التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (35)

اعتراض بين آيات وعيد المحاربين وأحكام جزائهم وبين ما بعده من قوله : { إنّ الذين كفروا لو أنّ لهم ما في الأرض جميعاً } [ المائدة : 36 ] الآية . خاطب المؤمنين بالتّرغيب بعد أن حذّرهم من المفاسد ، على عادة القرآن في تخلّل الأغراض بالموعظة والتّرغيب والتّرهيب ، وهي طريقة من الخطابة لاصطياد النّفوس ، كما قال الحريري : « فلمّا دَفنوا الميْتْ ، وفاتَ قول ليتْ ، أقبل شَيخ من رِباوَة ، متأبّطاً لهراوة ، . فقال : لمثل هذا فليعمل العاملون ، إلخ . فعُقّب حكم المحاربين من أهل الكفر بأمر المؤمنين بالتّقوى وطلب ما يوصلهم إلى مرضاة الله . وقابل قتالاً مذموماً بقتال يحمد فاعله عاجلاً وآجلاً » .

والوسيلة : كالوصيلة . وفعل وَسَل قريب من فعل وَصَلَ ، فالوسيلة : القُربة ، وهي فعيلة بمعنى مفعولة ، أي متوسّل بها أي اتبعوا التقرّب إليه ، أي بالطاعة .

و { إليه } متعلّق ب { الوسيلة } أي الوسيلة إلى الله تعالى . فالوسيلة أريد بها ما يبلغ به إلى الله ، وقد علم المسلمون أنّ البلوغ إلى الله ليس بلوغ مسافة ولكنّه بلوغ زلفى ورضى . فالتّعريف في الوسيلة تعريف الجنس ، أي كلّ ما تعلمون أنّه يقرّبكم إلى الله ، أي ينيلكم رضاه وقبول أعمالكم لديه . فالوسيلة ما يقرّب العبد من الله بالعمل بأوامره ونواهيه . وفي الحديث القُدسي : " ما تَقَرّب إلَيّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه " الحديث . والمجرور في قوله : { وابتغوا إليه الوسيلة } متعلّق ب { ابتغوا } . ويجوز تعلّقه ب { الوسيلة } ، وقدم على متعلّقه للحصر ، أي لا تتوسّلوا إلاّ إليه لا إلى غيره فيكون تعريضاً بالمشركين لأنّ المسلمين لا يظنّ بهم ما يقتضي هذا الحصر .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (35)

قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة " الوسيلة هي القربة ، عن أبي وائل والحسن ومجاهد وقتادة وعطاء والسدي وابن زيد وعبدالله بن كثير ، وهي فعيلة من توسلت إليه أي تقربت ، قال عنترة :

إن الرجال لهم إليك وسيلة *** أن يأخذوك تكَحَّلِي وتَخَضَّبِي

والجمع الوسائل ، قال :

إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا *** وعاد التصافي بيننا والوسائل

ويقال : منه سلت أسأل أي طلبت ، وهما يتساولان أي يطلب كل واحد من صاحبه ، فالأصل الطلب ، والوسيلة القربة التي ينبغي أن يطلب بها ، والوسيلة درجة في الجنة ، وهي التي جاء الحديث الصحيح بها في قوله عليه الصلاة والسلام : ( فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة ) .