التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَتَجۡعَلُونَ رِزۡقَكُمۡ أَنَّكُمۡ تُكَذِّبُونَ} (82)

إذا جرينا على ما فَسر به المفسرون تكون هذه الجملة عطفاً على جملة { أفبهذا الحديث أنتم مدهنون } [ الواقعة : 81 ] عطفَ الجملة على الجملة فتكون داخلة في حيّز الاستفهام ومستقلة بمعناها .

والمعنى : أفتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ، وهو تفريع على ما تضمنه الاستدلال بتكوين نسل الإنسان وخلق الحَب ، والماء في المزن ، والنار من أعواد الاقتداح ، فإن في مجموع ذلك حصول مقومات الأقوات وهي رزق ، والنسل رزق ، يقال : رُزق فلان ولَداً ، لأن الرزق يطلق على العطاء النافع ، قال لبيد :

رُزقتْ مرابيعَ النجومِ وصَابها *** وَدْقُ الرواعد جَوْدُها فرهامها

أي أعطيتْ وقال تعالى : { ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون } [ الذاريات : 57 ] فعطف الإِطعام على الرزق والعطف يقتضي المغايرة .

والاستفهام المقدر بعد العاطف إنكاري ، وإذ كان التكذيب لا يصح أن يجعل رزقاً تعين بدلالة الاقتضاء تقدير محذوف يفيده الكلام فقدره المفسرون : شُكْر رزقكم ، أو نحوه ، أي تجعلون شكر الله على رزقه إياكم أن تكذبوا بقدرته على إعادة الحياة ، لأنهم عدلوا عن شكر الله تعالى فيما أنعم به عليهم فاستنقصوا قدرته على إعادة الأجسام ، ونسبوا الزرع لأنفسهم ، وزعموا أن المطر تمطره النجوم المسماة بالأنواء فلذلك قال ابن عباس : نزلت في قولهم : مُطرنا بنوء كذا ، أي لأنهم يقولونه عن اعتقاد تأثير الأنواء في خَلْق المطر ، فمعنى قول ابن عباس : نزلت في قولهم : مطرنا بنوء كذا ، أنه مراد من معنى الآية .

قال ابن عطية : أجمع المفسرون على أن الآية توبيخ للقائلين في المطر الذي ينزله الله رزقاً : هذا بنوء كذا وكذا اهـ .

أشار هذا إلى ما روي في « الموطأ » عن زيد بن خالد الجهني قال : صلّى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثْر سماء فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس فقال : هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قالَ : قَال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال : مُطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، وأما من قال مطرنا بِنَوْءِ كذا ونوء كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب ، وليس فيه زيادة فنزلت هذه الآية ولو كان نزولها يومئذٍ لقاله الصحابي الحاضر ذلك اليوم .

ووقع في « صحيح مسلم » عن ابن عباس أنه قال : « مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر ، قالوا : هذه رحمة الله ، وقال بعضهم : لقد صَدق نَوْء كذا وكذا . قال فنزلت : { فلا أقسم بمواقع النجوم } [ الواقعة : 75 ] حتى بلغ { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } فزاد على ما في حديث زيد بن خالد قوله فنزلت : { فلا أقسم } الخ .

وزيادة الراوي مختلف في قبولها بدون شرط أو بشرط عدم اتحاد المجلس ، أو بشرط أن لا يكون ممن لا يغفل مثلُه عن مثل تلك الزيادة عادةً وهي أقوال لأئمة الحديث وأصول الفقه ، وابن عباس لم يكن في سن أهل الرواية في مدة نزول هذه السورة بمكة فعل قوله : فنزلت تأويل منه ، لأنه أراد أن الناس مُطرواً في مكة في صدر الإسلام فقال المؤمنون قولاً وقال المشركون قولاً فنزلت آية { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } تنديداً على المشركين منهم بعقيدة من العقائد التي أنكرها الله عليهم وأن ما وقع في الحديبية مطر آخر لأن السورة نزلت قبل الهجرة .

ولم يرو أن هذه الآية ألحقت بالسورة بعد نزول السورة .

ولعل الراوي عنه لم يحسن التعبير عن كلامه فأوهم بقوله فنزلت { فلا أقسم بمواقع النجوم } [ الواقعة : 75 ] بأن يكون ابن عباس قال : فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { فلا أقسم بمواقع النجوم ، أو نحو تلك العبارة . وقد تكرر مثل هذا الإِيهام في أخبار أسباب النزول ويتأكد هذا صيغة تكذبون } لأن قولهم : مطرنا بنوء كذا ، ليس فيه تكذيب بشيء ، ولذلك احتاج ابن عطية إلى تأويله بقوله : « فإن الله تعالى قال : { ونزلنا من السماء ماء مباركاً فأنبتنا به جنات وحبَّ الحصيد والنخلَ باسقات لها طلع نضيد رزقاً للعباد } [ ق : 9 11 ] فهذا معنى { أنكم تكذبون } أي تكذبون بهذا الخبر .

والذي نحاه الفخر منحى آخر فجعل معنى { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } تكملة للإِدهان الذي في قوله تعالى : { أفبهذا الحديث أنتم مدهنون } [ الواقعة : 81 ] فقال : « أي تخافون أنكم إن صدّقتم بالقرآن ومنعتم ضعفاءكم عن الكفر يفوت عليكم من كسبكم ما تربحونه بسببهم فتجعلون رزقكم أنكم تكذّبون الرسول أي فيكون عطفاً على { مدهنون } [ الواقعة : 81 ] عطف فعل على اسم شبيه به ، وهو من قبيل عطف المفردات ، أي أنتم مدهنون وجاعلون رزقكم أنكم تكذِّبون ، فهذا التكذيب من الإدهان ، أي أنهم يعلمون صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ولكنهم يظهرون تكذيبه إبقاء على منافعهم فيكون كقوله تعالى : { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } [ الأنعام : 33 ] . وعلى هذا يقدر قوله : { أنكم تكذبون } مجروراً بباء الجر محذوفة ، والتقدير : وتجعلون رزقكم بأنكم تكذبون ، أي تجعلون عوضه بأن تكذِّبوا بالبعث » .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَتَجۡعَلُونَ رِزۡقَكُمۡ أَنَّكُمۡ تُكَذِّبُونَ} (82)

57

( وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) . . فإذا التكذيب هو رزقكم الذي تحصلون عليه في حياتكم وتدخرونه لآخرتكم ? وما أسوأه من رزق !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَتَجۡعَلُونَ رِزۡقَكُمۡ أَنَّكُمۡ تُكَذِّبُونَ} (82)

قوله تعالى : " وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون " قال ابن عباس : تجعلون شكركم التكذيب . وذكر الهيثم بن عدي :أن من لغة أزد شنوءة ما رزق فلان ؟ أي ما شكره . وإنما صلح أن يوضع اسم الرزق مكان شكره ؛ لأن شكر الرزق يقتضي الزيادة فيه فيكون الشكر رزقا على هذا المعنى . فقيل : " وتجعلون رزقكم " أي شكر رزقكم الذي لو وجد منكم لعاد رزقا لكم " أنكم تكذبون " بالرزق أن تضعوا الرزق مكان الشكر ، كقوله تعالى : " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية{[14680]} " [ الأنفال : 35 ] أي لم يكونوا يصلون ولكنهم كانوا يصفرون ويصفقون مكان الصلاة . ففيه بيان أن ما أصاب العباد من خير فلا ينبغي أن يروه من قبل الوسائط التي جرت العادة بأن تكن أسباب ، بل ينبغي أن يروه من قبل الله تعالى ، ثم يقابلونه بشكر إن كان نعمة ، أو صبر إن كان مكروها تعبدا له وتذللا . وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسم قرأ " وتجعلون بشكركم أنكم تكذبون " حقيقة . وعن ابن عباس أيضا : أن المراد به الاستسقاء بالأنواء ، وهو قول العرب : مطرنا بنوء كذا ، رواه علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال : مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر قالوا : هذه رحمة الله وقال بعضهم : لقد صدق نوء كذا وكذا ، قال : فنزلت هذه الآية : " فلا أقسم بمواقع النجوم حتى بلغ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون " .

وعنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في سفر فعطشوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أرأيتم أن دعوت الله لكم فسقيتم لعلكم تقولون هذا المطر بنوء كذا ) فقالوا يا رسول الله ما هذا بحين الأنواء . فصلى ركعتين ودعا ربه فهاجت ريح ثم هاجت سحابة فمطروا ، فمر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه عصابة من أصحابه برجل يغترف بقدح له وهو يقول سقينا بنوء كذا ، ولم يقل هذا من رزق الله فنزلت : " وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون " أي شكركم لله على رزقه إياكم " أنكم تكذبون " بالنعمة وتقولون سقينا بنوء كذا ، كقولك : جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي ، وجعلت إنعامي لديك أن اتخذتني عدوا . وفي الموطأ عن زيد بن خالد الجهني أنه قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء{[14681]} كانت من الليل ، فلما أنصرف أقبل على الناس وقال : ( أتدرون ماذا قال ربكم ) قالوا : الله ورسول أعلم ، قال : ( أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكوكب فأما من مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، وأما من قال مطرنا بنوء كذا فذلك بالكوكب كافر بي ) . قال الشافعي رحمه الله : لا أحب أحدا أن يقول مطرنا بنوء كذا وكذا ، وإن كان النوء عندنا الوقت المخلوق لا يضر ولا ينفع ، ولا يمطر ولا يحبس شيئا من المطر ، والذي أحب أن يقول : مطرنا وقت كذا كما تقول مطرنا شهر كذا ، ومن قال : مطرنا بنوء كذا ، وهو يريد أن النوء أنزل الماء ، كما عني بعض ، أهل الشرك من الجاهلية بقوله فهو كافر ، حلال دمه إن لم يتب . وقال أبو عمر بن عبدالبر : وأما قوله عليه الصلاة والسلام حاكيا عن اله سبحانه : ( أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ) فمعناه عندي على وجهين : أما أحدهما فإن المعتقد بأن النوء هو الموجب لنزول الماء ، وهو المنشئ للسحاب دون الله عز وجل فذلك كافر كفرا صريحا{[14682]} يجب استتابته عليه وقتله إن أبى{[14683]} لنبذه الإسلام ورده القرآن . والوجه الآخر أن يعتقد أن النوء ينزل الله به الماء ، وأنه سبب الماء على ما قدره الله وسبق في علمه ، وهذا وإن كان وجها مباحا ، فإن فيه أيضا كفرا بنعمة الله عز وجل ، وجهلا بلطيف حكمته في أنه ينزل الماء متى شاء ، مرة بنوء كذا ، ومرة بنوء كذا ، وكثيرا ما ينوء النوء فلا ينزل معه شيء من الماء ، وذلك من الله تعالى لا من النوء . وكذلك كان أبو هريرة يقول إذا أصبح وقد مطر : مطرنا بنوء الفتح ، ثم يتلو : " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها{[14684]} " [ فاطر : 2 ] قال أبو عمر : وهذا عندي نحو قول وسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مطرنا بفضل الله ورحمته ) . ومن هذا الباب قول عمر بن الخطاب للعباس بن عبد المطلب حين استسقى به : يا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم كم بقي من نوء الثريا ؟ فقال العباس : العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعا بعد سقوطها . فما مضت سابعة حتى مطروا ، فقال عمر : الحمد لله هذا بفضل الله ورحمته . وكأن عمر رحمه الله قد علم أن نوء الثريا وقت يُرْجى فيه المطر ويؤمل فسأله عنه أخرج أم بقيت منه بقية ؟

وروى سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا في بعض أسفاره يقول : مطرنا ببعض عَثَانين الأسد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كذبت بل هو سقيا الله عز وجل ) قال سفيان : عَثَانين الأسد الذراع والجبهة . وقراءة العامة " تكذبون " من التكذيب . وقرأ المفضل عن عاصم ويحيى بن وثاب " تكذبون " بفتح التاء مخففا . ومعناه ما قدمناه من قول من قال : مطرنا بنوء كذا . وثبت من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث لن يزلن في أمتي التفاخر في الأحساب والنياحة والأنواء ) ولفظ مسلم في هذا ( أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة ) .


[14680]:راجع جـ 7 ص 400.
[14681]:على إثر سماء: أي بعد مطر. وفي "إثر" لغتان: كسر الهمزة وسكون الثاء وفتحهما.
[14682]:في ب: "صراحا".
[14683]:زيادة يقتضيها السياق.
[14684]:راجع جـ 14 ص 321.