التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَرَوۡحٞ وَرَيۡحَانٞ وَجَنَّتُ نَعِيمٖ} (89)

والرَّوْح : بفتح الراء في قراءة الجمهور ، وهو الراحة ، أي فرَوْح له ، أي هو في راحة ونعيم ، وتقدم في قوله : { ولا تيأسوا من روح الله } في سورة يوسف ( 87 ) . وقرأه رويس عن يعقوب بضم الراء . ورويت هذه القراءة عن عائشة عن النبي عند أبي داود والترمذي والنسائي ، أي أن رسول الله روي عنه الوجهان ، فالمشهور روي متواتراً ، والآخر روي متواتراً وبالآحاد ، وكلاهما مراد .

ومعنى الآية على قراءة ضم الراء : أن روحه معها الريحان وهو الطيب وجنة النعيم . وقد ورد في حديث آخر : أن رُوح المؤمن تخرج طيبة . وقيل : أطلق الرُّوح بضم الراء على الرحمة لأن من كان في رحمة الله فهو الحيّ حقاً ، فهو ذو روح ، أما من كان في العذاب فحياته أقل من الموت ، قال تعالى : { لا يموت فيها ولا يحيى } [ الأعلى : 13 ] ، أي لأنه يتمنى الموت فلا يجده .

والريحان : شجر لورقة وقضبانه رائحة ذكية شديد الخضرة كانت الأمم تزين به مجالس الشراب . قال الحريري « وطوراً يستبزل الدنان ، ومرة يستنثق الريحان » وكانت ملوك العرب تتخذهُ ، قال النابغة :

يُحَيَّوْن بالريحان يوم السباسب

وتقدم عند قوله تعالى : { والحب ذو العصف والريحان } في سورة الرحمن ( 12 ) ، فتخصيصه بالذكر قبل ذكر الجنة التي تحتوي عليه إيماء إلى كرامتهم عند الله ، مثل قوله : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } [ الرعد : 23 ، 24 ] .

وجملة { فروح وريحان } جواب ( أما ) التي هي بمعنى : مهما يكن شيء . وفُصل بين ( ما ) المتضمنة معنى اسم شرط وبين فعل شرط وبين الجواب بشرط آخر هو { إن كان من المقربين } لأن الاستعمال جرى على لزوم الفصل بين ( أمّا ) وجوابها بفاصل كراهية اتصال فاء الجواب بأداة الشرط لما التزموا حذف فعل الشرط فأقاموا مقامه فاصلاً كيفَ كان .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَرَوۡحٞ وَرَيۡحَانٞ وَجَنَّتُ نَعِيمٖ} (89)

57

فالروح هنا ترى علائم هذا النعيم الذي ينتظرها : روح وريحان وجنة نعيم . والألفاظ ذاتها تقطر رقة ونداوة . وتلقي ظلال الراحة الحلوة ، والنعيم اللين والأنس الكريم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَرَوۡحٞ وَرَيۡحَانٞ وَجَنَّتُ نَعِيمٖ} (89)

" فروح وريحان وجنة نعيم " وقراءة العامة " فروح " بفتح الراء ومعناه عند ابن عباس وغيره : فراحة من الدنيا . قال الحسن : الروح الرحمة . الضحاك : الروح الاستراحة . القتبي : المعنى له في طيب نسيم . وقال أبو العباس بن عطاء : الروح النظر إلى وجه الله ، والريحان الاستماع لكلامه ووحيه ، " وجنة نعيم " هو ألا يحجب فيها عن الله عز وجل . وقرأ الحسن وقتادة ونصر بن عاصم والجحدري ورويس وزيد عن يعقوب " فروح " بضم الراء ، ورويت عن ابن عباس . قال الحسن : الروح الرحمة ؛ لأنها كالحياة للمرحوم . وقالت عائشة رضي الله عنها : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم " فروح " بضم الراء ومعناه فبقاء له وحياة في الحنة وهذا هو الرحمة . " وريحان " قال مجاهد وسعيد بن جبير : أي رزق . قال مقاتل : هو الرزق بلغة حمير ، يقال : خرجت أطلب ريحان الله أي رزقه ، قال النمر بن تولب :

سلامُ الإلهِ وريحانُه *** ورحمتُه وسماءٌ دِرَرْ

وقال قتادة : إنه الجنة . الضحاك : الرحمة . وقيل هو الريحان المعروف الذي يشم . قاله الحسن وقتادة أيضا . الربيع بن خيثم : هذا عند الموت والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث . أبو الجوزاء : هذا عند قبض روحه يتلقى بضبائر الريحان . أبو العالية : لا يفارق أحد روحه من المقربين في الدنيا حتى يؤتى بغصنين من ريحان فيشمهما ثم يقبض روحه فيهما ، وأصل ريحان واشتقاقه تقدم في أول سورة " الرحمن{[14691]} " فتأمله . وقد سرد الثعلبي في الروح والريحان أقوالا كثيرة سوى ما ذكرنا من أرادها وجدها هناك .


[14691]:راجع ص 157 من هذا الجزء.