التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّـٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ} (2)

تتنزل جملة { الذين يظّهّرون منكم من نسائهم } وما يتم أحكامها منزلةَ البيان لجملة { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } [ المجادلة : 1 ] الآية لأن فيها مخرجاً ممَّا لحق بالمجادِلة من ضُر بظهار زوجها ، وإبطالاً له ، ولها أيضاً موقع الاستئناف البياني لجملة { قد سمع الله } يثير سؤالاً في النفس أن تقول : فماذَا نشأ عن استجابة الله لشكوى المجادلة فيجاب بما فيه المخرج لها منه .

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب { يَظّهّرون } بفتح الياء وتشديد الظاء والهاء مفتوحتين بدون ألف بعد الظاء على أن أصله : يتَظهرون ، فأدغمت التاء في الظاء لقرب مخرجيهما ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف { يَظَّاهرون } بفتح الياء وتشديد الظاء وألف بعدها على أن أصله : يتظاهرون ، فأدغمت التاء كما تقدم ، وقرأ عاصم { يُظَاهِرون } بضم الياء وتخفيف الظاء وألف وكسر الهاء على أنه مضارع ظَاهَر .

ولم يأت مصدره إلاّ على وزن الفِعال ووزن المفاعلة . يقال : صدر منه ظِهار ومُظاهرة ، ولم يقولوا في مصدره بوزن التظَهر ، فقراءة نافع قد استُغني فيها عن مصدره بمصْدر مرادفه .

ومعناه أن يقول الرجل لزوجه : أنت عليَّ كظهر أمِّي . وكانَ هذا قولاً يقولونه في الجاهلية يريدون به تأبيد تحريم نكاحها وبتّ عصمته . وهو مشتق من الظهر ضد البطن لأن الذي يقول لامرأته : أنتِ عليَّ كظهر أمي ، يُريد بذلك أنه حرمها على نفسه . كما أن أُمه حرام عليه ، فإسناد تركيب التشبيه إلى ضمير المرأة على تقدير حالة من حالاتها ، وهي حالة الاستمتاع المعروف ، سَلكوا في هذا التحريم مسلك الاستعارة المكنية بتشبيه الزوجة حينَ يقربها زوجها بالراحلة ، وإثباتُ الظهر لها تخيّل للاستعارة ، ثم تشبيهِ ظهر زوجته بظهر أمه ، أي في حالة من أحواله ، وهي حالة الاستمتاع المعروف . وجُعل المشبه ذات الزوجة . والمقصود أخصُّ أحوال الزوجة وهو حال قربانها فآل إلى إضافة الأحكام إلى الأعيان .

فالتقدير : قربانكِ كقربان ظهرِ أُمي ، أي اعتلائها الخاص . ففي هذه الصيغة حذف ومجيء حروف لفظ ظهر في صيغة ظهار أو مظاهرة يشير إلى صيغة التحريم التي هي « أنت عليّ كظهر أمّي » إيماء إلى تلك الصيغة على نحو ما يستعمل في النحت وليس هو من التحت لأن النحت يشتمل على حروف من عدة كلمات .

قال المفسرون وأهل اللغة : كان الظهار طلاقاً في الجاهلية يقتضي تأبيد التحريم .

وأحسب أنه كان طلاقاً عند أهل يثرب وما حولها لكثرة مخالطتهم اليهود ولا أحسب أنّه كان معروفاً عند العرب في مكة وتهامة ونجد وغيرها ولم أقف على ذلك في كلامهم . وحسبك أن لم يذكر في القرآن إلا في المدني هنا وفي سورة الأحزاب .

والذي يلوح لي أن أهل يثرب ابتدعوا هذه الصيغة للمبالغة في التحريم ، فإنهم كانوا قبل الإِسلام ممتزجين باليهود متخلّقين بعوائدهم ، وكان اليهود يمنعون أن يأتي الرجل امرأتَه من جهة خلفها كما تقدم في قوله تعالى : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } في سورة [ البقرة : 223 ] . فلذلك جاء في هذه الصيغة لفظ الظَّهر ، فجمعوا في هذه الصيغة تغليظاً من التحريم وهي أنها كأُمّه ، بل كظهر أمه . فجاءت صيغة شنيعة فظيعة .

وأخذوا من صيغة أنت علي كظهر أمي أصرح ألفاظها وأخصها بغرضها وهو لفظ ظَهر فاشتقّوا منه الفعل بزِنَات متعددة ، يقولون : ظاهر من امرأته ، وظهّر مثل ضاعف وضعَّف ، ويدخلون عليهما تاء المطاوعة . فيقولون : تَظاهر منها وتظَهر ، وليس هذا من قبيل النحت نحو : بسمل ، وهَلّل ، لعدم وجود حرف من الكلمات الموجودة في الجملة كلها .

والخطاب في قوله : { منكم } يجوز أن يكون للمسلمين ، فيكون ذكر هذا الوصف للتعميم بياناً لمدلول الصلة من قوله : { الذين يظّهّرون } لئلا يُتوهّم إرادة معيّن بالصلة .

و { مِن } بيانية كشأنها بعد الأسماء المبهمة فعلم أن هذا الحكم تشريع عام لكل مظاهر . وليس خصوصية لخَولة ولا لأمثالها من النساء ذوات الخصاصة وكثرة الأولاَد .

وأما { مِن } في قوله : { من نسائهم } فابتدائية متعلقة ب { يظّهّرون } لتضمنه معنى البعد إذ هو قد كان طلاقاً والطلاق يبعد أحد الزوجين من الآخر ، فاجتلب له حرف الابتداء . كما يقال : خرج من البلد .

وقد تبين أن المتعارف في صيغة الظهار أن تشتمل على ما يدل على الزوجة والظهر والأم دون التفات إلى ما يربط هذه الكلمات الثلاث من أدوات الربط من أفعال وحروف نحو : أنتِ عليّ كظهر أمّي ، وأنتِ مِنّي مثل ظهر أمي ، أو كوني لي كظهر أمي ، أو نحو ذلك .

فأما إذا فُقِد بعض الألفاظ الثلاثة أو جميعها . نحو : وجهُك عليّ كظهر أمي . أو كجَنب أمّي ، أو كظهر جدتي ، أو ابنتي ، من كل كلام يفيد تشبيه الزوجة ، أو إلحاقها بإحدى النساء من مَحارِمِه بقصد تحريم قربانها ، فذلك كله من الظهار في أشهر أقوال مالك وأقوالِ أصحابه وجمهور الفقهاء ، ولا ينتقل إلى صيغة الطلاق أو التحريم لأن الله أراد التوسعة على الناس وعدمَ المؤاخذة .

ولم يُشِر القرآن إلى اسم الظهر ولا إلى اسم الأم إلا مراعاة للصيغة المتعارفة بين الناس يومئذٍ بحيث لا ينتقل الحكم من الظهار إلى صيغة الطلاق إلا إذا تجرد عن تلك الكلمات الثلاث تجرداً واضحاً .

والصور عديدة وليست الإِحاطة بها مفيدة ، وذلك من مجال الفتوى وليس من مهيع التفسير .

وجملة { ما هن أمهاتهم } خبر عن { الذين } ، أي ليس أزواجهم أمهات لهم بقول أحدهم : أنت عليّ كظهر أمّي ، أي لا تصير الزوج بذلك أمًّا لقائل تلك المقالة .

وهذا تمهيد لإِبطال أثر صيغة الظهار في تحريم الزوجة ، بما يشير إلى أن الأمومةَ حقيقةٌ ثابتة لا تُصنع بالقول إذ القول لا يبدل حقائق الأشياء ، كما قال تعالى في سورة [ الأحزاب : 4 ] : { ذلكم قولكم بأفواهكم } ولذلك أعقب هنا بقوله : { إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم } أي فليست الزوجاتُ المظاهَرُ منهن بصائرات أمهات بذلك الظهار لانعدام حقيقة الأمومة منهن إذ هن لم يلدن القائلين : أنتِ عليّ كظهر أمي ، فلا يحرمْن عليهم ، فالقصر في الآية حقيقي ، أي فالتحريم بالظهار أمر باطل لا يقتضيه سبب يؤثِّر إيجاده .

وجملة { إن أمهاتهم } الخ واقعة موقع التعليل لجملة { ما هن أمهاتهم } ، وهو تعليل للمقصود من هذا الكلام . أعني إبطال التحريم بلفظ الظهار ، إذ كونهن غير أمهاتهم ضروري لا يحتاج إلى التعليل .

وزيد صنيعهم ذَمّاً بقوله : { وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً } توبيخاً لهم على صنيعهم ، أي هو مع كونه لا يوجب تحريم المرأة هو قول منكر ، أي قبيح لما فيه من تعريض حُرمة الأم لتخيُّلات شنيعة تخطر بمخيلة السامع عند ما يسمع قول المظاهر : أنت عليّ كظهر أمّي . وهي حالة يستلزمها ذكر الظهر في قوله : « كظهر أمي » .

وأحسب أن الفكر الذي أملى صيغة الظهار على أوّل من نطقَ بها كان مليئاً بالغضب الذي يبعث على بذيء الكلام مثل قولهم : امصُصْ بَظْر أمك في المشاتمة ، وهو أيضاً قول زور لأنه كذب إذ لم يحرمها الله . وقد قال تعالى في سورة [ الأحزاب : 4 ] : { وما جعل أزواجكم اللائي تظّهّرون منهن أمهاتكم }

وتأكيد الخبر { بإنّ } واللامِ ، للاهتمام بإيقاظ الناس لشناعته إذ كانوا قد اعتادوه فنُزلوا منزلة من يتردد في كونه منكراً أو زوراً ، وفي هذا دلالة على أن الظهار لم يكن مشروعاً في شَرع قديم ولا في شريعة الإِسلام ، وأنه شيء وضعَه أهل الجاهلية كما نبه عليه عَدُّه مع تكاذيب الجاهلية في قوله تعالى : { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظّهّرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم } وقد تقدم في سورة [ الأحزاب : 4 ] .

وبعد هذا التوبيخ عَطف عليه جملة { وإن الله لعفو } كناية عن عدم مواخذتهم بما صدر منهم من الظهار قبل هذه الآية ، إذ كان عذرهم أن ذلك قول تابعوا فيه أسلافهم وجرَى على ألسنتهم دون تفكر في مدلولاته . وأما بعد نزول هذه الآية فمذهب المالكية : أن حكم إيقاعه الحُرمة كما صرح به ابن راشد القفصي في « اللُّباب » لقوله بعده : { وتلك حدود الله } [ المجادلة : 4 ] أن إيقاع الظهار معصية ، ولكونه معصية فسّر ابن عطية قوله تعالى : { وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً } . وبذلك أيضاً فسّر القرطبي قوله تعالى : { وتلك حدود الله } . وقال ابن الفرس : هو حرام لا يحلّ إيقاعه . ودَل على تحريمه ثلاثة أشياء :

أحدها : تكذيب الله تعالى من فعل ذلك .

الثاني : أنه سمّاه منكراً وزوراً ، والزور الكذب وهو محرّم بإجماع .

الثالث : إخباره تعالى عنه بأنه يعفو عنه ويغفر ولا يُعْفَى ويُغفر إلاّ على المذنبين .

وأقوال فقهاء الحنفية تدل على أن الظهار معصية ولم يصفه أحد من المالكية ولا الحنفية بأنه كبيرة . ولا حجة في وصفه في الآية بزور ، لأن الكذب لا يكون كبيرة إلا إذا أفضى إلى مضرة .

وعَدّ السبْكي في « جمع الجوامع » الظهارَ من جملة الكبائر وسلمه المحلي . والكاتبون قالوا : لأن الله سماه زوراً والزور كبيرة فكون الظهار كبيرة قول الشافعية ، وفيه نظر فإنهم لم يَعدوا الكذب على الإِطلاق كبيرة . وإنما عدوا شهادة الزور كبيرة .

وأعقب { لعفو } بقوله : { غفور } فقوله : { وإن الله لعفو غفور } في معنى : أن الله عفا عنهم وغفر لهم لأنه عفوّ غفور ، يغفر هذا وما هو أشد .

والعفو : الكثير العفو ، والعفو عدم المؤاخذة بالفعل أي عفو عن قولهم : الذي هو منكر وزور .

والغفور : الكثير الغفران ، والغفران الصفح عن فاعل فعل من شأنه أن يعاقبه عليه ، فذكر وصف { غفور } بعد وصف ( عفوّ ) تتميم لتمجيد الله إذ لا ذنب في المظاهرة حيث لم يسبق فيها نهي ، ومع ما فيه من مقابلة شيئين وهما { منكراً } و { زوراً } ، بشيْئين هما ( عفوّ غفور ) .

وتأكيد الخبر في قوله تعالى : { وإن الله لعفو غفور } لمشاكلة تأكيد مقابله في قوله : { وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً } .

وقوله : { وإن الله لعفو غفور } يدل على أن المظاهرة بعد نزول هذه الآية منهي عنها وسنذكر ذلك .

وقد أَومَأ قوله تعالى : { وإن الله لعفو غفور } إلى أن مراد الله من هذا الحكم التوسعة على الناس ، فعلمنا أن مقصد الشريعة الإِسلامية أن تدور أحكام الظهار على محور التخفيف والتوسعة ، فعلى هذا الاعتبار يجب أن يجري الفقهاء فيما يفتون . ولذلك لا ينبغي أن تلاحظ فيه قاعدة الأخذ بالأحوط ولا قاعدة سدّ الذريعة ، بل يجب أن نسير وراء ما أضاء لنا قوله تعالى : { وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً وإن الله لعفو غفور } .

وقد قال مالك في « المدونة » : لا يقبّل المظاهر ولا يباشر ولا ينظر إلى صدر ولا إلى شعَر . قال الباجي في « المنتقى » : فمن أصحابنا من حمل ذلك على التحريم ، ومنهم من حمله على الكراهة لئلا يدعوه إلى الجماع . وبه قال الشافعي وعبد الملك .

قلت : وهذا هو الوجه لأن القرآن ذكر المسيس وهو حقيقة شرعية في الجماع . وقال مالك : لو تظاهر من أربع نسوة بلفظ واحد في مجلس واحد لم تجب عليه إلا كفارة واحدة عند مالك قولاً واحداً . وعند أبي حنيفة والشافعي في أحد قوليهما .

والمقصود من هذه الآية إبطال تحريم المرآة التي يظاهر منها زوجها . وتحميق أهل الجاهلية الذين جعلوا الظهار محرّماً على المظاهر زوجَه التي ظاهر منها .

وجعل الله الكفارة فدية لذلك وزجراً ليكفّ الناس عن هذا القول .

ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم " من قال لصاحبه : تعالى أَقامرْك فليتصدقْ " أي من جَرى ذلك على لسانه بعد أن حرم الله الميسر .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّـٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ} (2)

فيه ثلاث وعشرون مسألة :

الأولى- قوله تعالى : " الذين يظاهرون{[14745]} " قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف " يظاهرون " بفتح الياء وتشديد الظاء وألف . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب " يظهرون " بحذف الألف وتشديد الهاء والظاء وفتح الياء . وقرأ أبو العالية وعاصم وزر بن حبيش " يظاهرون " بضم الياء وتخفيف الظاء وألف وكسر الهاء . وقد تقدم هذا في " الأحزاب{[14746]} " . وفي قراءة أبى " يتظاهرون " وهي معنى قراءة ابن عامر وحمزة . وذكر الظهر كناية عن معنى الركوب ، والآدمية إنما يركب بطنها ولكن كنى عنه بالظهر ؛ لأن ما يركب من غير الآدميات فإنما يركب ظهره ، فكنى بالظهر عن الركوب . ويقال : نزل عن امرأته أي طلقها كأنه نزل عن مركوب . ومعنى أنت علي كظهر أمي : أي أنت علي محرمة لا يحل لي ركوبك .

الثانية- حقيقة الظهار تشبيه ظهر بظهر ، والموجب للحكم منه تشبيه ظهر محلل بظهر محرم ، ولهذا أجمع الفقهاء على أن من قال لزوجته : أنت علي كظهر أمي أنه مظاهر . وأكثرهم على أنه إن قال لها : أنت علي كظهر ابنتي أو أختي أو غير ذلك من ذوات المحارم أنه مظاهر . وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وغيرهما . واختلف فيه عن الشافعي رضي الله عنه ، فروي عنه نحو قول مالك ؛ لأنه شبه امرأته بظهر محرم عليه مؤبد كالأم . وروى عنه أبو ثور : أن الظهار لا يكون إلا بالأم وحدها . وهو مذهب قتادة والشعبي . والأول قول الحسن والنخعي والزهري والأوزاعي والثوري .

الثالثة- أصل الظهار أن يقول الرجل لامرأته : أنت علي كظهر أمي . وإنما ذكر الله الظهر كناية عن البطن وسترا . فإن قال : أنت علي كأمي ولم يذكر الظهر ، أو قال : أنت علي مثل أمي ، فإن أراد الظهار فله نيته ، وإن أراد الطلاق كان مطلقا البتة عند مالك ، وإن لم تكن له نية في طلاق ولا ظهار كان مظاهرا . ولا ينصرف صريح الظهار بالنية إلى الطلاق ، كما لا ينصرف صريح الطلاق وكنايته المعروفة له إلى الظهار ، وكناية الظهار خاصة تنصرف بالنية إلى الطلاق البت .

الرابعة- ألفاظ الظهار ضربان : صريح وكناية ، فالصريح أنت علي كظهر أمي ، وأنت عندي وأنت مني وأنت معي كظهر أمي . وكذلك أنت علي كبطن أمي أو كرأسها أو فرجها أو نحوه ، وكذلك فرجك أو رأسك أو ظهرك أو بطنك أو رجلك علي كظهر أمي فهو مظاهر ، مثل قوله : يدك أو رجلك أو رأسك أو فرجك طالق تطلق عليه . وقال الشافعي في أحد قوليه : لا يكون ظهارا . وهذا ضعيف منه ؛ لأنه قد وافقنا على أنه يصح إضافة الطلاق إليه خاصة حقيقة خلافا لأبي حنيفة فصح إضافة الظهار إليه . ومتى شبهها بأمه أو بإحدى جداته من قبل أبيه أو أمه فهو ظهار بلا خلاف . وإن شبهها بغيرهن من ذوات المحارم التي لا تحل له بحال كالبنت والأخت ، والعمة والخالة كان مظاهرا عند أكثر الفقهاء ، وعند الإمام الشافعي رضي الله عنه على الصحيح من المذهب على ما ذكرنا . والكناية أن يقول : أنت علي كأمي أو مثل أمي فإنه يعتبر فيه النية . فإن أراد الظهار كان ظهارا ، وإن لم يرد الظهار لم يكن مظاهرا عند الشافعي وأبي حنيفة . وقد تقدم مذهب مالك رضي الله عنه في ذلك ، والدليل عليه أنه أطلق تشبيه امرأته بأمه فكان ظهارا . أصله إذا ذكر الظهر وهذا قوي فإن معنى اللفظ فيه موجود - واللفظ بمعناه - ولم يلزم حكم الظهر للفظه وإنما ألزمه بمعناه وهو التحريم ، قاله ابن العربي .

الخامسة- إذا شبه جملة أهله بعضو من أعضاء أمه كان مظاهرا ، خلافا لأبي حنيفة في قوله : إنه إن شبهها بعضو يحل له النظر إليه لم يكن مظاهرا . وهذا لا يصح ؛ لأن النظر إليه على طريق الاستمتاع لا يحل له ، وفيه وقع التشبيه وإياه قصد المظاهر ، وقد قال الإمام الشافعي في قوله : إنه لا يكون ظهارا إلا في الظهر وحده . وهذا فاسد ؛ لأن كل عضو منها محرم ، فكان التشبيه به ظهارا كالظهر ، ولأن المظاهر إنما يقصد تشبيه المحلل بالمحرم فلزم على المعنى .

السادسة- إن شبه امرأته بأجنبية فإن ذكر الظهر كان ظهارا حملا على الأول ، وإن لم يذكر الظهر فاختلف فيه علماؤنا ، فمنهم من قال : يكون ظهارا . ومنهم من قال : يكون طلاقا . وقال أبو حنيفة والشافعي : لا يكون شيئا . قال ابن العربي : وهذا فاسد ؛ لأنه شبه محللا من المرأة بمحرم فكان مقيدا بحكمه كالظهر ، والأسماء بمعانيها عندنا ، وعندهم بألفاظها وهذا نقض للأصل منهم .

قلت : الخلاف في الظهار بالأجنبية قوي عند مالك . وأصحابه منهم من لا يرى الظهار إلا بذوات المحارم خاصة ولا يرى الظهار بغيرهن . ومنهم من لا يجعله شيئا . ومنهم من يجعله في الأجنبية طلاقا . وهو عند مالك إذا قال : كظهر ابني أو غلامي أو كظهر زيد أو كظهر أجنبية ظهار لا يحل له وطؤها في حين يمينه . وقد روي عنه أيضا : أن الظهار بغير ذوات المحارم ليس بشيء ، كما قال الكوفي والشافعي . وقال الأوزاعي : لو قال لها أنت علي كظهر فلان رجل فهو يمين يكفرها . والله أعلم .

السابعة- إذا قال : أنت علي حرام كظهر أمي كان ظهارا ولم يكن طلاقا ؛ لأن قوله : أنت حرام علي يحتمل التحريم بالطلاق فهي مطلقة ، ويحتمل التحريم بالظهار فلما صرح به كان تفسيرا لأحد الاحتمالين يقضي به فيه .

الثامنة- الظهار لازم في كل زوجة مدخول بها أو غير مدخول بها على أي الأحوال كانت من زوج يجوز طلاقه . وكذلك عند مالك من يجوز له وطؤها من إمائه ، إذا ظاهر منهن لزمه الظهار فيهن . وقال أبو حنيفة والشافعي : لا يلزم . قال القاضي أبو بكر بن العربي : وهي مسألة عسيرة جدا علينا ؛ لأن مالكا يقول : إذا قال لأمته أنت علي حرام لا يلزم . فكيف يبطل فيها صريح التحريم وتصح كنايته . ولكن تدخل الأمة في عموم قوله : " من نسائهم " لأنه أراد من محللاتهم . والمعنى فيه أنه لفظ يتعلق بالبضع دون رفع العقد فصح في الأمة ، أصله الحلف بالله تعالى .

التاسعة- ويلزم الظهار قبل النكاح إذا نكح التي ظاهر منها عند مالك . ولا يلزم عند الشافعي وأبي حنيفة ، لقوله تعالى : " من نسائهم " وهذه ليست من نسائه . وقد مضى أصل هذه المسألة في سورة " التوبة " عند قوله تعالى " ومنهم من عاهد الله{[14747]} " [ التوبة : 75 ] الآية .

العاشرة- الذمي لا يلزم ظهاره . وبه قال أبو حنيفة . وقال الشافعي : يصح ظهار الذمي ، ودليلنا قوله تعالى : " منكم " يعني من المسلمين . وهذا يقتضي خروج الذمي من الخطاب . فإن قيل : هذا استدلال بدليل الخطاب . قلنا : هو استدلال بالاشتقاق والمعنى ، فإن أنكحة الكفار فاسدة مستحقة الفسخ فلا يتعلق بها حكم طلاق ولا ظهار ، وذلك كقوله تعالى : " وأشهدوا ذوي عدل منكم{[14748]} " [ الطلاق : 2 ] وإذا خلت الأنكحة عن شروط الصحة فهي فاسدة ، ولا ظهار في النكاح الفاسد بحال .

الحادية عشرة- قوله تعالى : " منكم " يقتضي صحة ظهار العبد خلافا لمن منعه . وحكاه الثعلبي عن مالك ، لأنه من جملة المسلمين وأحكام النكاح في حقه ثابتة وإن تعذر عليه العتق والإطعام فإنه قادر على الصيام .

وقال مالك رضي الله عنه : ليس على النساء تظاهر ، وإنما قال الله تعالى : الثانية عشرة- " والذين يظهرون منكم من نسائهم " ولم يقل اللائي يظهرن منكن من أزواجهن ، إنما الظهار على الرجال . قال ابن العربي : هكذا روي عن ابن القاسم وسالم ويحيى بن سعيد وربيعة وأبي الزناد . وهو صحيح معنى ؛ لأن الحل والعقد والتحليل والتحريم{[14749]} في النكاح بيد الرجال ليس بيد المرأة منه شيء وهذا إجماع . قال أبو عمر : ليس على النساء ظهار في قول جمهور العلماء . وقال الحسن بن زياد : هي مظاهرة . وقال الثوري وأبو حنيفة ومحمد : ليس ظهار المرأة من الرجل بشيء قبل النكاح كان أو بعده . وقال الشافعي : لا ظهار للمرأة من الرجل . وقال الأوزاعي إذا قالت المرأة لزوجها ، أنت علي كظهر أمي{[14750]} فلانة فهي يمين تكفرها . وكذلك قال إسحاق ، قال : لا تكون امرأة متظاهرة من رجل ولكن عليها يمين تكفرها . وقال الزهري : أرى أن تكفر الظهار ، ولا يحول قولها هذا بينها وبين زوجها أن يصيبها ، رواه عنه معمر . وابن جريج عن عطاء قال : حرمت ما أحل الله عليها كفارة يمين . وهو قول أبي يوسف . وقال محمد بن الحسن : لا شيء عليها .

الثالثة عشرة- من به لَمَمٌ وانتظمت له في بعض الأوقات الكلم إذا ظاهر لزم ظهاره ، لما روي في الحديث : أن خولة بنت ثعلبة وكان زوجها أوس بن الصامت وكان به لَمَم فأصابه بعض لَمَمِه فظاهر من امرأته .

الرابعة عشرة- من غضب وظاهر من امرأته أو طلق لم يسقط عنه غضبه حكمه . وفي بعض طرق هذا الحديث ، قال يوسف بن عبدالله بن سلام : حدثتني خولة امرأة أوس بن الصامت ، قالت : كان بيني وبينه شيء ، فقال : أنت علي كظهر أمي ثم خرج إلى نادي قومه . فقولها : كان بيني وبينه شيء ، دليل على منازعة أحرجته{[14751]} فظاهر منها . والغضب لغو لا يرفع حكما ولا يغير شرعا وكذلك السكران وهي :

الخامسة عشرة : يلزمه حكم الظهار والطلاق في حال سكره إذا عقل قوله ونظَم قوله ونظَم كلامه ، لقوله تعالى : { حتى تعلموا ما تقولون } [ النساء : 43 ] على ما تقدم في " النساء{[14752]} " بيانه ، والله أعلم .

السادسة عشرة- ولا يقرب المظاهر امرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ منها بشيء حتى يكفر ، خلافا للشافعي في أحد قوليه ؛ لأن قوله : أنت علي كظهر أمي يقتضي تحريم كل استمتاع بلفظه ومعناه ، فإن وطئها قبل أن يكفر وهي :

السابعة عشرة : استغفر الله تعالى وأمسك عنها حتى يكفر كفارة واحدة . وقال مجاهد وغيره : عليه كفارتان . روى سعيد عن قتادة ، ومطرف عن رجاء بن حيوة عن قبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاص في المظاهر : إذا وطئ قبل أن يكفر عليه كفارتان . ومعمر عن قتادة قال : قال قبيصة بن ذؤيب : عليه كفارتان . وروى جماعة من الأئمة منهم ابن ماجه والنسائي عن ابن عباس : أن رجلا ظاهر من امرأته فغشيها قبل أن يكفر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال : ( ما حملك على ذلك ) فقال : يا رسول الله ! رأيت بياض خلخالها في ضوء القمر فلم أملك نفسي أن وقعت عليها فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وأمره ألا يقربها حتى يكفر . وروى ابن ماجه والدارقطني عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر أنه ظاهر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم وقع بامرأته قبل أن يكفر ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأمره أن يكفر تكفيرا واحدا .

الثامنة عشرة- إذا ظاهر من أربع نسوة في كلمة واحدة ، كقوله : أنتن علي كظهر أمي كان مظاهرا من كل واحدة منهن ، ولم يجز له وطء إحداهن وأجزأته كفارة واحدة . وقال الشافعي : تلزمه أربع كفارات . وليس في الآية دليل على شيء من ذلك ؛ لأن لفظ الجمع إنما وقع في عامة المؤمنين والمعول على المعنى . وقد روى الدارقطني عن ابن عباس قال : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : إذا كان تحت الرجل أربع نسوة فظاهر منهن يجزيه كفارة واحدة ، فإن ظاهر من واحدة بعد أخرى لزمه في كل واحدة منهن كفارة . وهذا إجماع .

التاسعة عشرة- فإن قال لأربع نسوة : إن تزوجتكن فأنتن علي كظهر أمي فتزوج إحداهن لم يقربها حتى يكفر ، ثم قد سقط عنه اليمين في سائرهن . وقد قيل : لا يطأ البواقي منهن حتى يكفر . والأول هو المذهب .

الموفية العشرون- وإن قال لامرأته : أنت علي كظهر أمي وأنت طالق البتة{[14753]} ، لزمه الطلاق والظهار معا ، ولم يكفر حتى ينكحها بعد زوج آخر ولا يطأها إذا نكحها حتى يكفر ، فإن قال لها : أنت طالق البتة وأنت علي كظهر أمي لزمه الطلاق ولم يلزمه الظهار ؛ لأن المبتوتة لا يلحقها طلاق .

الحادية والعشرون- قال بعض العلماء : لا يصح ظهار غير المدخول بها . وقال المزني : لا يصح الظهار من المطلقة الرجعية ، وهذا ليس بشيء ؛ لأن أحكام الزوجية في الموضعين ثابتة ، وكما يلحقها الطلاق كذلك يلحقها الظهار قياسا ونظرا . والله أعلم .

الثانية والعشرون- قوله تعالى : " ما هن أمهاتهم " أي ما نساؤهم بأمهاتهم . وقراءة العامة " أمهاتهم " بخفض التاء على لغة أهل الحجاز ، كقوله تعالى : { ما هذا بشرا } [ يوسف : 31 ] . وقرأ أبو معمر والسلمي وغيرهما " أمهاتهم " بالرفع على لغة تميم . قال الفراء : أهل نجد وبنو تميم يقولون " ما هذا بشر " ، و " ما هن أمهاتهم " بالرفع . " إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم " أي ما أمهاتهم إلا الوالدات . وفي المثل : ولدك من دَمَّى عَقِبَيْكِ . وقد تقدم القول في اللائي في " الأحزاب{[14754]} " .

الثالثة والعشرون- " وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا " أي فظيعا من القول لا يعرف في الشرع . والزور الكذب " وإن الله لعفو غفور " إذ جعل الكفارة عليهم مخلصة لهم من هذا القول المنكر .


[14745]:نسخ الأصل على "يظهرون" وهي قراءة نافع التي يقرأ بها المؤلف فيما يأتي.
[14746]:راجع جـ 14 ص 188 ولم يذكر هناك شيئا بل أحال الكلام على هذه السورة.
[14747]:راجع جـ 8 ص 210.
[14748]:راجع جـ 18 ص 157.
[14749]:الزيادة من ابن العربي.
[14750]:لفظ "أمي" ساقط من ح، ز، س، هـ.
[14751]:في ح، ز، س، ل: "أحوجته" بالواو بدل الراء.
[14752]:راجع جـ 5 ص 203.
[14753]:يريد بالبتة هنا الطلاق الثلاث كما يفهم من العبارة بعد وكما في ابن العربي حيث قال: إذا طلقها ثلاثا بعد الظهار ثم عادت إليه بنكاح جديد لم يطأ حتى يكفر.
[14754]:ليس في الأحزاب كلام على اللائي ويبدو أن سقطا وقع في نسخ الأصل التي بأيدينا.