التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ} (22)

ضمائر { فيها } و { منها } تعود إلى الأرض المقدّسة .

وأرادوا بالقوم الجبّارين في الأرض سكّانها الكنعانيين ، والعمالقة ، والحثيين ، واليبوسيين ، والأموريين . والجبّار : القوي ، مشتقّ من الجَبْر ، وهو الإلزام لأنّ القويّ يجبر النّاس على ما يريد .

وكانت جواسيس موسى الاثنا عشر الّذين بعثهم لارتياد الأرض قد أخبروا القوم بجودة الأرض وبقوّة سكّانها . وهذا كناية عن مخالفتهم من الأمم الذين يقطنون الأرض المقدّسة ، فامتنعوا من اقتحام القرية خوفاً من أهلها ، وأكّدوا الامتناع من دخول أرض العدوّ توكيداً قويّاً بمدلول ( إنّ ) و ( لنْ ) في { إنّا لن ندخلها } تحقيقاً لخوفهم .

وقوله : { فإن يخرجوا منها فإنّا داخلون } تصريح بمفهوم الغاية في قوله : { وإنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا منها } لقصد تأكيد الوعد بدخولها إذا خلت من الجبّارين الذين فيها .

وقد أشارت هذه الآية إلى ما في الإصحاح الثالث عشر والرابع عشر من سفر العدد : « أنّ الله أمر موسى أن يرسل اثني عشر رجلاً جواسيس يتجسّسون أرض كنعان الّتي وعدَها الله بني إسرائيل من كلّ سبط رجلاً ؛ فعيّن موسى اثني عشر رجلاً ، منهم : يوشع بن نون من سبط أفرايم ، ومنهم كالب بن يفنة من سبط يهوذا ، ولم يسمّوا بقية الجواسيس .

فجاسوا خلال الأرض من برية صين إلى حماة فوجدوا الأرض ذات ثمار وأعناب ولبن وعسل ووجدوا سكّانها معتزّين ، طوال القامات ، ومُدنهم حصينة . فلمّا سمع بنو إسرائيل ذلك وهلوا وبكوا وتذمّروا على موسى وقالوا : لوْ متنا في أرض مصر كان خيراً لنا من أن تغنم نساؤنا وأطفالنا ، فقال يوشع وكالب للشعب : إن رَضي الله عنّا يدخلنا إلى هذه الأرض ولكن لا تعصوا الربّ ولا تخافوا من أهلها ، فالله معنا . فأبى القوم من دخول الأرض وغضب الله عليهم . وقال لموسى : لا يدخل أحد مَن سِنُّه عشرون سنة فصاعداً هذه الأرض إلاّ يوشع وكالباً وكلّكم ستدفنون في هذا القفر ، ويكون أبناؤكم رُعاة فيه أربعين سنة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ} (22)

قوله تعالى : " قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين " أي عظام الأجسام طوال ، وقد تقدم . يقال : نخلة جبارة أي طويلة . والجبار المتعظم الممتنع من الذل والفقر . وقال الزجاج : الجبار من الآدميين العاتي ، وهو الذي يجبر الناس على ما يريد ، فأصله على هذا من الإجبار وهو الإكراه ، فإنه يجبر غيره على ما يريده ، وأجبره أي أكرهه . وقيل : هو مأخوذ من جبر العظم ، فأصل الجبار على هذا المصلح أمر نفسه ، ثم استعمل في كل من جر لنفسه نفعا بحق أو بطل . وقيل : إن جبر العظم راجع إلى معنى الإكراه . قال الفراء : لم أسمع فعالا من أفعل إلا في حرفين ، جبار من أجبر ، ودراك من أدرك . ثم قيل : كان هؤلاء من بقايا عاد . وقيل : هم من ولد عيصو بن إسحاق ، وكانوا من الروم ، وكان معهم عوج الأعنق ، وكان طوله ثلاثة آلاف{[5440]} ذراع وثلثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا ؛ قاله ابن عمر . وكان يحتجن السحاب أي يجذبه بمحجنه ويشرب منه ، ويتناول الحوت من قاع البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله . وحضر طوفان نوح عليه السلام ولم يجاوز ركبتيه وكان عمره ثلاثة آلاف وستمائة سنة ، وأنه قلع صخرة على قدر عسكر موسى ليرضخهم بها ، فبعث الله طائرا فنقرها ووقعت في عنقه فصرعته . وأقبل موسى عليه السلام وطوله عشرة أذرع ، وعصاه عشرة أذرع وترقى في السماء عشرة أذرع فما أصاب إلا كعبه وهو مصروع فقتله . وقيل : بل ضربه في العرق الذي تحت كعبه فصرعه فمات ووقع على نيل مصر فجسرهم{[5441]} سنة . ذكر هذا المعنى باختلاف ألفاظ محمد بن إسحاق والطبري ومكي وغيرهم . وقال الكلبي : عوج من ولد هاروت وماروت حيث وقعا بالمرأة فحملت . والله أعلم .

قوله تعالى : " وإنا لن ندخلها " يعني البلدة إيلياء ، ويقال : أريحاء أي حتى يسلموها لنا من غير قتال . وقيل : قالوا ذلك خوفا من الجبارين ولم يقصدوا العصيان ، فإنهم قالوا : " فإن يخرجوا منها فإنا داخلون "


[5440]:في ج و هـ و ك و ز: ثلاثة آلاف وعشرون ألفا. الخ.
[5441]:أي صار لهم جسرا يعبرون عليه. كل ما ذكره المؤلف في هذا المقام من الإسرائيليات التي لا يعول عليها.