{ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } .
يتعيّن أن يكون { من أجل ذلك } تعليلاً ل { كتبنا } ، وهو مبدأ الجملة ، ويكون منتهى التي قبلها قوله : { من النّادمين } [ المائدة : 31 ] . وليس قوله { من أجل ذلك } معلّقاً ب« النّادمين » تعليلاً له للاستغناء عنه بمفاد الفاء في قوله { فأصبح } [ المائدة : 31 ] .
و { مِن } للابتداء ، والأجْل الجَرّاء والتسبّب أصله مصدر أجَلَ يأجُل ويأجِل كنصر وضرب بمعنى جَنَى واكتسب . وقيل : هو خاصّ باكتساب الجريمة ، فيكون مرادفاً لجَنَى وَجَرَم ، ومنه الجناية والجريمة ، غير أنّ العرب توسّعوا فأطلقوا الأجْل على المكتسب مطلقاً بعلاقة الإطلاق . والابتداء الذي استعملت له ( مِن ) هنا مجازي ، شُبّه سبب الشيء بابتداء صدوره ، وهو مثار قولهم : إنّ من معاني ( مِنْ ) التعليل ، فإنّ كثرة دخولها على كلمة « أجل » أحدث فيها معنى التّعليل ، وكثر حذف كلمة أجل بعدها محدث فيها معنى التّعليل ، كما في قول الأعشى :
فآليْت لا أرثي لها من كلالة *** ولا من حَفى حتّى ألاقي محمّداً
واستفيد التّعليل من مفاد الجملة . وكان التّعليل بكلمة مِن أجل أقوى منه بمجرّد اللام ، ولذلك اختير هنا ليدلّ على أنّ هذه الواقعة كانت هي السّبب في تهويل أمر القتل وإظهار مثالبه . وفي ذكر اسم الإشارة وهو خصوص { ذلك } قصدُ استيعاب جميع المذكور .
وقرأ الجمهور { منْ أجل ذلك } بسكون نون ( مِن ) وإظهار همزة ( أجل ) . وقراءة ورش عن نافع بفتح النّون وحذف همزة أجل على طريقته . وقرأ أبو جعفر { مِنِ اجْل ذلك } بكسر نون ( من ) وحذففِ همزة أجل بعد نقل حركتها إلى النّون فصارت غير منطوق بها .
ومعنى { كتبنا } شرعنا كقوله { كُتب عليكم الصّيام } [ البقرة : 183 ] . ومفعول { كتبنا } مضمون جملة { أنّه مَن قتل نفساً بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعاً } . وَ ( أنَّ ) من قوله { أنَّه } بفتح الهمزة أخت ( إنّ ) المكسورة الهمزة وهي تفيد المصدريّة ، وضمير « أنّه » ضمير الشأن ، أي كتبنا عليهم شأناً مهمّاً هو مماثلةُ قتل نفس واحدة بغير حقّ لقتل القاتل النّاسَ أجمعين .
ووجه تحصيل هذا المعنى من هذا التّركيب يتّضح ببيان موقع حرف ( أنّ ) المفتوح الهمزة المشدّد النّون ، فهذا الحرف لا يقع في الكلام إلاّ معمولاً لعامل قبله يقتضيه ، فتعيّن أنّ الجملة بعد ( أنّ ) بمنزلة المفرد المعمول للعامل ، فلزم أنّ الجملة بعد ( أنّ ) مؤوّلة بمصدر يسبك ، أي يؤخذ من خبر ( أنّ ) .
وقد اتّفق علماء العربيّة على كون ( أنّ ) المفتوحة الهمزة المشدّدة النّون أختاً لحرف ( إنّ ) المكسورة الهمزة ، وأنّها تفيد التّأكيد مثل أختها .
واتّفقوا على كون ( أنْ ) المفتوحة الهمزة من الموصولات الحَرْفيّة الخمسة الّتي يسبك مدخولها بمصدر .
وبهذا تزيد ( أنّ ) المفتوحة على ( إنّ ) المكسورة . وخبر ( أنّ ) في هذه الآية جملة { من قَتل نفساً بغير نفس } الخ . وهي مع ذلك مفسّرة لضمير الشأن . ومفعول { كتبنا } مأخوذ من جملة الشّرط وجوابه ، وتقديرُه : كتبنا مُشابهةَ قتِل نفس بغير نفس الخ بقتل النّاس أجمعين في عظيم الجرم .
وعلى هذا الوجه جرى كلام المفسّرين والنحويين . ووقع في « لسان العرب » عن الفرّاء ما حاصله : إذا جاءت ( أنّ ) بعد القول وما تصرّف منه وكانت تفسيراً للقول ولم تكن حكاية له نصبتَها ( أي فتحت همزتها ) ، مثل قولك : قد قلتُ لك كلاماً حَسناً أنّ أباك شريف ، تفتَح ( أنّ ) لأنّها فسَّرت « كلاماً » ، وهو منصوب ، ( أي مفعول لفعل قُلت ) فمفسِّره منصوب أيضاً على المفعوليّة لأنّ البيان له إعراب المبيَّن . فالفراء يثبت لِحرف ( أنّ ) معنى التفسير عِلاوة على ما يثبته له جميع النحويين من معنى المصدريّة ، فصار حرف ( أنّ ) بالجمع بين القولين دَالاّ على معنى التّأكيد باطّراد ودالاّ معه على معنى المصدريّة تارة وعلى معنى التّفسير تارة أخرى بحسب اختلاف المقام . ولعلّ الفرّاء ينحُو إلى أنّ حرف ( أنّ ) المفتوحة الهمزة مركّب من حرفين هما حرف ( إنّ ) المكسورة الهمزة المشدّدة النّون ، وحرف ( أنْ ) المفتوحة الهمزة الساكنة النّون الّتي تكون تارة مصدريّة وتارة تفسيرية ؛ ففتْحُ همزته لاعتبار تركيبه من ( أنْ ) المفتوحة الهمزة السّاكنة النّون مصدريّة أو تفسيرية ، وتشديد نونه لاعتبار تركيبه من ( إنّ ) المكسورة الهمزة المشدّدة النّون ، وأصله و ( أنْ إنّ ) فلمّا رُكِّبَا تداخلت حروفهما ، كما قال بعض النّحويين : إن أصل ( لن ) ( لا أنْ ) .
وهذا بيان أنّ قتل النّفس بغير حقّ جُرم فظيع ، كفظاعة قتل النّاس كلّهم . والمقصود التّوطئة لمشروعيّة القصاص المصرّح به في الآية الآتية { وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس } [ المائدة : 45 ] الآية .
والمقصود من الإخبار بما كتب على بني إسرائيل بيان للمسلمين أنّ حكم القصاص شرع سالف ومراد لله قديم ، لأنّ لمعرفة تاريخ الشرائع تبصرة للمتفقّهين وتطميناً لنفوس المخاطبين وإزالة لما عسى أن يعترض من الشبه في أحكام خفيتْ مصالحُها ، كمشروعية القصاص ، فإنّه قد يبدو للأنظار القاصرة أنّه مداواة بمثل الدّاء المتداوَى منه حتّى دعا ذلك الاشتباهُ بعضَ الأمم إلى إبطال حكم القصاص بعلّة أنّهم لا يعاقبون المذنب بذَنْب آخر ، وهي غفلة دقّ مسلكها عن انحصار الارتداع عن القتل في تحقّق المُجازاة بالقتل ؛ لأنّ النفوس جُبلت على حبّ البقاء وعلى حبّ إرضاء القُوّة الغضبيّة ، فإذا علم عند الغضب أنّه إذا قتل فجزاؤه القتل ارتدع ، وإذا طمِع في أن يكون الجزاء دون القتل أقدم على إرضاء قوّته الغضبيّة ، ثُمّ علّل نفسه بأنّ ما دون القصاص يمكن الصّبر عليه والتفادي منه . وقد كثر ذلك عند العرب وشاع في أقوالهم وأعمالهم ، قال قائلهم ، وهو قيس بن زهير العبسي :
شَفيت النفسَ من حَمل بن بدر *** وسيفي من حُذيفة قد شَفَانِي
ولذلك قال الله تعالى : { ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب } [ البقرة : 179 ] .
ومعنى التشبيه في قوله : { فكأنّما قتل النّاس جميعاً } حثّ جميع الأمّة على تعقّب قاتل النّفس وأخذه أينما ثقف والامتناع من إيوائِه أو الستر عليه ، كلّ مخاطب على حسب مقدرته وبقدر بسطة يده في الأرض ، من ولاة الأمور إلى عامّة النّاس . فالمقصود من ذلك التشبيه تهويل القتل وليس المقصود أنّه قد قتل النّاس جميعاً ، ألا ترى أنّه قابل للعفو من خصوص أولياء الدم دون بقية النّاس . على أنّ فيه معنى نفسانياً جليلاً ، وهو أنّ الداعي الّذي يقدم بالقاتل على القتل يرجع إلى ترجيح إرضاء الداعي النفساني النّاشىء عن الغضب وحبّ الانتقام على دواعي احترام الحقّ وزجر النّفس والنظر في عواقب الفعل من نُظم العالم ، فالّذي كان من حيلته ترجيحُ ذلك الدّاعي الطفيف على جملة هذه المعاني الشّريفة فذلك ذو نفس يوشك أن تدعوه دَوْماً إلى هضم الحقوق ، فكلّما سنحت له الفرصة قَتل ، ولو دعته أن يقتل النّاس جميعاً لفعل . ولك أن تجعل المقصد من التشبيه توجيه حكم القصاص وحقّيّته ، وأنّه منظور فيه لحقّ المقتول بحيث لو تمكّن لما رضي إلاّ بجزاء قاتله بمثل جرمه ؛ فلا يتعجّب أحد من حكم القصاص قائلاً : كيف نصلح العالم بمثل ما فسد به ، وكيف نداوي الداء بداء آخر ، فبُيّن لهم أنّ قاتل النّفس عند وليّ المقتول كأنّما قتل النّاس جميعاً . وقد ذُكرتْ وجوه في بيان معنى التشبيه لا يقبلها النّظر .
ومعنى { ومن أحياها } من استنقذها من الموت ، لظهور أنّ الإحياء بعد الموت ليس من مقدور النّاس ، أي ومن اهتمّ باستنقاذها والذبّ عنها فكأنّما أحيى الناس جميعاً بذلك التّوجيه الّذي بيّنّاه آنفاً ، أو من غلَّب وازع الشرع والحكمة على داعي الغضب والشهوة فانكفّ عن القتل عند الغضب .
{ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بالبينات ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذلك فِى الأرض لَمُسْرِفُونَ } .
تذييل لحكم شرع القصاص على بني إسرائيل ، وهو خبر مستعمل كناية عن إعراضهم عن الشريعة ، وأنّهم مع ما شدّد عليهم في شأن القتل ولم يزالوا يقتلون ، كما أشعر به قوله { بعد ذلك } ، أي بعد أن جاءتهم رسلنا بالبيّنات . ٍ وحذف متعلِّق « مسرفون » لقصد التّعميم . والمراد مسرفون في المفاسد الّتي منها قتل الأنفس بقرينة قوله : { في الأرض } ، فقد كثر في استعمال القرآن ذكر { في الأرض } [ البقرة : 60 ] مع ذكر الإفساد .
وجملة { ثمّ إنّ كثيراً منهم } عطف على جملة { ولقد جاءتهم رسلنا بالبيّنات } . و ( ثُمّ ) للتراخي في الرتبة ، لأنّ مجيء الرّسل بالبيّنات شأن عجيب ، والإسراف في الأرض بعد تلك البيّنات أعجب . وذِكر { في الأرض } لتصوير هذا الإسراف عند السامع وتفظيعه ، كما في قوله تعالى : { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } [ الأعراف : 56 ] . وتقديم { في الأرض } للاهتمام وهو يفيد زيادة تفظيع الإسراف فيها مع أهميّة شأنَها .
وقرأ الجمهور { رسُلنا } بضمّ السّين . وقرأه أبو عمرو ويعقوب بإسْكان السّين .
قوله تعالى : " من أجل ذلك " أي من جراء ذلك القاتل وجريرته . وقال الزجاج : أي من جنايته ، يقال : أجل الرجل على أهله شرا يأجل أجلا إذا جنى ، مثل أخذ يأخذ أخذا . قال الخنوت{[5499]} :
وأهل خباء صالح كنتُ بينهم *** قد احتربوا في عاجل أنا آجله
أي جانيه ، وقيل : أنا جاره عليهم . وقال عدي بن زيد :
أجل إن الله قد فضلكم *** فوق من أَحْكَأُ{[5500]} صلبًا بإزَارِ
وأصله الجر ، ومنه الأجل لأنه وقت يجر إليه العقد الأول . ومنه الآجل نقيض العاجل ، وهو بمعنى يجر إليه أمر متقدم . ومنه أجل بمعنى نعم . لأنه انقياد إلى ما جر إليه . ومنه الإجل{[5501]} للقطيع من بقر الوحش ؛ لأن بعضه ينجر إلى بعض ، قاله الرماني . وقرأ يزيد بن القعقاع أبو جعفر : " من أجل ذلك " بكسر النون وحذف الهمزة وهي لغة ، والأصل " من إجل ذلك " فألقيت كسرة الهمزة على النون وحذفت الهمزة . ثم قيل : يجوز أن يكون قوله : " من أجل ذلك " متعلقا بقوله : " من النادمين " [ المائدة : 31 ] ، فالوقف على قوله : " من أجل ذلك " . ويجوز أن يكون متعلقا بما بعده وهو " كتبنا " . ف " من أجل " ابتداء كلام والتمام " من النادمين " ، وعلى هذا أكثر الناس ، أي من سبب هذه النازلة كتبنا . وخص بني إسرائيل بالذكر وقد تقدمته أمم قبلهم كان قتل النفس فيهم محظورا - لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس مكتوبا ، وكان قبل ذلك قولا مطلقا ، فغلظ الأمر على بني إسرائيل بالكتاب بحسب طغيانهم وسفكهم الدماء . ومعنى " بغير نفس " أي بغير أن يقتل نفسا فيستحق القتل . وقد حرم الله القتل في جميع الشرائع إلا بثلاث خصال : كفر بعد إيمان ، أو زنى بعد إحصان ، أو قتل نفس ظلما وتعديا . " أو فساد في الأرض " أي شرك ، وقيل : قطع طريق . وقرأ الحسن : " أو فسادا " بالنصب على تقدير حذف فعل يدل عليه أول الكلام تقديره ، أو أحدث فسادا . والدليل عليه قوله : " من قتل نفسا بغير نفس " لأنه من أعظم الفساد . وقرأ العامة : " فساد " بالجر على معنى أو بغير فساد .
" فكأنما قتل الناس جميعا " اضطرب لفظ المفسرين في ترتيب هذا التشبيه لأجل أن عقاب من قتل الناس جميعا أكثر من عقاب من قتل واحدا ، فروي عن ابن عباس أنه قال : المعنى من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعا . وعنه أيضا أنه قال : المعنى من قتل نفسا واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعا ، ومن ترك قتل نفس واحدة وصان حرمتها واستحياها خوفا من الله فهو كمن أحيا الناس جميعا . وعنه أيضا . المعنى فكأنما قتل الناس جميعا عند المقتول ، ومن أحياها واستنقذها من هلكة فكأنما أحيا الناس جميعا عند المستنقذ . وقال مجاهد : المعنى أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدا جعل الله جزاءه جهنم وغضب عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ؛ يقول : لو قتل الناس جميعا لم يزد على ذلك{[5502]} ، ومن لم يقتل فقد حيي الناس منه . وقال ابن زيد : المعنى أن من قتل نفسا فيلزمه من القود والقصاص ما يلزم من قتل الناس جميعا ، قال : ومن أحياها أي من عفا عمن وجب له قتله ، وقاله الحسن أيضا ، أي هو العفو بعد المقدرة . وقيل : المعنى أن من قتل نفسا فالمؤمنون كلهم خصماؤه ؛ لأنه قد وتر الجميع ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ، أي يجب على الكل شكره . وقيل : جعل إثم قاتل الواحد إثم قاتل الجميع ، وله أن يحكم بما يريد . وقيل : كان هذا مختصا ببني إسرائيل تغليظا عليهم . قال ابن عطية : وعلى الجملة فالتشبيه على ما قيل واقع كله ، والمنتهك في واحد ملحوظ بعين منتهك الجميع ، ومثاله رجلان حلفا على شجرتين ألا يطعما من ثمرهما شيئا ، فطعم أحدهما واحدة من ثمر شجرته ، وطعم الآخر ثمر شجرته كلها ، فقد استويا في الحنث . وقيل : المعنى أن من استحل واحدا فقد استحل الجميع ؛ لأنه أنكر الشرع .
وفي قوله تعالى : " ومن أحياها " تجوز ، فإنه عبارة عن الترك والإنقاذ من هلكة ، وإلا فالإحياء حقيقة - الذي هو الاختراع - إنما هو لله تعالى . وإنما هذا الإحياء بمنزلة قول نمروذ اللعين : " أنا أحيي وأميت " {[5503]} [ البقرة : 258 ] فسمى الترك إحياء . ثم أخبر الله عن بني إسرائيل أنهم جاءتهم الرسل بالبينات ، وأن أكثرهم مجاوزون الحد ، وتاركون أمر الله .