التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي} (96)

قوله { بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِه } إلى قوله { فَنَبَذْتُهَا } إن حُملت كلمات ( بَصُرت بما لم يبصروا به . وقبضت قبضة ، وأثر ، ونبذتها ) على حقائق مدلولاتها كما ذهب إليه جمهور المفسرين كان المعنى أبصرت ما لم يُبصروه ، أي نظرت ما لم ينظروه ، بناء على أن بَصُرت ، وأبصرت كلاهما من أفعال النظر بالعين ، إلا أن بصُر بالشيء حقيقته صار بصيراً به أو بصيراً بسببه ، أي شديد الإبصار ، فهو أقوى من أبصرت ، لأنّه صيغ من فَعُل بضم العين الذي تشتق منه الصفات المشبهة الدالة على كون الوصف سجية ، قال تعالى : { فبصرت به عن جنب } في سورة القصص ( 11 ) .

ولما كان المعنى هنا جليّاً عن أمر مرئيّ تعيّن حمل اللفظ على المجاز باستعارة بصُر الدال على قوّة الإبصار إلى معنى العِلم القويّ بعلاقة الإطلاق عن التقييد ، كما في قوله تعالى : { فبصرك اليوم حديد } [ ق : 22 ] ، وكما سميت المعرفة الراسخة بَصيرة في قوله { أدعوا إلى الله على بصيرة } [ يوسف : 108 ] . وحكى في « لسان العرب » عن اللحياني : إنه لبصير بالأشياء ، أي عالم بها ، وبصرت بالشيء : علمته . وجعل منه قوله تعالى : { بصرت بما لم يبصروا به } ، وكذلك فسرها الأخفش في نقل « لسان العرب » وأثبته الزجاج . فالمعنى : علمتُ ما لم يعلموه وفطنت لما لم يفطنوا له ، كما جعله في « الكشاف » أول وجهين في معنى الآية . ولذلك طريقتان : إما جعل بصُرت مجازاً ، وإما جعله حقيقة .

وقرأ الجمهور { يبصروا } بتحتية على أنه رافع لضمير الغائب . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف بفوقية على أنه خطاب لموسى ومن معه .

والقَبضة : بفتح القاف الواحدة : من القَبض ، وهو غلق الراحة على شيء ، فالقبضة مصدر بمعنى المفعول ، وضد القبض : البسط .

والنبذ : إلقاء ما في اليد .

والأثر : حقيقته : ما يتركه الماشي من صورة قَدَمِه في الرمل أو التراب . وتقدم آنفاً عند قوله تعالى : { قال هم أولاء على أثري } [ طه : 84 ] .

وعلى حمل هذه الكلمات على حقائقها يتعين صرف الرسول عن المعنى المشهور ، فيتعين حمله على جبريل فإنه رسول من الله إلى الأنبياء . فقال جمهور المفسرين : المراد بالرسول جبريل ، ورووا قصة قالوا : إن السامري فتنهُ الله ، فأراه الله جبريل راكباً فرساً فوطىءَ حافر الفرس مكاناً فإذا هو مخضَرّ بالنبات . فعلم السامري أن أثر جبريل إذا ألقي في جماد صار حياً ، فأخذ قَبضة من ذلك التراب وصنَع عجلاً وألقى القبضة عليه فصار جسداً ، أي حياً ، له خوار كخوار العجل ، فعبر عن ذلك الإلقاء بالنبذ . وهذا الذي ذكروه لا يوجد في كتب الإسرائيليين ولا ورد به أثر من السنّة وإنما هي أقوال لبعض السلف ولعلها تسربت للناس من روايات القصاصين .

فإذا صُرفت هذه الكلمات الستُّ إلى معان مجازية كان { بصُرت } بمعنى علمتُ واهتديت ، أي اهتديت إلى علم ما لم يعلموه ، وهو علم صناعة التماثيل والصور الذي به صنع العجل ، وعلم الحِيل الذي أوجد به خُوار العجل ، وكانت القبضة بمعنى النصيب القليل ، وكان الأثر بمعنى التعليم ، أي الشريعة ، وكان نبذت } بمعنى أهملت ونقضت ، أي كنت ذا معرفة إجمالية من هدي الشريعة فانخلعت عنها بالكفر . وبذلك يصح أن يحمل لفظ الرسول على المعنى الشائع المتعارف وهو مَن أوحي إليه بشرع من الله وأُمر بتبليغه .

وكان المعنى : إني بعملي العجل للعبادة نقضت اتباع شريعة موسى . والمعنى : أنه اعترف أمام موسى بصنعِهِ العجل واعترف بأنه جَهِل فَضَلّ ، واعتذر بأن ذلك سوّلته له نفسه .

وعلى هذا المعنى فسر أبو مسلم الأصفهاني ورجحه الزمخشري بتقديمه في الذكر على تفسير الجمهور واختاره الفخر .

والتسويل : تزيين ما ليس بزين .

والتشبيه في قوله { وكذلك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي } تشبيه الشيء بنفسه ، كقوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً } [ البقرة : 143 ] ، أي كذلك التسويل سولت لي نفسي ، أي تسويلاً لا يقبل التعريفَ بأكثر من ذلك .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي} (96)

( قال : بصرت بما لم يبصروا به ، فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها . وكذلك سولت لي نفسي ) . .

وتتكاثر الروايات حول قول السامري هذا . فما هو الذي بصر به ? ومن هو الرسول الذي قبض قبضة من أثره فنبذها ? وما علاقة هذا بعجل الذهب الذي صنعه ? وما أثر هذه القبضة فيه ?

والذي يتردد كثيرا في هذه الروايات أنه رأى جبريل - عليه السلام - وهو في صورته التي ينزل بها إلى الأرض ؛ فقبض قبضة من تحت قدمه ، أو من تحت حافر فرسه ، فألقاها على عجل الذهب ، فكان له هذا الخوار . أو إنها هي التي أحالت كوم الذهب عجلا له خوار .

والقرآن لا يقرر هنا حقيقة ما حدث ، إنما هو يحكي قول السامري مجرد حكاية . . ونحن نميل إلى اعتبار هذا عذرا من السامري وتملصا من تبعة ما حدث . وأنه هو صنع العجل من الذهب الذي قذفه بنو إسرائيل من زينة المصريين التي أخذوها معهم ، وأنه صنعه بطريقة تجعل الريح تصوت في فراغه فتحدث صوتا كالخوار . ثم قال حكاية أثر الرسول يبرر بها موقفه ، ويرجع الأمر إلى فطنته إلى أثر الرسول !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي} (96)

ف " قال بصرت بما لم يبصروا به " " قال " السامري مجيبا لموسى " قال بصرت بما لم يبصروا به " يعني : رأيت ما لم يروا ، رأيت جبريل عليه السلام على فرس الحياة ، فألقي في نفسي : أن أقبض من أثره قبضة ، فما ألقيته على شيء إلا صار له روح ولحم ودم ، فلما سألوك أن تجعل لهم إلها زينت لي نفسي ذلك . وقال علي رضي الله عنه : لما نزل جبريل ليصعد بموسى عليه السلام ، إلى السماء ، وأبصره السامري من بين الناس فقبض قبضة من أثر الفرس . وقيل : قال السامري رأيت جبريل على الفرس وهى تلقي خطوها مد البصر فألقي في نفسي أن أقبض من أثرها فما ألقيته على شيء إلا صار له روح ودم . وقيل : رأى جبريل يوم نزل على رَمَكَةٍ{[11162]} وَدِيقٍ ، فتقدم خيل فرعون في ورود البحر . ويقال : إن أم السامري جعلته حين وضعته في غار خوفا من أن يقتله فرعون ، فجاءه جبريل عليه السلام ، فجعل كف السامري في فم السامري ، فرضع العسل واللبن فاختلف إليه فعرفه من حينئذ . وقد تقدم هذا المعنى في " الأعراف " {[11163]} . ويقال : إن السامري سمع كلام موسى عليه السلام ، حيث عمل تمثالين من شمع أحدهما ثور والآخر فرس ، فألقاهما في النيل طلب قبر يوسف عليه السلام وكان في تابوت من حجر في النيل فأتى به الثور على قرنه ، فتكلم السامري بذلك الكلام الذي سمعه من موسى ، وألقى القبضة في جوف العجل فخار . وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وخلف " بما لم تبصروا " بالتاء على الخطاب . الباقون بالياء على الخبر .

قوله تعالى : " فقبضت قبضة من أثر الرسول " وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود والحسن وقتادة " فقبصت قبصة " بصاد غير معجمة . وروي عن الحسن ضم القاف من " قبصة " والصاد غير معجمة . الباقون : بالضاد المعجمة . والفرق بينهما أن القبض بجميع الكف ، والقبص بأطراف الأصابع ، ونحوهما الخضم والقضم ، والقبضة بضم القاف القدر المقبوض ؛ ذكره المهدوي . ولم يذكر الجوهري " قبصة " بضم القاف والصاد غير معجمة ، وإنما ذكر " القبضة " بضم القاف والضاد المعجمة وهو ما قبضت عليه من شيء ؛ يقال : أعطاه قبضة من سويق أو تمر أي كفا منه ، وربما جاء بالفتح . قال : والقبض بكسر القاف والصاد غير المعجمة العدد الكثير من الناس ، قال الكميت

ل كم مسجدا الله المُزوران والحَصَى*** لكم قِبْصُهُ من بين أَثْرَى وَأَقْتَرَى{[11164]}

" فنبذتها " أي طرحتها في العجل . " وكذلك سولت لي نفسي " أي زينته ، قاله الأخفش . وقال ابن زيد : حدثتني نفسي . والمعنى متقارب .


[11162]:الرمكة: الفرس والبرذونة التي تتخذ للنسل، معرب. وهي هنا الفرس. والوديق: التي تشتهي الفحل.
[11163]:راجع جـ 7 ص 274.
[11164]:أي من بين مثر ومقل.