التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ} (33)

الذي جاء بالصدق هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصدق : القرآن كما تقدم آنفاً في قوله : { وكذَّب بالصدق إذ جاءه } [ الزمر : 32 ] .

وجملة { وصدَّقَ بهِ } صلة موصوللٍ محذوففٍ تقديره : والذي صدق به ، لأن المصدق غير الذي جاء بالصدق ، والقرينة ظاهرة لأن الذي صَدَّق غير الذي جاء بالصدق فالعطف عطف جملة كاملة وليس عطف جملة صِلة .

وضمير { بِهِ } يجوز أن يعود على ( الصدق ) ويجوز أن يعود على الذي { جَاءَ بالصِدْق ، } والتصديق بكليهما متلازم ، وإذ قد كان المصدقون بالقرآن أو بالنبي صلى الله عليه وسلم من ثبت له هذا الوصف كان مراداً به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهم جماعة فلا تقع صفتهم صلة ل { الذي } لأن أصله للمفرد ، فتعين تأويله بفريق ، وقرينته { أولئك هم المتقون ، } وإنما أفرد عائد الموصول في قوله : { وصَدَّقَ } رعياً للفظ { الذي } وذلك كله من الإِيجاز .

وروى الطبري بسنده إلى علي بن أبي طالب أنه قال : الذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وسلم والذي صدق به أبو بكر ، وقاله الكلبي وأبو العالية ، ومحمله على أن أبا بكر أول من صدّق النبي صلى الله عليه وسلم .

وجملة { أولئك هم المتقون } خبر عن اسم الموصول . وجيء باسم الإشارة للعناية بتمييزهم أكمل تمييز . وضمير الفصل في قوله { هم المتقون } يفيد قصر جنس المتقين على { الذي جاء بالصدق وصدق به } لأنه لا متقي يومئذٍ غير الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكلهم متقون لأن المؤمنين بالنبي صلى الله عليه وسلم لما أشرقت على نفوسهم أنوار الرسول صلى الله عليه وسلم تَطهرت ضمائرهم من كل سيئة فكانوا محفوظين من الله بالتقوى قال تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } [ آل عمران : 110 ] . والمعنى : أولئك هم الذين تحقق فيهم ما أريد من إنزال القرآن الذي أشير إليه في قوله : { لعلهم يتقون } [ الزمر : 28 ] .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ} (33)

قوله تعالى : " والذي جاء بالصدق " في موضع رفع بالابتداء وخبره " أولئك هم المتقون " واختلف في الذي جاء بالصدق وصدق به ، فقال علي رضي الله عنه : " الذي جاء بالصدق " النبي صلى الله عليه وسلم " وصدق به " أبو بكر رضي الله عنه . وقال مجاهد : النبي عليه السلام وعلي رضي الله عنه . السدي : الذي جاء بالصدق جبريل والذي صدق به محمد صلى الله عليه وسلم . وقال ابن زيد ومقاتل وقتادة : " الذي جاء بالصدق " النبي صلى الله عليه وسلم : " وصدق به " المؤمنون . واستدلوا على ذلك بقوله : " أولئك هم المتقون " كما قال : " هدى للمتقين " [ البقرة : 2 ] . وقال النخعي ومجاهد : " الذي جاء بالصدق وصدق به " المؤمنون الذين يجيؤون بالقرآن يوم القيامة فيقولون : هذا الذي أعطيتمونا قد اتبعنا ما فيه ، فيكون " الذي " على هذا بمعنى جمع كما تكون من بمعنى جمع . وقيل : بل حذفت منه النون لطول الاسم ، وتأول الشعبي على أنه واحد . وقال : " الذي جاء بالصدق " محمد صلى الله عليه وسلم فيكون على هذا خبره جماعة ، كما يقال لمن يعظم هو فعلوا ، وزيد فعلوا كذا وكذا . وقيل : إن ذلك عام في كل من دعا إلى توحيد الله عز وجل ؛ قاله ابن عباس وغيره ، واختاره الطبري . وفي قراءة ابن مسعود " والذي جاؤوا بالصدق وصدقوا به " وهي قراءة على التفسير . وفي قراءة أبي صالح الكوفي " والذي جاء بالصدق وصدق به " مخففا على معنى وصدق بمجيئه به ، أي صدق في طاعة الله عز وجل ، وقد مضى في " البقرة " {[13309]} الكلام في " الذي " وأنه يكون واحدا ويكون جمعا .


[13309]:راجع ج 1 ص 212 طبعة ثانية أو ثالثة.