التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ} (35)

وجملة { قال ربّ اغفر لي } بدل اشتمال من جملة { أنَابَ } لأن الإِنابة تشتمل على ترقب العفو عما عسى أن يكون قد صدر منه مما لا يرضي الله تعالى صدوره من أمثاله .

وإردافه طلب المغفرة باستيهاب مُلْك لا ينبغي لأحدٍ من بعده لأنه توقع من غضب الله أمرين : العقاب في الآخرة ، وسلب النعمة في الدنيا إذ قصّر في شكرها ، وكان سليمان يومئذٍ في مُلْك عظيم فسؤال موهبة الملك مراد به استدامة ذلك الملك وصيغة الطلب ترد لطلب الدوام مثل : { يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله } [ النساء : 136 ] . وتنكير { مُلْكاً } للتعظيم .

وارتقى سليمان في تدرج سؤاله إلى أن وصف ملكاً أنه لا ينبغي لأحد من بعده ، أي لا يتأتى لأحد من بعده ، أي لا يعطيه الله أحداً يبتغيه من بعده .

فكنّى ب { لا ينبغي } عن معنى لا يُعطَى لأحد ، أي لا تعطيه أحداً من بعدي .

ففعل : { ينبغِي } مطاوع بغاه ، يقال : بغاه فانبغى له وليس للملْك اختيار وانبغاء وإنما الله هو المعطي والميسّر فإسناد الانبغاء إلى الملك مجاز عقلي ، وحقيقته : انبغاء سببه . وهذا من التأدّي في دعائه إذ لم يقل : لا تعطه أحداً من بعدي .

وسأل الله أن لا يقيم له منازعاً في ملكه وأن يبقى له ذلك الملكُ إلى موته ، فاستجاب فكان سليمان يخشى ظهور عبده ( يربعام بن نباط ) من سبط أفرايم عليه إذ كان أظهر الكيد لسليمان فطلبه سليمان ليقتله فهرب إلى ( شيشق ) فرعون مصر وبقي في مصر إلى وفاة سليمان . فهذا أيضاً مما حمل سليمان أن يسأل الله تثبيت ملكه وأن لا يعطيه أحداً غيره . وكان لسليمان عدوَّان آخران هما ( هدد ) الأدومي و ( رزون ) من أهل صرفة مقيمين في تخوم مملكة إسرائيل فخشي أن يكون الله هيأهما لإِزالة ملكه .

واستعمل { مِن بعدي } في معنى : من دوني ، كقوله تعالى : { فمن يهديه من بعد الله } [ الجاثية : 23 ] ، فيكون معنى { لا ينبغِي } أنه لا ينبغي لأحد غيري ، أي في وقت حياتي فهذا دعاء بأن لا يُسلط أحد على ملكه مدة حياته .

وعلى هذا التفسير لا يكون في سؤاله هذا الملك شيء من الاهتمام بأن لا ينال غيره مثل ما ناله هو فلا يرد على ذلك أن مثل هذا يعدّ من الحسد .

ويجوز أن يبقى { مِن بعدي } على ظاهره ، أي بعد حياتي . فمعنى { لا يَنبغِي } : لا ينبغي مثله لأحد بعد وفاتي . وتأويل ذلك أنه قصد من سؤاله الإِشفاق من أن يلِي مثل ذلك الملك من ليس له من النُبوءة والحكمة والعصمة ما يضطلع به لأعباء ملك مثل ذلك الملك ومن ليس له من النفوذ على أمته ما لسليمان على أمته فلا يلبث أن يحسد على الملك فينجم في الأمة منازعون للمَلِك على مُلْكه ، فينتفِي أيضاً على هذا التأويل إيهام أنه سأل ذلك غيرة على نفسه أن يعطَى أحد غيرُه مثلَ ملكه ( مما تشمّ منه رائحة الحسد ) .

وقد تضمنت دعوته شيئين : هما أن يعطى ملكاً عظيماً ، وأن لا يُعطَى غيرُه مثلَه في عظمته . وقد حكى الله دعاء سليمان وهو سرّ بينه وبين ربه إشعاراً بأنه ألهمه إياه ، وأنه استجاب له دعوته تعريفاً برضاه عنه وبأنه جعل استجابته مكرمة توبتِه . ومعنى ذلك أنه لا يأتي ملك بعده له من السلطان جميع ما لسليمان فإن ملك سليمان عمّ التصرف في الجن وتسخير الريح والطير ، ومجموعُ ذلك لم يحصل لأحد من بعده .

وفي « الصحيح » عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن عفريتاً من الجن تفلَّتَ البارحةَ ليقطع عليَّ صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردتُ أن أربطه بسارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلُّكُم فذكرتُ دعوة أخي سليمان : « رب هَبْ لي مُلْكاً لا يَنْبَغي لأحَدٍ مِنْ بَعْدي فرددته خاسِئاً » .

وجملة { إنَّك أنتَ الوهابُ } علة للسؤال كله وتمهيد للإِجابة ، فقامت ( إنّ ) مقام حرف التفريع ودلت صيغة المبالغة في { الوَهَّابُ } على أنه تعالى يهب الكثير والعظيم لأن المبالغة تفيد شدة الكمية أو شدة الكيفية أو كلتيهما بقرينة مقام الدعاء ، فمغفرة الذنب من المواهب العظيمة لما يرتب عليه من درجات الآخرة وإعطاء مثل هذا الملك هو هبة عظيمة . و { أنْتَ } ضميرُ فصل ، وأفاد الفصل به قصراً فصار المعنى : أنت القوي الموهبة لا غيرك ، لأن الله يَهَب ما لا يملك غيره أن يهبه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ} (35)

قوله تعالى : " قال رب اغفر لي " أي اغفر لي ذنبي " وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب " يقال : كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا ، مع ذمها من الله تعالى ، وبغضه لها ، وحقارتها لديه ؟ . فالجواب أن ذلك محمول عند العلماء على أداء حقوق الله تعالى وسياسة ملكه ، وترتيب منازل خلقه ، وإقامة حدوده ، والمحافظة على رسومه ، وتعظيم شعائره ، وظهور عبادته ، ولزوم طاعته ، ونظم قانون الحكم النافذ عليهم منه ، وتحقيق الوعود في أنه يعلم ما لا يعلم أحد من خلقه حسب ما صرح بذلك لملائكته فقال : " إني أعلم ما لا تعلمون " [ البقرة : 30 ] وحوشي سليمان عليه السلام أن يكون سؤاله طلبا لنفس الدنيا ؛ لأنه هو والأنبياء أزهد خلق الله فيها ، وإنما سأل مملكتها لله ، كما سأل نوح دمارها وهلاكها لله ، فكانا محمودين مجابين إلى ذلك ، فأجيب نوح فأهلك من عليها ، وأعطى سليمان المملكة . وقد قيل : أن ذلك كان بأمر من الله جل وعز على الصفة التي علم الله أنه لا يضبطه إلا هو وحده دون سائر عباده ، أو أراد أن يقول ملكا عظيما فقال : " لا ينبغي لأحد من بعدي " وهذا فيه نظر . والأول أصح . ثم قال له : " هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب " قال الحسن : ما من أحد إلا ولله عليه تبعة في نعمه غير سليمان بن داود عليه السلام فإنه قال : " هذا عطاؤنا " الآية .

قلت : وهذا يرد ما روي في الخبر : إن آخر الأنبياء دخولا الجنة سليمان بن داود عليه السلام لمكان ملكه في الدنيا . وفي بعض الأخبار : يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفا ، ذكره صاحب القوت وهو حديث لا أصل له ؛ لأنه سبحانه إذا كان عطاؤه لا تبعة فيه لأنه من طريق المنة ، فكيف يكون آخر الأنبياء دخولا الجنة ، وهو سبحانه يقول : " وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب " . وفي الصحيح : ( لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته . . . ) الحديث . وقد تقدم فجعل له من قبل السؤال حاجة مقضية ، فلذلك لم تكن عليه تبعة . ومعنى قوله : " لا ينبغي لأحد من بعدي " أي أن يسأله . فكأنه سأل منع السؤال بعده ، حتى لا يتعلق به أمل أحد ، ولم يسأل منع الإجابة . وقيل : إن سؤاله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ؛ ليكون محله وكرامته من الله ظاهرا في خلق السموات والأرض ، فإن الأنبياء عليهم السلام لهم تنافس في المحل عنده ، فكل يحب أن تكون له خصوصية يستدل بها على محله عنده ؛ ولهذا لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم العفريت الذي أراد أن يقطع عليه صلاته وأمكنه الله منه ، أراد ربطه ثم تذكر قوله أخيه سليمان : " رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي " فرده خاسئا . فلو أعطي أحد بعده مثله ذهبت الخصوصية ، فكأنه كره صلى الله عليه وسلم أن يزاحمه في تلك الخصوصية ، بعد أن علم أنه شيء هو الذي خص به من سخرة الشياطين ، وأنه أجيب إلى ألا يكون لأحد بعده . والله أعلم .