هذا كلام مصروف إلى غير بني إسرائيل ، فإنهم لم يكونوا مشركين والله يقول { أو تقولوا إنما أشرك آباءنا من قبل } فهذا انتقال بالكلام إلى محاجة المشركين من العرب ، وهو المقصود من السورة ابتداء ونهاية ، فكان هذا الانتقال بمنزلة رد العجز على الصدر . جاء هذا الانتقال بمناسبة ذكر العهد الذي أخذ الله على بني إسرائيل في وصية موسى ، وهو ميثاق الكتاب ، وفي يوم رفع الطور . وهو عهد حصل بالخطاب التكويني أي بجعل معناه في جبلة كل نسمة وفطرتها ، فالجملة معطوفة على الجمل السابقة عطف القصة على القصة . والمقصود به ابتداءهم المشركون .
وتَبَدُّل أسلوب القصة واضح إذ اشتملت هذه القصة على خطاب في قوله : { أن تقولوا يوم القيامة } إلى آخر الآية . وإذ صرح فيها بمعاد ضمير الغيبة وهو قوله { من بني آدم } فعموم الموعظة تابع لعموم العظة . فهذا ابتداء لتقريع المشركين على الإشراك ، وما ذكر بعده إلى آخر السورة مناسب لأحوال المشركين .
و { إذ } اسم للزمن الماضي ، وهو هنا مجردٌ عن الظرفية ، فهو مفعول به لفعل « اذكرْ » محذوف .
وفعل { أخذ } يتعلق به { من بني آدم } وهو معدَّى إلى ذرياتهم ، فتعين أن يكون المعنى : أخذ ربك كلَّ فرد من أفراد الذرية . من كل فرد من أفراد بني آدم ، فيحصل من ذلك أن كل فرد من أفراد بني آدم أقر على نفسه بالمربوبية لله تعالى .
و ( من ) في قوله : { من بني آدم } وقوله : { من ظهورهم } ابتدائية فيهما .
والذُرّيات جمع ذُرَيّةَ ، والذّريّة اسمُ جمع لما يتولد من الإنسان ، وجمعُه هنا للتنصيص على العموم .
وأخذُ العهد على الذرية المخرَجين من ظهور بني آدم يقتضي أخذَ العهد عى الذرية الذين في ظهر آدم بدلالة الفحوى ، وإلا لكان أبناء آدم الأدْنَون ليسوا مأخوذا عليهم العهد مع أنهم أولى بأخذ العهد عليهم في ظهر آدم .
ومما يثبت هذه الدلالة أخبار كثيرة رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن جمع من أصحابه ، متفاوتة في القوة غيرُ خالٍ واحدٌ منها عن مُتكلَّم ، غير أن كثرتها يؤيد بعضُها بعضاً ، وأوضحها ما روى مالك في « الموطأ » في ترجمة « النهيُ عن القول بالقدر » بسنده إلى عمر بن الخطاب قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل عن هذه الآية { وإذْ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } فقال إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه حتى استخرج منه ذرية فقال : خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ، ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال : خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون وساق الحديث بما لا حاجة إليه في غرضنا ، ومحمل هذا الحديث على أنه تصريح بمدلول الفحوى المذكور ، وليس تفسيراً لمنطوق الآية ، وبه صارت الآية دالة على أمرين ، أحدهما : صريح وهو ما أفاده لفظها ، وثانيهما : مفهوم وهو فحوى الخطاب .
وجاء في الآية أن الله أخذ على الذريات العهد بالإقرار بربوبية الله ، ولم يُتعرض لذلك في الحديث ، وذُكر فيه أنه ميز بين أهل الجنة وأهل النار منهم ، ولعل الحديث اقتصار على بيان ما سأل عنه السائِلُ فيكون تفسيراً للأية تفسيرَ تكميل لما لم يذكر فيها ، أو كان في الحديث اقتصار من أحد رواته على بعض ما سمعه .
والأخذ مجاز في الإخراج والانتزاع قال الله تعالى : { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } [ الأنعام : 46 ] الآية .
وقوله : { من ظهورهم } بدل { من بني آدم } أبدل بعض من كل ، وقد أعيد حرف الجر مع البدل للتأكيد كما تقدم في قوله تعالى : { ومن النخل من طلعها قنوانٌ دانيةٌ } في سورة الأنعام ( 99 ) .
والإشهاد على الأنفس يطلق على ما يساوي الإقرار أو الحمل عليه ، وهو هنا الحمل على الإقرار ، واستعير لحالة مغيبة تتضمن هذا الإقرار يعلمها الله لاستقرار معنى هذا الاعتراف في فطرتهم . والضمير في { أشهدهم } عائد على الذرية باعتبار معناه ، لأنه اسم يدل على جمعَ .
والقول في { قالوا بلى } مستعار أيضاً لدلالة حالهم على الاعتراف بالربوبية لله تعالى .
وجملة { ألستُ بربكم } مقولٌ لقول محذوف هو بيان لجملة { أشهدهم على أنفسهم } أي قررهم بهذا القول وهو من أمر التكوين . والمعنى واحد ، لأن الذرية لما أضيف إلى ضمير بني آدم كان على معنى التوزيع .
والاستفهام في { ألست بربكم } تقريري ، ومثله يقال في تقرير من يُظن به الإنكار أو يُنزل منزلة ذلك ، فلذلك يقرر على النفي استدراجاً له حتى إذا كان عاقداً قلبه على النفي ظن أن المقّرر يطلبه منه ، فأقدم على الجواب بالنفي ، فأما إذا لم يكن عاقداً قلبه عليه فإنه يجيب بإبطال النفي ، فيتحقق أنه بريء من نفي ذلك ، وعليه قوله تعالى : { ويوم يُعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق } [ الأحقاف : 34 ] تنزيلاً لهم منزلة من يظنه ليس بحق ، لأنهم كانوا ينكرونه في الدنيا ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسلٌ منكم } في سورة الأنعام ( 130 ) .
والكلام تمثيل حال من أحوال الغيب ، من تسلط أمر التكوين الإلهي على ذوات الكائنات وأعراضها عند إرادة تكوينها ، لا تبلغ النفوس إلى تصورها بالكُنْه ، لأنها وراء المعتاد المألوف ، فيراد تقريبها بهذا التمثيل ، وحاصل المعنى : أن الله خلق في الإنسان من وقت تكوينه إدراك أدلة الوحدانية ، وجعل في فطرة حركة تفكير الإنسان التطلع إلى إدراك ذلك ، وتحصيل إدراكه إذا جرد نفسه من العوارض التي تدخل على فطرته فتفسدها .
وجملة : { قالوا بلى } جواب عن الاستفهام التقريري ، وفصلت لأنها جاءت على طريقة المحاورة كما تقدم في قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } في سورة البقرة ( 30 ) .
وأطلق القول إما حقيقة فذلك قول خارق للعادة ، وإمّا مجازاً على دلالة حالهم على أنهم مربوبون لله تعالى ، كما أطلق القول على مثله في قوله تعالى : { فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين } [ فصلت : 11 ] أي ظهرت فيهما آثار أمر التكوين . وقال أبو النجم :
قالت له الطيرُ تقّدم راشداً *** إنك لا ترجع إلا حامداً
فهو من المجاز الذي كثر في كلام العرب .
و { بلى } حرف جواب لكلام فيه معنى النفي ، فيقتضي إبطال النفي وتقرير المنفي ، ولذلك كان الجواب بها بعد النفي أصرح من الجواب بحرف ( نَعم ) ، لأن نعم تحتمل تقرير النفي وتقرير المنفي ، وهذا معنى ما نقل عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال : « لو قالوا نعم لكفروا » أي لكان جوابهم محتملا للكفر ، ولما كان المقام مقام إقرار كان الاحتمال فيه تفصيا من الاعتراف .
وقرأ نافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو جعفر ، ويعقوب : { ذرياتهم } ، بالجمع ، وقرأ الباقون { ذُريتهم } ، بالإفراد .
وقولهم : { شهدنا } تأكيد لمضمون { بلى } والشهادة هنا أيضاً بمعنى الإقرار .
ووقع { أن تقولوا } في موقع التعليل لفعل الأخذ والإشهاد ، فهو على تقرير لام التعليل الجارة ، وحذفُها مع أنْ جار على المطرد الشائع . والمقصود التعليل بنفي أن يقولوا { إنا كنا عن هذا غافلين } لا بإيقاع القول ، فحذف حرف النفي جريا على شيوخ حذفه مع القول ، أو هو تعليل بأنهم يقولون ذلك ، إن لم يقع إشهادهم على أنفسهم كما تقدم عند قوله تعالى : { أن تقولوا إنما أنزل الكتاب } في سورة الأنعام ( 156 ) .
وقرأ الجمهور : أن تقولوا بتاء الخطاب وقد حول الأسلوب من الغيبة إلى الخطاب ، ثم من خطاب الرسول إلى خطاب قومه ، تصريحاً بأن المقصود من قصة أخذ العهد تذكير المشركين بما أودع الله في الفطرة من التوحيد ، وهذا الأسلوب هو من تحويل الخطاب عن مخاطب إلى غيره ، وليس من الالتفاف لاختلاف المخاطبين . وقرأه أبو عمرو ، وحده : بياء الغيبة ، والضمير عائد إلى ذريات بني آدم .
والإشارة { بهذا } إلى مضمون الاستفهام وجوابه وهو الاعتراف بالربوبية لله تعالى على تقديره بالمذكور .
والمعنى : أن ذلك لمَّا جُعل في الفطرة عند التكوين كانت عقول البشر منساقة إليه ، فلا يغفل عنه أحد منهم فيعتذرَ يوم القيامة ، إذا سئل عن الإشراك ، بعذر الغفلة ، فهذا إبطال للاعتذار بالغفلة ، ولذلك وقع تقدير حرف نفي أي أنْ لا تقولوا إلخ .
الأولى - قوله تعالى : " وإذ أخذ ربك " أي واذكر لهم مع ما سبق من تذكير المواثيق في كتابهم ما أخذت من المواثيق من العباد يوم الذر . وهذه آية مشكلة ، وقد تكلم العلماء في تأويلها وأحكامها ، فنذكر ما ذكروه من ذلك حسب ما وقفنا عليه فقال قوم : معنى الآية أن الله تعالى أخرج من ظهور بني آدم بعضهم من بعض " أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم " دلهم بخلقه على توحيده ؛ لأن كل بالغ يعلم ضرورة أن له ربا واحدا . " ألست بربكم " أي قال . فقام ذلك مقام الإشهاد عليهم ، والإقرار منهم ، كما قال تعالى في السماوات والأرض : " قالتا أتينا طائعين{[7455]} " [ فصلت : 11 ] . ذهب إلى هذا القفال وأطنب . وقيل : إنه سبحانه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد ، وإنه جعل فيها من المعرفة ما علمت به ما خاطبها .
قلت : وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذين القولين ، وأنه تعالى أخرج الأشباح فيها الأرواح من ظهر آدم عليه السلام . وروى مالك في موطئه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين " فقال عمر رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال : خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال : خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون " . فقال رجل : ففيم العمل ؟ قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار " . قال أبو عمر : هذا حديث منقطع الإسناد ؛ لأن مسلم بن يسار لم يلق عمر . وقال فيه يحيى بن معين : مسلم بن يسار لا{[7456]}يعرف ، بينه وبين عمر نعيم بن ربيعة ، ذكره النسائي ، ونعيم غير معروف بحمل العلم . لكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين وغيرهم . روى الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته{[7457]} إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل رجل منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال : يا رب من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال أي رب من هذا ؟ فقال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود فقال رب كم جعلت عمره ؟ قال : ستين سنة قال أي رب زده من عمري أربعين سنة ، فلما انقضى عمر آدم عليه السلام جاءه ملك الموت فقال أو لم يبق من عمري أربعون سنة قال أو لم تعطها ابنك داود قال فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته " . في غير الترمذي : فحينئذ أمر بالكتاب والشهود . في رواية : فرأى فيهم الضعيف والغني والفقير والذليل{[7458]} والمبتلى والصحيح . فقال له{[7459]} آدم : يا رب ، ما هذا ؟ ألا سويت بينهم ! قال : أردت أن أشكر . وروى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس " . وجعل الله لهم عقولا كنملة سليمان ، وأخذ عليهم العهد بأنه ربهم وأن لا إله غيره . فأقروا بذلك والتزموه ، وأعلمهم بأنه سيبعث إليهم الرسل ، فشهد بعضهم على بعض . قال أبي بن كعب : وأشهد عليهم السماوات السبع ، فليس من أحد يولد إلى يوم القيامة إلا وقد أخذ عليه العهد . واختلف في الموضع الذي أخذ فيه الميثاق حين أخرجوا على أربعة أقوال ، فقال ابن عباس : ببطن نعمان ، واد إلى جنب عرفة . وروي{[7460]} عنه أن ذلك برهبا - أرض بالهند - الذي هبط فيه آدم عليه السلام . وقال يحيى بن سلام قال ابن عباس في هذه الآية : أهبط الله آدم بالهند ، ثم مسح على ظهره فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ، ثم قال : " ألست بربكم قالوا بلى شهدنا " قال يحيى قال الحسن : ثم أعادهم في صلب آدم عليه السلام . وقال الكلبي : بين مكة والطائف . وقال السدي : في السماء الدنيا حين أهبط من الجنة إليها مسح على ظهره فأخرج من صفحة ظهره اليمنى ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ ، فقال لهم ادخلوا الجنة برحمتي . وأخرج من صفحة ظهره اليسرى ذرية سوداء وقال لهم ادخلوا النار ولا أبالي . قال ابن جريج : خرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء ، وكل نفس مخلوقة للنار سوداء .
الثانية - قال ابن العربي رحمه الله{[7461]} : " فإن قيل فكيف يجوز أن يعذب الخلق وهم لم يذنبوا ، أو يعاقبهم على ما أراده منهم وكتبه عليهم وساقهم إليه ، قلنا : ومن أين يمتنع ذلك ، أعقلا أم شرعا ؟ فإن قيل : لأن الرحيم الحكيم منا لا يجوز أن يفعل ذلك . قلنا : لأن فوقه آمرا يأمره وناهيا ينهاه ، وربنا تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ولا يجوز أن يقاس الخلق بالخالق ، ولا تحمل أفعال العباد على أفعال الإله ، وبالحقيقة الأفعال كلها لله جل جلاله ، والخلق بأجمعهم له ، صرفهم كيف شاء ، وحكم بينهم{[7462]} بما أراد ، وهذا الذي يجده الآدمي إنما تبعث عليه رقة الجبلة وشفقة الجنسية وحب الثناء والمدح ؛ لما يتوقع في ذلك من الانتفاع ، والباري تعالى متقدس عن ذلك كله ، فلا يجوز أن يعتبر به .
الثالثة - واختلف في هذه الآية ، هل هي خاصة أو عامة . فقيل : الآية خاصة ؛ لأنه تعالى قال : " من بني آدم من ظهورهم " فخرج من هذا الحديث{[7463]} من كان من ولد آدم لصلبه .
وقال جل وعز : " أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل " فخرج منها كل من لم يكن له آباء مشركون . وقيل : هي مخصوصة فيمن أخذ عليه العهد على ألسنة الأنبياء . وقيل : بل هي عامة لجميع الناس ؛ لأن كل أحد يعلم أنه كان طفلا فغذي وربي ، وأن له مدبرا وخالقا . فهذا معنى " وأشهدهم على أنفسهم " . ومعنى " قالوا بلى " أي إن ذلك واجب عليهم . فلما اعترف الخلق لله سبحانه بأنه الرب ثم ذهلوا عنه ذكرهم بأنبيائه وختم الذكر بأفضل أصفيائه لتقوم حجته عليهم فقال له : " فذكر إنما أنت مذكر . لست عليهم بمصيطر{[7464]} " [ الغاشية :22 ] . ثم مكنه من الصيطرة ، وأتاه السلطنة ، ومكن له دينه في الأرض . قال الطرطوشي{[7465]} : إن هذا العهد يلزم البشر وإن كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة ، كما يلزم الطلاق من شهد عليه به وقد نسيه " .
الرابعة - وقد استدل بهذه الآية من قال : إن من مات صغيرا دخل الجنة لإقراره في الميثاق الأول . ومن بلغ العقل لم يغنه الميثاق الأول . وهذا القائل يقول : أطفال المشركين في الجنة ، وهو الصحيح في الباب . وهذه المسألة اختلف فيها لاختلاف الآثار ، والصحيح ما ذكرناه . وسيأتي الكلام في هذا في " الروم{[7466]} " إن شاء الله . وقد أتينا عليها في كتاب " التذكرة " والحمد لله .
الخامسة - قوله تعالى : " من ظهورهم " بدل اشتمال من قوله " من بني آدم " . وألفاظ الآية تقتضي أن الأخذ إنما كان من بني آدم ، وليس لآدم في الآية ذكر بحسب اللفظ . ووجه النظم على هذا : وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم ذريتهم . وإنما لم يذكر ظهر آدم لأن المعلوم أنهم كلهم بنوه . وأنهم أخرجوا يوم الميثاق من ظهره . فاستغنى عن ذكره لقوله : " من بني آدم " . " ذريتهم " قرأ الكوفيون وابن كثير بالتوحيد وفتح التاء ، وهي تقع للواحد والجمع ؛ قال الله تعالى : " هب لي من لدنك ذرية طيبة{[7467]} " [ آل عمران : 38 ] فهذا للواحد ؛ لأنه إنما سأل هبة ولد فبشر بيحيى . وأجمع القراء على التوحيد في قوله : " من ذرية آدم{[7468]} " [ مريم : 58 ] ولا شيء أكثر من ذرية آدم . وقال : " وكنا ذرية من بعدهم " فهذا للجمع . وقرأ الباقون " ذرياتهم " بالجمع ؛ لأن الذرية لما كانت تقع للواحد أتى بلفظ لا يقع للواحد فجمع لتخلص الكلمة إلى معناها المقصود إليه لا يشركها فيه شيء وهو الجمع ؛ لأن ظهور بني آدم استخرج منها ذريات كثيرة متناسبة ، أعقاب بعد أعقاب ، لا يعلم عددهم إلا الله ، فجمع لهذا المعنى .
السادسة - قوله تعالى : " بلى " تقدم القول فيها في " البقرة " . عند قوله " بلى من كسب سيئة " فتأمله هناك{[7469]} " أن يقولوا " " أو يقولوا " قرأ أبو عمرو بالياء فيهما . ردهما على لفظ الغيبة المتكرر قبله ، وهو قوله : " من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم " . وقوله : " قالوا بلى " أيضا لفظ غيبة . وكذا " وكنا ذرية من بعدهم " " ولعلهم " فحمله على ما قبله وما بعده من لفظ الغيبة . وقرأ الباقون بالتاء فيهما ، ردوه على لفظ الخطاب المتقدم في قوله : " ألست بربكم قالوا بلى " . ويكون " شهدنا " من قول الملائكة . لما قالوا " بلى " قالت الملائكة : " شهدنا أن تقولوا " " أو تقولوا " أي لئلا تقولوا . وقيل : معنى ذلك أنهم لما قالوا بلى ، فأقروا له بالربوبية ، قال الله تعالى للملائكة : اشهدوا قالوا شهدنا بإقراركم لئلا تقولوا أو تقولوا . وهذا قول مجاهد والضحاك والسدي . وقال ابن عباس وأبي بن كعب : قوله " شهدنا " هو من قول بني آدم ، والمعنى : شهدنا أنك ربنا وإلهنا ، وقال ابن عباس : أشهد بعضهم على بعض ، فالمعنى على هذا قالوا بلى شهد بعضنا على بعض ، فإذا كان ذلك من قول الملائكة فيوقف على " بلى " ولا يحسن الوقف عليه إذا كان من قول بني آدم ؛ لأن " أن " متعلقة بما قبل بلى ، من قوله : " وأشهدهم على أنفسهم " لئلا يقولوا . وقد روى مجاهد{[7470]} عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم كما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى قالت الملائكة شهدنا أن تقولوا " . أي شهدنا عليكم بالإقرار بالربوبية لئلا تقولوا . فهذا يدل على التاء . قال مكي : وهو الاختيار لصحة معناه ، ولأن الجماعة عليه . وقد قيل : إن قوله " شهدنا " من قول الله تعالى والملائكة . والمعنى : فشهدنا على إقراركم ، قاله أبو مالك ، وروي عن السدي أيضا .