التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ} (38)

{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله }

اعتراض بين جملة { أليس الله بعزيز } [ الزمر : 37 ] ، وجملة { قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله } ، فالواو اعتراضية ، ويجوز أن يكون معطوفاً على جملة { أليس الله بكاف عبده } [ الزمر : 36 ] وهو تمهيد لما يأتي بعده من قوله : { قُل أفرءيتُم ما تدعُون من دون الله } ، لأنه قصد به التوطئة إليه بما لا نزاع فيه لأنهم يعترفون بأن الله هو المتصرف في عظائم الأمور ، أي خلقَهُما وما تحويانه ، وتقدم نظيره في سورة العنكبوت .

{ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله إِنْ أَرَادَنِىَ الله بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشفات ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ ممسكات رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِىَ الله عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المتوكلون } .

جاءت جملة { قل أفرءيتم } على أسلوب حكاية المقاولة والمجاوبة لكلامهم المحكي بجملة { ليقولن الله } ولذلك لم تعطف الثانية بالواو ولا بالفاء ، والمعنى : ليقولن الله فقل أفرأيتم ما تدعون من دون الله الخ . والفاء من { أفرءيتم } لتفريع الاستفهام الإنكاري على جوابهم تفريعاً يفيد محاجّتهم على لازم اعترافهم بأن الله هو خالق السماوات والأرض كما في قوله تعالى : { قل أفغير اللَّه تأمروني أعبد أيها الجاهلون } [ الزمر : 64 ] . وهذا تفريع الإلزام على الإقرار ، والنتيجة على الدليل فإنهم لما أقروا بأنه خالق السمَاوات والأرض يلزمهم أن يقرّوا بأنه المتصرف فيما تحويه السماوات والأرض . والرؤية قلبية ، أي أفظننتم .

وما تدعون من دون الله } مفعول ( رأيتم ) الأول والمفعول الثاني محذوف سدّ مسده جوابُ الشرط المعترَض بعد المفعول الأول على قاعدة اللغة العربية عند اجتماع مبتدأ وشرطٍ أن يجري ما بعدهما على ما يناسب جملة الشرط لأن المفعول الأول لأفعال القلوب في معنى المبتدأ .

وجملة { هل هن كاشفات ضرِّهِ } جواب { إِنْ . واستعمال العرب إذا صُدّر الجواب بأداة استفهام غير الهمزة يجوز تجرده عن الفاء الرابطة للجواب كقوله تعالى : { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب اللَّه بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون } [ الأنعام : 47 ] ، ويجوز اقترانه بالفاء كقوله : { قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من اللَّه } [ هود : 63 ] . فأما المصدّر بالهمزة فلا يجوز اقترانه بالفاء كقوله : { أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن اللَّه يرى } [ العلق : 13 ، 14 ] .

وجواب الشرط دليل على المفعول الثاني لفعل الرؤية . والتقدير : أرأيتم مَا تدعون من دون الله كاشفاتٍ ضرّه . والهمزة للاستفهام وهو إنكاري إنكاراً لهذا الظن .

وجيء بحرف { هل } في جواب الشرط وهي للاستفهام الإِنكاري أيضاً تأكيداً لما أفادته همزة الاستفهام مع ما في ( هل ) من إفادة التّحْقيق . وضمير { هُنَّ } عائد إلى مَا الموصولة وكذلك الضمائر المؤنثة الواردة بعده ظاهرةً ومستترة ، إما لأن ( مَا ) صْدَقَ ما الموصولة هُنا أحجار غيرُ عاقلة وجمع غير العقلاء يَجري على اعتبار التأنيث ، ولأن ذلك يُصير الكلام من قبيل الكلام الموجه بأن آلهتهم كالإِناث لا تقدر على النصر .

والكاشفات : المزيلات ، فالكشف مستعار للإِزالة بتشبيه المعقول وهو الضُرّ بشيء مستتر ، وتشبيهِ إزالته بكشف الشيء المستور ، أي إخراجه ، وهي مكنية والكشف استعارة تخييلية .

والإِمساك أيضاً مكنية بتشبيه الرحمة بما يُسعَف به ، وتشبيه التعرض لحصولها بإمساك صاحب المتاع متاعه عن طالبيه .

وعدل عن تعدية فعل الإِرادة للضر والرحمة ، إلى تعديته لضمير المتكلم ذات المضرور والمَرحوم مع أن متعلق الإِرادات المعاني دون الذوات ، فكان مقتضى الظاهر أن يقال : إن أراد ضرّي أو أراد رحمتي فحق فعل الإِرادة إذا قصد تعديته إلى شيئين أن يكون المرادُ هو المفعول ، وأن يكون ما معه معدىًّ إليه بحرف الجرّ ، نحو أردتُ خيراً لزيد ، أو أردت به خيراً ، فإذا عدل عن ذلك قصد به الاهتمام بالمراد به لإِيصال المراد إليه حتى كأن ذاته هي المراد لمن يريد إيصال شيء إليه ، وهذا من تعليق الأحكام بالذوات . والمرادُ أحوال الذوات مثل { حُرمت عليكم الميتة } [ المائدة : 3 ] ، أي أكلها . ونظم التركيب : إن أرادني وأنا متلبس بضرّ منه أو برحمة منه ، قال عمرو بن شاس :

أَرَادَتْ عِراراً بالهَوانِ ومَنْ يُرِدْ *** عِراراً لَعَمْرِي بالهَوَانِ فَقَدْ ظَلَمْ

وإنمَا فَرض إرادة الضر وإرادة الرحمة في نفسه دون أن يقول : إن أرادكم ، لأن الكلام موجَّه إلى ما خوفوه من ضُر أصنامهم إياه .

وقرأ الجمهور { كاشفات ضُرِّه } و { ممسكات رحمته } بإضافة الوصفين إلى الاسمين . وقرأ أبو عمرو ويعقوب بتنوين الوصفين ونَصب { ضُرَّه } و { رحمتَه } وهو اختلاف في لفظِ تعلُّق الوصف بمعموله والمعنى واحد .

ولمّا ألقمهم الله بهذه الحجة الحجَرَ وقطَعهم فلا يُحيروا ببنْت شَفَة أَمَر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول : { حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون } ، وإنما أعيد الأمر بالقول ولم يَنتظِمْ { حسبي الله } في جملة الأمر الأول ، لأن هذا المأمور بأن يقوله ليس المقصود توجيهه إلى المشركين فإن فيما سبقه مَقنَعاً من قلة الاكتراث بأصنامهم ، وإنما المقصود أن يكون هذا القول شِعَارَ النبي صلى الله عليه وسلم في جميع شؤونه ، وفيه حَظ للمؤمنين معه حاصل من قوله : { عليه يتوكل المتوكلون } قال تعالى : { يا أيها النبي حسبك اللَّه ومن اتبعك من المؤمنين } [ الأنفال : 64 ] ، فإعادة فعل { قل } للتنبيه على استقلال هذا الغرض عن الغرض الذي قبله .

والحسْب : الكافي . وتقدم في قوله تعالى : { وقالوا حسبنا اللَّه ونعم الوكيل } في [ آل عمران : 73 ] . وحُذف المتعلِّق في هذه الجملة لعموم المتعلِّقَات ، أي حسبيَ الله من كل شيء وفي كل حال .

والمراد بقوله اعتقادُه ، ثم تذكُّرُه ، ثم الإِعلانُ به ، لتعليم المسلمين وإغاظة المشركين .

والتوكل : تفويضُ أمور المفوِّض إلى من يَكفيه إياه ، وتقدم في قوله : { فإذا عزمت فتوكل على اللَّه إن اللَّه يحب المتوكلين } في سورة [ آل عمران : 159 ] .

وجملة { عليه يتوكل المتوكلون } يجوز أن تكون مما أُمر بأن يقوله تذكراً من النبي صلى الله عليه وسلم وتعليماً للمسلمين فتكون الجملة تذييلاً للتي قبلها لأنها أعمّ منها باعتبار القائلين لأن { حسبي الله } يؤول إلى معنى : توكلت على الله ، أي حَسبي أنا وحسب كل متوكل ، أي كل مؤمن يعرف الله حق معرفته ويعتمد على كفايته دون غيره ، فتعريف { المتوكلون } للعموم العرفي ، أي المتوكلون الحقيقيون إِذ لا عبرة بغيرهم .

ويجوز أن تكون من كلام الله تعالى خاطبَ به رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يأمره بأن يقوله فتكون الجملة تعليلاً للأمر بقَول : { حسبي الله } ، أي اجعَلْ الله حسبك ، لأن أهل التوكل يتوكلون عَلَى الله دون غيره وهم الرسل والصالحون وإذ قد كنتَ من رفيقهم فكن مثلَهم في ذلك على نحو قوله تعالى : { أولئك الذين هدى اللَّه فبهداهم اقتده } [ الأنعام : 90 ] . وتقديم المجرور على يتوكَّلُ } لإِفادة الاختصاص لأن أهل التوكل الحقيقيين لا يتوكلون إلا على الله تعالى ، وذلك تعريض بالمشركين إذ اعتمدوا في أمورهم على أصنامهم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ} (38)

قوله تعالى : " ولئن سألتهم " أي ولئن سألتهم يا محمد " من خلق السماوات والأرض ليقولن الله " بين أنهم مع عبادتهم الأوثان مقرون بأن الخالق هو الله ، وإذا كان الله هو الخالق فكيف يخوفونك بآلهتهم التي هي مخلوقة لله تعالى ، وأنت رسول الله الذي خلقها وخلق السماوات والأرض . " قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله " أي قل لهم يا محمد بعد اعترافهم بهذا " أفرأيتم ما تدعون من دون الله " " إن أرادني الله بضر " بشدة وبلاء " هل هن كاشفات ضره " يعني هذه الأصنام " أو أرادني برحمة " نعمة ورخاء " هل هن ممسكات رحمته " قال مقاتل : فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم فسكتوا . وقال غيره : قالوا لا تدفع شيئا قدره الله ولكنها تشفع . فنزلت : " قل حسبي الله " ترك الجواب لدلالة الكلام عليه ؛ يعني فسيقولون لا أي لا تكشف ولا تمسك{[13310]} ف " قل " أنت " حسبي الله " أي عليه توكلت أي اعتمدت و " عليه يتوكل المتوكلون " يعتمد المعتمدون . وقد تقدم الكلام{[13311]} في التوكل .

وقرأ نافع وابن كثير والكوفيون ما عدا عاصما " كاشفات ضره " بغير تنوين . وقرأ أبو عمرو وشيبة وهي المعروفة من قراءة الحسن وعاصم " هل هن كاشفات ضره " . " ممسكات رحمته " بالتنوين على الأصل وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم ؛ لأنه اسم فاعل في معنى الاستقبال ، وإذا كان كذلك كان التنوين أجود . قال الشاعر :

الضاربونَ عُمَيْراً عن بيوتهم *** بالليل يوم عمير ظالمٌ عادي

ولو كان ماضيا لم يجز فيه التنوين ، وحذف التنوين على التحقيق ، فإذا حذفت التنوين لم يبق بين الاسمين حاجز فخفضت الثاني بالإضافة . وحذف التنوين كثير في كلام العرب موجود حسن ، قال الله تعالى : " هديا بالغ الكعبة " [ المائدة : ] وقال : " إنا مرسلو الناقة " [ القمر :27 ] قال سيبويه : ومثل ذلك " غير محلي الصيد " [ المائدة : 1 ] وأنشد سيبويه :

هل أنت باعثُ دينارٍ لحاجتنا *** أو عَبْدَ ربٍّ أخا عَوْنِ بنِ مِخْرَاقِ

وقال النابغة :

احكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت *** إلى حَمَامٍ شَرَاعٍ وارِدِ الثَّمَدِ{[13312]}

معناه واردٍ الثَّمَدَ فحذف التنوين ، مثل " كاشفات ضره " .


[13310]:الزيادة من حاشية الجمل نقلا عن القرطبي.
[13311]:راجع ج 4 ص 189 و ص 253 طبعة أولى أو ثانية.
[13312]:يقول الشاعر للنعمان بن المنذر وكان واجدا عليه: كن حكيما في أمري كحكم زرقاء اليمامة في حزرها للحمام التي مرت طائرة بها. وخبرها مشهور. والشراع: الموضع الذي ينحدر منه إلى الماء والثمد: الماء القليل على وجه الأرض.