التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا} (22)

استئناف ثان جواب عن مقالتهم ، فبعد إبداء التعجيب منها عُقّب بوعيد لهم ، فيه حصول بعض ما طلبوا حصوله الآن ، أي هم سيرون الملائكة ولكنها رؤية تسوءهم حين يرون زبانية العذاب يسوقونهم إلى النار ، ففي هذا الاستئناف تلميح وتهكم بهم لأن ابتداءَه مطمع بالاستجابة وآخرَه مؤيس بالوعيد ، فالكلام جرى على طريقة الغَيبة لأنه حكاية عن تورّكهم ، والمقصود إبلاغه لهم حين يَسمعونه . وانتصب { يوم يرون } على الظرفية لِ { لاَ بُشرى } . وتقديم الظرف للاهتمام به لإثارة الطمع وللتشويق إلى تعيين إبانه حتى إذا ورد ما فيه خيبة طمعهم كان له وقع الكآبة على نفوسهم حينما يسمعونه . وإعادة { يومئذٍ } تأكيد .

وذِكر وصف المجرمين إظهار في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بأنهم مجرمون بعد أن وصفوا بالكفر والظلم واليأس من لقاء الله . وانتفاءُ البشرى مستعمل في إثبات ضده وهو الحزن .

و ( حجر ) بكسر الحاء وسكون الجيم ، ويقال بفتح الحاء وضمها على الندرة فهي كلمة يقولونها عند رؤية ما يُخاف من إصابته بمنزلة الاستعاذة . قال الخليل وأبو عبيدة : كان الرجل إذا رأى الرجل الذي يَخاف منه أن يقتله في الأشهر الحرم يقول له : { حِجْراً محجوراً } ، أي حَرام قتلي ، وهي عوذة .

و ( حجر ) مصدر : حجَره ، إذا منعه ، قال تعالى { وحرث حِجر } [ الأنعام : 138 ] ، وهو في هذا الاستعمال لازم النصب على المفعول المطلق المنصوب بفعل مضمر مثل : معاذ الله ، وأمّا رفعه في قول الرّاجز :

قالت فيها حيدة وذُعْر *** عَوْذ بربي منكمُ وحُجْر

فهو تصرف فيه ، ولعله عند سيبويه ضرورة لأنه لم يذكر الرفع في استعمال هذه الكلمات في هذا الغرض وهو الذي حكاه الراجز . وأمّا رفع ( حجر ) في غير حالة استعماله للتعوذ فلا مانع منه لأنه الأصل ، وقد جاء في القرآن منصوباً لا على المفعولية المطلقة في قوله تعالى : { وجعل بينهما برزخاً وحِجْراً محجوراً } [ الفرقان : 53 ] ، فإنه معطوف على مفعول { جعل } وسننبه عليه قريباً .

و { محجوراً } وصف ل { حجراً } مشتق من مادته للدلالة على تمكن المعنى المشتق منه كما قالوا : ليل أليل ، وذيل ذائل ، وشِعْر شاعر .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا} (22)

21

ثم يسخر منهم بصدق وحق ، إذ يطلعهم على الهول الذي ينتظرهم يوم يرون الملائكة - ورؤية الملائكة هي أقل الطلبين تطاولا - فإنهم لا يرون الملائكة إلا في يوم عصيب هائل ، ينتظرهم فيه العذاب الذي لا طاقة لهم به ، ولا نجاة لهم منه . ذلك هو يوم الحساب والعقاب :

( يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين . ويقولون : حجرا محجورا . وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) . .

يوم يتحقق اقتراحهم الذي اقترحوه : ( يوم يرون الملائكة )يومئذ لا يبشر المجرمون ولكن يعذبون . فيالها من استجابة لما يقولون ! يومئذ يقولون : ( حجرا محجورا )أي حراما محرما . وهي جملة اتقاء للشر وللأعداء كانوا يقولونها استبعادا لأعدائهم وتحرزا من أذاهم . وهي تجري في ذلك اليوم على ألسنتهم بحكم العادة من الذهول حين يفاجأون . ولكن أين هم اليوم مما كانوا يقولون ! إن الدعاء لا يعصمهم ولا يمنعهم :

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا} (22)

وأن " يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين " يريد أن الملائكة لا يراها أحد إلا عند الموت : فتبشر المؤمنين بالجنة ، وتضرب المشركين والكفار بمقامع الحديد حتى تخرج أنفسهم . " ويقولون حجرا محجورا " يريد : تقول الملائكة حراما محرما أن يدخل الجنة إلا من قال لا إله إلا الله ، وأقام شرائعها . عن ابن عباس وغيره . وقيل : إن ذلك يوم القيامة . قاله مجاهد وعطية العوفي . قال عطية : إذا كان يوم القيامة تلقى المؤمن بالبشرى : فإذا رأى ذلك الكافر تمناه فلم يره من الملائكة . وانتصب " يوم يرون " بتقدير لا بشرى للمجرمين يوم يرون الملائكة . " يومئذ " تأكيد ل " يوم يرون " . قال النحاس : لا يجوز أن يكون " يوم يرون " منصوبا ب " بشرى " لأن ما في حيّز النفي لا يعمل فيما قبله ، ولكن فيه تقدير أن يكون المعنى يمنعون البشارة يوم يرون الملائكة ، ودل على هذا الحذف ما بعده ، ويجوز أن يكون التقدير : لا بشرى تكون يوم يرون الملائكة ، و " يومئذ " مؤكد . ويجوز أن يكون المعنى : اذكر يوم يرون الملائكة : ثم ابتدأ فقال : " لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا " أي وتقول الملائكة : حراما محرما أن تكون لهم البشرى إلا للمؤمنين . قال الشاعر :

ألا أصبحتْ أسماءُ حِجْراً مُحَرَّمًا *** وأصبحتُ من أدنى حُمُوَّتِهَا حَمَا{[12110]}

أراد ألا أصبحت أسماء حراما محرما . وقال آخر :

حنَّتْ إلى النخلة القصوى فقلت لها *** حِجْرٌ حرامٌ ألاَ تلك الدَّهَارِيسُ{[12111]}

وروي عن الحسن أنه قال : " ويقولون حجرا " وقف من قول المجرمين ، فقال الله . عز وجل : " محجورا " عليهم أن يعاذوا أو يجاروا ، فحجر الله ذلك عليهم يوم القيامة . والأول قول ابن عباس . وبه قال الفراء . قاله ابن الأنباري . وقرأ الحسن وأبو رجاء : " حُِجرا " بضم الحاء والناس على كسرها . وقيل : إن ذلك من قول الكفار قالوه لأنفسهم . قاله قتادة فيما ذكر الماوردي . وقيل : هو قول الكفار للملائكة . وهي كلمة استعاذة كانت معروفة في الجاهلية ، فكان إذا لقي الرجل من يخافه قال : حجرا محجورا ، أي حراما عليك التعرض لي . وانتصابه على معنى : حجرت عليك ، أو حجر الله عليك ، كما تقول : سقيا ورعيا . أي إن المحرمين إذا رأوا الملائكة يلقونهم في النار قالوا : نعوذ بالله منكم ، ذكره القشيري ، وحكى معناه المهدوي عن مجاهد . وقيل : " حجرا " من قول المجرمين . " محجورا " من قول الملائكة ، أي قالوا للملائكة نعوذ بالله منكم أن تتعرضوا لنا . فتقول الملائكة : " محجورا " أن تعاذوا من شر هذا اليوم . قاله الحسن .


[12110]:قاله رجل كانت له امرأة فطلقها وتزوجها أخوه، أي أصبحت أخا زوجها بعد ما كنت زوجها.
[12111]:البيت للمتلمس، والنخلة القصوى: واد. والدهاريس: الدواهي. يقول لناقته: هذا الذي حننت إليه ممنوع. وبعده: أمي شآمية إذ لا عراق لنا *** قوما نودّهم إذ قومنا شوس.