التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} (3)

عطف على جملة { الذين يظّهّرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم } [ المجادلة : 2 ] أعيد المبتدأ فيها للاهتمام بالحكم والتصريح بأصحابه وكان مقتضى الكلام أن يقال : فإن يعودوا لما قالوا فتحرير رقبة ، فيكون عطفاً على جملة الخبر من قوله : { ما هن أمهاتهم } [ المجادلة : 2 . ]

و { ثمّ } عاطفة جملةَ { يعودون } على جملة { يظّهّرون } ، وهي للتراخي الرتبي تعريضاً بالتخطئة لهم بأنهم عادوا إلى ما كانوا يفعلونه في الجاهلية بعدَ أن انقطع ذلك بالإِسلام . ولذلك علق بفعل { يعودون } ما يدل على قولهم لفظ الظهار .

والعود : الرجوع إلى شيء تركه وفارقه صاحبه . وأصله : الرجوع إلى المكان الذي غادره ، وهو هنا عوْد مجازي .

ومعنى { يعودون لما قالوا } يحتمل أنهم يعودون لما نطقوا به من الظهار . وهذا يقتضي أن المظاهِر لا يَكون مظاهراً إلا إذا صدر منه لفظ الظهار مرة ثانية بعد أُولى . وبهذا فسر الفراء . وروي عن علي بن طلحة عن ابن عباس : بحيث يكون ما يصدر منه مرة أولى معفواً عنه . غير أن الحديث الصحيح في قضية المجادِلة يدفع هذا الظاهر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأوس بن الصامت : « أعتق رقبة » كما سيأتي من حديث أبي داود فتعين أن التكفير واجب على المظاهر من أول مرة ينطلق فيها بلفظ الظهار .

ويحتمل أن يراد أنهم يريدون العود إلى أزواجهم ، أي لا يحبون الفراق ويرومون العود إلى المعاشرة . وهذا تأويل اتفق عليه الفقهاء عدا داود الظاهري وبُكير بن الأشج وأبا العالية . وفي « الموطأ » قال مالك في قول الله عز وجل : { والذين يظّهّرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا } قال سمعت : أن تفسير ذلك أن يُظاهر الرجل من امرأته ثم يُجمع على إصابتها وإمساكها فإن أجمع على ذلك فقد وجبت عليه الكفارة وإن طلقها ولم يجمع بعد تظاهره منها على إمساكها فلا كفارة عليه .

وأقوال أبي حنيفة والشافعي والليثِ تحوم حول هذا المعنى على اختلاف في التعبير لا نطيل به .

وعليه فقد استعمل فعل { يعودون } في إرادة العودة كما استعمل فعل مستعمل في معنى إرادة العود والعزم عليه لا على العود بالفعل لأنه لو كان عوداً بالفعل لم يكن لاشتراط التفكير قبل المسِيس معنى ، فانتظم من هذا معنى : ثم يريدون العود إلى ما حرموه على أنفسهم فعليهم كفارة قبل أن يعودوا إليه على نحو قوله تعالى : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } [ المائدة : 6 ] أي إذا أردتم القيام ، وقوله : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } [ النحل : 98 ] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا سَألت فاسأل الله وإذا استعَنْت فاستعنْ بالله " .

وتلك هي قضية سبب النزول لأن المرأة ما جاءت مجادلة إلا لأنها علمت أن زوجها المظاهر منها لم يرد فراقها كما يدل عليه الحديث المروي في ذلك في كتاب أبي داود عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت : ظاهر منّي زوجي أوس بن الصامت فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه ورسول الله يجادلني ويقول : اتقي الله .

فإنه ابن عمك ؟ فما برحتُ حتّى نزل القرآن . فقال : « يعتق رقبة » . قالت : لا يجد . قال : « فيصوم شهرين متتابعين » . قالت : إنه شيخ كبير ما بِه من صيام . قال : « فليطعم ستين مسكيناً » . قالت : ما عنده شيء يتصدق به . فأُتي ساعتئذٍ بعَرَق من تمر قلت : يا رسول الله فإني أعينه بعرَق آخر . قال : « قد أحسنتِ اذهبي فأَطعمي بهما عنه ستّين مسكيناً وارجعي إلى ابنِ عمّك » . قال أبو داود في هذا : إنها كفرت عنه من غير أن تستأمره .

والمراد « بما قالوا » ما قالوا بلفظ الظهار وهو ما حَرموه على أنفسهم من الاستمتاع المفاد من لفظ : أنت عليّ كظهر أمي ، لأن : أنت عليّ . في معنى : قربانك ونحوه عليّ كمِثله من ظهر أمي . ومنه قوله تعالى : { ونرثه ما يقول } [ مريم : 80 ] ، أي مالاً وولداً في قوله تعالى : { وقال لأوتين مالاً وولداً } [ مريم : 77 ] ، وقوله : { قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم } [ آل عمران : 183 ] أي قولكم حتى يأتينا بقربان تأكله النار . ففعل القول في هذا وأمثاله ناصبُ لمفرد لوقوعه في خلاف جملة مقولة ، وإيثار التعبير عن المعنى الذي وقع التحْريم له . فلفظ الظهار بالموصول وصلته هذه إيجاز وتنزيه للكلام عن التصريح به . فالمعنى : ثم يرومون أن يرجعوا للاستمتاع بأزواجهم بعد أن حرموه على أنفسهم .

وفهم من قوله : { ثم يعودون لما قالوا } أن من لم يُرِد العود إلى امرأته لا يخلو حالهُ : فإما أن يريد طلاقها فله أن يوقع علَيها طلاقاً آخر لأن الله أبطل أن يكون الظهار طلاقاً ، وإما أن لا يريد طلاقاً ولا عوداً . فهذا قد صار ممتنعاً من معاشرة زوجه مضِرًّا بها فله حكم الإِيلاء الذي في قوله تعالى : { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر } [ البقرة : 226 ] الآية . وقد كانوا يجعلون الظهار إيلاء كما في قصة سلمة بن صخر البياضي . ثم الزرقي في كتاب أبي داود قال : « كنت امرأ أُصِيب من النساء ما لا يصيب غيري فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئاً يُتايع بي ( بتحتية في أوله مضمومة ثم مثناة فوقية ثم ألف ثم تحتية ، والظاهر أنها مكسورة . والتتايع الوقوع في الشر فالباء في قوله : ( بي ) زائدة للتأكيد ) حتى أُصبح ، فظاهرتُ منها حتى ينسلخ شهر رمضان » . الحديث .

واللام في قوله : { لما قالوا } بمعنى ( إلى ) كقوله تعالى : { بأن ربك أوحى لها } [ الزلزلة : 5 ] ونظيره قوله : { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } [ الأنعام : 28 ] . وأحسب أن أصل اللام هو التعليل ، وهو أنها في مثل هذه المواضع إن كان الفعل الذي تعلقت به ليس فيه معنى المجيء حملت اللام فيه على معنى التعليل وهو الأصل نحو : { بأن ربك أوحى لها } [ الزلزلة : 5 ] ، وما يقع فيه حرف ( إلى ) من ذلك مجاز بتنزيل من يُفعل الفعل لأجله منزلةَ من يجيء الجائي إليه ، وإن كان الفعل الذي تعلقت به اللام فيه معنى المجيء مثل فعل العَوْد فإن تعلق اللام به يشير إلى إرادة معنى في ذلك الفعل بتمجّز أو تضميننٍ يناسبه حرف التعليل نحو قوله تعالى : { كل يجري لأجل مسمى } [ الرعد : 2 ] ، أي جَرْيُه المستمر لقصده أجلاً يبلغه . ومنه قوله تعالى : { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } [ الأنعام : 28 ] أي عاودوا فعله ومنه ما في هذه الآية .

وفي « الكشاف » في قوله تعالى : { كل يجري لأجل مسمى } في سورة [ الزمر : 5 ] أنه ليس مثل قوله تعالى : { كل يجري إلى أجل مسمى } في سورة [ لقمان : 29 ] أي أنه ليس من تعاقب الحرفين ولا يَسلك هذه الطريقة إلا ضيّق العطن ، ولكن المعنيين أعني الاستعلاء والتخصيص كلاهما ملائم لصحة الغرض لأن قوله : إلى أجل } معناه يبلغه ، وقوله : { لأجل } يريد لإِدراك أجل تجعل الجري مختصاً بالإِدراك ا ه .

فيكون التقدير على هذا الوجه ثم يريدون العود لأجل ما قالوا ، أي لأجل رغبتهم في أزواجهم ، فيصير متعلَّق فعل { يعودون } مقدّراً يدل عليه الكلام ، أي يعودون لما تركوه من العصمة ، ويصير الفعل في معنى : يندَمون على الفراق .

وتحصل من هذا أن كفارة الظهار شرعت إذا قصد المظاهر الاستمرار على معاشرة زوجه ، تحلةً لما قصده من التحريم ، وتأديباً له على هذا القصد الفاسد والقول الشنيع .

وبهذا يكون محمل قوله : { من قبل أن يتماسا } على أنه من قبل أن يمسّ زوجه مسّ استمتاع قبل أن يكفر وهو كناية عن الجماع في اصطلاح القرآن ، كما قال : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } [ البقرة : 237 ] .

ولذلك جعلت الكفارة عِتق رقبة لأنه يَفتدي بتلك الرقبة رقبةَ زوجه .

وقد جعلها الله تعالى موعظة بقوله : { ذلكم توعظون به } . واسم الإِشارة في قوله : { ذلكم } عائد إلى تحرير رقبة . والوعظ : التذكير بالخير والتحذير من الشر بترغيب أو ترهيب ، أي فرضُ الكفارة تنبيه لكم لتتفَادَوْا مسيس المرأة التي طلقت أو تستمروا على مفارقتها مع الرغبة في العود إلى معاشرتها لئلا تعودوا إلى الظهار . ولم يسم الله ذلك كفارة هنا وسمّاها النبي صلى الله عليه وسلم كفارة كما في حديث سلمة بن صخر البياضي في « جامع الترمذي » وإنما الكفارة من نوع العقوبة في أحد قولين عن مالك وهو قول الشافعي حكاه عنه ابن العربي في « الأحكام » .

فالمظاهر ممنوع من الاستمتاع بزوجته المظاهَر منها ، أي ممنوع من علائق الزوجية ، وذلك يقتضي تعطيل العصمة ما لم يكفر لأنه ألزم نفسه ذلك فإن استمتع بها قبل الكفارة كلها فليتُب إلى الله وليستغفر وتتعين عليه الكفارة ولا تتعدد الكفارة بسبب الاستمتاع قبل التكفير لأنه سبب واحد فلا يضرّ تكرر مسببه ، وإنما جعلت الكفارة زجراً ولذلك لم يكن وطء المظاهر امرأته قبل الكفارة زناً .

وقد روى أبو داود والترمذي حديث سلمة بن صخر البياضي أنه ظاهر من امرأته ثم وقع عليها قبل أن يكفر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة واحدة ، وهو قول جمهور العلماء . وعن مجاهد وعبد الرحمن بن مهدي أن عليه كفارتين .

وتفاصيل أحكام الظهار في صيغته وغير ذلك مفصلة في كتب الفقه .

وقوله : { والله بما تعملون خبير } تذييل لجملة { ذلكم توعظون به } ، أي والله عليم بجميع ما تعملونه من هذا التكفير وغيره .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} (3)

فيه اثنتا عشرة مسألة :

الأولى- قوله تعالى : { والذين يظاهرون من نسائهم } هذا ابتداء والخبر " فتحرير رقبة " وحذف عليهم لدلالة الكلام عليه ، أي فعليهم تحرير رقبة . وقيل : أي فكفارتهم عتق رقبة . والمجمع عليه عند العلماء في الظهار قول الرجل لامرأته : أنت علي كظهر أمي . وهو قول المنكر والزور الذي عنى الله بقوله : { وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا } [ المجادلة : 2 ] فمن قال هذا القول حرم عليه وطء امرأته . فمن عاد لما قال لزمته كفارة الظهار ، لقوله عز وجل : { والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة } وهذا يدل على أن كفارة الظهار لا تلزم بالقول خاصة حتى ينضم إليها العود ، وهذا حرف مشكل اختلف الناس فيه على أقوال سبعة : الأول : أنه العزم على الوطء ، وهو مشهور قول العراقيين أبي حنيفة وأصحابه . وروي عن مالك : فإن عزم على وطئها كان عودا ، وإن لم يعزم لم يكن عودا . الثاني : العزم على الإمساك بعد التظاهر منها ، قاله مالك . الثالث : العزم عليهما . وهو قول مالك في موطئه ، قال مالك في قول الله عز وجل :{ والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا } قال : سمعت أن تفسير ذلك أن يظاهر الرجل من امرأته ثم يجمع على إصابتها وإمساكها ، فإن أجمع على ذلك فقد وجبت عليه الكفارة ، وإن طلقها ولم يجمع بعد تظاهره منها على إمساكها وإصابتها فلا كفارة عليه . قال مالك : وإن تزوجها بعد ذلك لم يمسها حتى يكفر كفارة التظاهر . القول الرابع : أنه الوطء نفسه فإن لم يطأ لم يكن عودا ، قاله الحسن ومالك أيضا . الخامس : وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه : هو أن يمسكها زوجة بعد الظهار مع القدرة على الطلاق ، لأنه لما ظاهر قصد التحريم ، فإن وصل به الطلاق فقد جرى على خلاف ما ابتدأه من إيقاع التحريم ولا كفارة عليه . وإن أمسك عن الطلاق فقد عاد إلى ما كان عليه فتجب عليه الكفارة . السادس : أن الظهار يوجب تحريما لا يرفعه إلا الكفارة . ومعنى العود عند القائلين بهذا : أنه لا يستبيح وطأها إلا بكفارة يقدمها ، قاله أبو حنيفة وأصحابه والليث بن سعد . السابع هو تكرير الظهار بلفظه . وهذا قول أهل الظاهر النافين للقياس ، قالوا : إذا كرر اللفظ بالظهار فهو العود ، وإن لم يكرر فليس بعود . ويسند ذلك إلى بكير بن الأشج وأبي العالية وأبي حنيفة أيضا ، وهو قول الفراء .

وقال أبو العالية : وظاهر الآية يشهد له ، لأنه قال : " ثم يعودون لما قالوا " أي إلى قول ما قالوا . وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله عز وجل : " والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا " هو أن يقول لها أنت علي كظهر أمي ، فإذا قال لها ذلك فليست تحل له حتى يكفر كفارة الظهار . قال ابن العربي : فأما القول بأنه العود إلى لفظ الظهار فهو باطل قطعا لا يصح عن بكير ، وإنما يشبه أن يكون من جهالة داود وأشياعه . وقد رويت قصص المتظاهرين وليس في ذكر الكفارة عليهم ذكر لعود القول منهم ، وأيضا فإن المعنى ينقضه ؛ لأن الله تعالى وصفه بأنه منكر من القول وزور ، فكيف يقال له إذا أعدت القول المحرم والسبب المحظور وجبت عليك الكفارة ، وهذا لا يعقل ، ألا ترى أن كل سبب يوجب الكفارة لا تشترط فيه الإعادة من قتل ووطء في صوم أو غيره .

قلت : قوله يشبه أن يكون من جهالة داود وأشياعه حمل منه عليه ، وقد قال بقول داود من ذكرناه عنهم ، وأما قول الشافعي : بأنه ترك الطلاق مع القدرة عليه فينقضه ثلاثة أمور أمهات : الأول : أنه قال : " ثم " وهذا بظاهره يقتضي التراخي . الثاني : أن قوله تعالى : " ثم يعودون " يقتضي وجود فعل من جهة ومرور الزمان ليس بفعل منه . الثالث : أن قوله تعالى : " ثم يعودون " على الملك فلم يسقط حكم الظهار كالإيلاء . فإن قيل : فإذا رآها كالأم لم يمسكها إذ لا يصح إمساك الأم بالنكاح . وهذه عمدة أهل ما وراء النهر . قلنا : إذا عزم على خلاف ما قال ورآها خلاف الأم كفر وعاد إلى أهله .

وتحقيق هذا القول : أن العزم قول نفسي ، وهذا رجل قال قولا اقتضى التحليل وهو النكاح ، وقال قولا اقتضى التحريم وهو الظهار ، ثم عاد لما قال وهو التحليل ، ولا يصح أن يكون منه ابتداء عقد ؛ لأن العقد باق فلم يبق إلا أنه قول عزم يخالف ما اعتقده وقاله في نفسه من الظهار الذي أخبر عنه بقوله أنت علي كظهر أمي ، وإذا كان ذلك كفر وعاد إلى أهله ، لقول : " من قبل أن يتماسا " . وهذا تفسير بالغ في فنه{[14755]} .

الثانية- قال بعض أهل التأويل : الآية فيها تقديم وتأخير ، والمعنى " والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون " إلى ما كانوا عليه من الجماع " فتحرير رقبة " لما قالوا ، أي فعليهم تحرير رقبة من أجل ما قالوا ، فالجار في قوله : " لما قالوا " متعلق بالمحذوف الذي هو خبر الابتداء وهو عليهم ، قاله الأخفش . وقال الزجاج : المعنى ثم يعودون إلى إرادة الجماع من أجل ما قالوا . وقيل : المعنى الذين كانوا يظهرون من نسائهم في الجاهلية ، ثم يعودون لما كانوا قالوه في الجاهلية في الإسلام فكفارة من عاد أن يحرر رقبة . الفراء : اللام بمعنى عن والمعنى ثم يرجعون عما قالوا ويريدون الوطء . وقال الأخفش : لما قالوا وإلى ما قالوا واحد ، واللام وإلى يتعاقبان ، قال : " الحمد لله الذي هدانا لهذا{[14756]} " [ الأعراف : 43 ] وقال : " فاهدوهم إلى صراط الجحيم{[14757]} " [ الصافات : 23 ] وقال : " بأن ربك أوحى لها{[14758]} " [ الزلزلة : 5 ] وقال : " وأوحي إلى نوح{[14759]} " [ هود : 36 ] .

الثالثة- قوله تعالى : " فتحرير رقبة " أي فعليه إعتاق رقبة ، يقال : حررته أي جعلته حرا . ثم هذه الرقبة يجب أن تكون كاملة سليمة من كل عيب ، من كمالها إسلامها عند مالك والشافعي ، كالرقبة في كفارة القتل . وعند أبي حنيفة وأصحابه تجزي الكفارة ومن فيها شائبةُ{[14760]} رق كالمكاتبة وغيرها .

الرابعة- فإن أعتق نصفي عبدين فلا يجزيه عندنا ولا عند أبي حنيفة . وقال الشافعي يجزئ ؛ لأن نصف العبدين في معنى العبدالواحد ، ولأن الكفارة بالعتق طريقها المال فجاز أن يدخلها التبعيض والتجزيء كالإطعام ، ودليلنا قوله تعالى : " فتحرير رقبة " وهذا الاسم عبارة عن شخص واحد ، وبعض الرقبة ليس برقبة ، وليس ذلك مما يدخله التلفيق ؛ لأن العبادة المتعلقة بالرقبة لا يقوم النصف من رقبتين مقامها ، أصله إذا اشترك رجلان في أضحيتين ، ولأنه لو أمر رجلين أن يحجا عنه حجة لم يجز أن يحج عنه واحد منهما نصفها كذلك هذا ، ولأنه لو أوصى بأن تشترى رقبة فتعتق عنه لم يجز أن يعتق عنه نصف عبدين ، كذلك في مسألتنا وبهذا يبطل دليلهم . والإطعام وغيره لا يتجزء في الكفارة عندنا .

الخامسة- قوله تعالى : " من قبل أن يتماسا " أي يجامعها فلا يجوز للمظاهر الوطء قبل التكفير ، فإن جامعها قبل التكفير أثم وعصى ولا يسقط عنه التكفير . وحكي عن مجاهد : أنه إذا وطئ قبل أن يشرع في التكفير لزمته كفارة أخرى . وعن غيره : أن الكفارة الواجبة بالظهار تسقط عنه ولا يلزمه شيء أصلا ، لأن الله تعالى أوجب الكفارة وأمر بها قبل المسيس ، فإذا أخرها حتى مس فقد فات وقتها . والصحيح ثبوت الكفارة ، لأنه بوطئه ارتكب إثما فلم يكن ذلك مسقطا للكفارة ، ويأتي بها قضاء كما لو أخر الصلاة عن وقتها . وفي حديث أوس بن الصامت لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه وطئ امرأته أمره بالكفارة{[14761]} . وهذا نص وسواء كانت كفارة بالعتق أو الصوم أو الإطعام . وقال أبو حنيفة : إن كانت كفارته بالإطعام جاز أن يطأ ثم يطعم ، فأما غير الوطء من القبلة والمباشرة والتلذذ فلا يحرم في قول أكثر العلماء . وقاله الحسن وسفيان ، وهو الصحيح من مذهب الشافعي . وقيل : وكل ذلك محرم وكل معاني المسيس ، وهو قول مالك وأحد قولي الشافعي . وقد تقدم .

السادسة- قوله تعالى : " ذلكم توعظون به " أي تؤمرون به " والله بما تعملون خبير " من التكفير وغيره .


[14755]:الزيادة من أحكام القرآن لابن العربي.
[14756]:راجع جـ 7 ص 208.
[14757]:راجع جـ 15 ص 83.
[14758]:راجع جـ 20 ص 149.
[14759]:راجع جـ 9 ص 29.
[14760]:في ح، ز، س، ط، ل: "شعبة رق" والمعنى واحد.
[14761]:لم يتقدم العود في حديث أوس، وإنما هو في مظاهر آخر وهو القائل: رأيت خلخالها في ضوء القمر.