاء . فانتصب { عاصفة } في آية سورة الأنبياء على الحال من { الريح } وهي حال منتقلة . ولما أعقبه بقوله : { تجري بأمره } علم أن عصفها يصير إلى لَيْن بأمر سليمان ، أي دعائه ، أو بعزمه ، أو رغبته لأنه لا تصلح له أن تكون عاصفة بحال من الأحوال ، فهذا وجه دفع التنافي بين الحالين في الآيتين .
و { أصَابَ } معناه قصد ، وهو مشتق من الصَّوْب ، أي الجهة ، أي تجري إلى حيث أي جهة قصد السير إليها . حكَى الأصمعي عن العرب : « أَصَابَ الصواب فأخطأ الجواب » أي أراد الصواب فلم يُصب . وقيل : هذا استعمال لها في لغة حِمير ، وقيل في لغة هَجَر .
قوله تعالى : " فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء " أي لينة مع قوتها وشدتها حتى لا تضر بأحد ، وتحمله بعسكره وجنوده وموكبه . وكان موكبه فيما روي فرسخا في فرسخ ، مائة درجة بعضها فوق بعض ، كل درجة صنف من الناس ، وهو في أعلى درجة مع جواريه وحشمه وخدمه ، صلوات الله وسلامه عليه . وذكر أبو نعيم الحافظ قال : حدثنا أحمد بن جعفر ، قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب ، قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن إدريس بن وهب بن منبه ، قال حدثني أبي قال : كان لسليمان بن داود عليه السلام ألف بيت أعلاه قوارير وأسفله حديد ، فركب الريح يوما فمر بحراث فنظر إليه الحراث فقال : لقد أوتي آل داود ملكا عظيما فحملت الريح كلامه فألقته في أذن سليمان ، قال : فنزل حتى أتى الحراث فقال : إني سمعت قولك ، وإنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه ؛ لتسبيحة واحدة يقبلها الله منك لخير مما أوتي آل داود . فقال الحراث : أذهب الله همك كما أذهبت همي .
قوله تعالى : " حيث أصاب " أي أراد . قاله مجاهد . والعرب تقول : أصاب الصواب وأخطأ الجواب . أي أراد الصواب وأخطأ الجواب ؛ قال ابن الأعرابي . وقال الشاعر :
أصاب الكلامَ فلم يستطع *** فأخطأ الجواب لدَى المِفصَلِ
وقيل : أصاب أراد بلغة حمير . وقال قتادة : هو بلسان هجر . وقيل : " حيث أصاب " حينما قصد ، وهو مأخوذ من إصابة السهم الغرض المقصود .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.