التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ} (21)

قوله : { يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة } هو الغرض من الخطاب ، فهو كالمقصد بعد المقدّمة ، ولذلك كرّر اللفظ الذي ابتدأ به مقالته وهو النداء ب { يَا قَوم } لزيادة استحضار أذهانهم . والأمر بالدخول أمر بالسعي في أسبابه ، أي تهيَّأوا للدخول . والأرض المقدّسة بمعنى المطهّرة المباركة ، أي الّتي بارك الله فيها ، أو لأنّها قُدّست بدفن إبراهيم عليه السلام في أوّل قرية من قراها وهي حَبْرون .

وهي هنا أرض كنعان من برية ( صِين ) إلى مدخل ( حَمَاة وإلى حبرون ) . وهذه الأرض هي أرض فلسطين ، وهي الواقعة بين البحر الأبيض المتوسّط وبين نهر الأردن والبحر الميت فتنتهي إلى ( حماة ) شمالاً وإلى ( غَزّة وحبرون ) جنوباً . وفي وصفها ب { التي كتب الله } تحريض على الإقدام لدخولهَا .

ومعنى { كتب الله } قَضَى وقدّر ، وليس ثمّة كتابة ولكنّه تعبير مجازي شائع في اللّغة ، لأنّ الشيء إذا أكده الملتزم به كتبه ، كما قال الحارث بن حلّزة :

وهل ينقض ما في المهارق الأهواء

فأطلقت الكتابة على ما لا سبيل لإبطاله ، وذلك أنّ الله وعد إبراهيم أن يورثها ذرّيته . ووعدُ الله لا يُخلف .

وقوله : { ولا ترتَدّوا على أدباركم } تحذير ممّا يوجب الانهزام ، لأنّ ارتداد الجيش على الأعقاب من أكبر أسباب الانخذال . والارتداد افتعال من الردّ ، يقال : ردّه فارتدّ ، والردّ : إرجاع السائر عن الإمضاء في سيره وإعادته إلى المكان الذي سار منه . والأدبار : جمع دُبُر ، وهو الظهر . والارتداد : الرجوع ، ومعنى الرجوع على الأدبار إلى جهة الأدبار ، أي الوراء لأنّهم يريدون المكان الذي يمشي عليه الماشي وهو قد كان من جهة ظهره ، كما يقُولون : نكص على عقبيه ، وركبوا ظهورهم ، وارتدّوا على أدبارهم ، وعلى أعقابهم ، فعدّي ب { على } الدالّة على الاستعلاء ، أي استعلاء طريق السير ، نزّلت الأدبار الّتي يكون السير في جهتها منزلة الطريق الّذي يسار عليه .

والانقلاب : الرجوع ، وأصله الرجوع إلى المنزل قال تعالى : { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل } [ آل عمران : 174 ] . والمراد به هنا مطلق المصير .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ} (21)

و " المقدسة " معناه المطهرة . مجاهد : المباركة ، والبركة التطهير من القحوط والجوع ونحوه . قتادة : هي الشام . مجاهد : الطور وما حوله . ابن عباس والسدي وابن زيد : هي أريحاء . قال الزجاج : دمشق وفلسطين وبعض : الأردن . وقول قتادة يجمع هذا كله . " التي كتب الله لكم " أي فرض دخولها عليكم ووعدكم دخولها وسكناها لكم . ولما خرجت بنو إسرائيل من مصر أمرهم بجهاد أهل أريحاء من بلاد فلسطين فقالوا : لا علم لنا بتلك الديار ، فبعث بأمر الله اثني عشر نقيبا ، من كل سبط رجل يتجسسون الأخبار على ما تقدم ، فرأوا سكانها الجبارين من العمالقة ، وهم ذوو أجسام هائلة ، حتى قيل : إن بعضهم رأى هؤلاء النقباء فأخذهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه ، وجاء بهم إلى الملك فنثرهم بين يده وقال : إن هؤلاء يريدون قتالنا ؛ فقال لهم الملك : ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا ، على ما تقدم . وقيل : إنهم لما رجعوا أخذوا من عنب تلك الأرض عنقودا فقيل : حمله رجل واحد ، وقيل : حمله النقباء الاثنا عشر .

قلت : وهذا أشبه ، فإنه يقال : إنهم لما وصلوا إلى الجبارين وجدوهم يدخل في كم أحدهم رجلان منهم ، ولا يحمل عنقود أحدهم إلا خمسة منهم في خشية ، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبه خمسة أنفس أو أربعة{[5438]} . قلت : ولا تعارض بين هذا والأول ، فإن ذلك الجبار الذي أخذهم في كمه - ويقال : في حجره - هو عوج{[5439]} بن عناق وكان أطولهم قامة وأعظمهم خلقا ، على ما يأتي من ذكره إن شاء الله تعالى . وكان طول سائرهم ستة أذرع ونصف في قول مقاتل . وقال الكلبي : كان طول كل رجل منهم ثمانين ذراعا ، والله أعلم . فلما أذاعوا الخبر ما عدا يوشع وكالب بن يوفنا ، وامتنعت بنو إسرائيل من الجهاد عوقبوا بالتيه أربعين سنة إلى أن مات أولئك العصاة ونشأ أولادهم ، فقاتلوا الجبارين وغلبوهم .

قوله تعالى : " ولا ترتدوا على أدباركم " أي لا ترجعوا عن طاعتي وما أمرتكم به من قتال الجبارين . وقيل : لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته ، والمعنى واحد .


[5438]:قال الألوسي: هذه الأخبار عندي كأخبار "عوج بن عوق" وهي حديث خرافة.
[5439]:عوج بن عناق: هكذا في الأصول. والذي ذكر في القاموس مادة (عوق) "وعوق كنوح والدعوج الطويل ومن قال: عوج بن عنق فقد أخطأ" وقال في شرحه: "هذا الذي خطأه هو المشهور على الألسنة، قال شيخنا: وزعم قوم من حفاظ التواريخ أن عنق هي أم عوج وعوق أبوه فلا خطأ ولا غلط، وفي شعر عرقلة الدمشقي المذكور في بدائع البدائه المتوفى سنة 567 (أعور الرجال يمشي: خلف عوج بن عناق) وهو ثقة عارف. (عن القاموس وشرحه).