المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية - ابن عطية  
{كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَـٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ} (69)

وقوله تعالى { كالذين من قبلكم } الآية ، أمر الله نبيه أن يخاطب بها المنافقين فيقول لهم { كالذين من قبلكم } ، والمعنى أنتم كالذين أو مثلكم مثل الذين من قبلكم ، وقال الزجّاج : المعنى وعداً كما وعد الذين من قبلكم فهو متعلق بوعد .

قال القاضي أبو محمد : وهذا قلق ، ثم قال { كانوا أشد منكم } وأعظم فعصوا فأهلكوا فأنتم أحرى بالإهلاك لمعصيتكم وضعفكم ، والخلاق الحظ من القدر والدين وجميع حال المرء وخلاق المرء : الشيء الذي هو به خليق ، والمعنى : عجلوا حظهم في دنياهم وتركوا باب الآخرة فاتبعتموهم أنتم .

قال القاضي أبو محمد : وأورد الطبري في تفسير هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم «لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه »{[5774]} ، وما شاكل هذا الحديث مما يقتضي اتباع محمد صلى الله عليه وسلم لسائر الإمم ، وهو معنى لا يليق بالآية جداً إذ هي مخاطبة لمنافقين كفار أعمالهم حابطة والحديث مخاطبة لموحدين يتبعون سنن من مضى في أفعاله دنيوية لا تخرج عن الدين ، وقوله { خضتم كالذي خاضوا } أي خلطتم كالذي خلطوا ، وهو مستعار من الخوض في المائعات ، ولا يستعمل إلا في الباطل ، لأن التصرف في الحقائق إنما هو على ترتيب ونظام ، وأمور الباطل إنما هي خوض ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم

«رب متخوض في مال الله له النار يوم القيامة »{[5775]} ، ثم قال تعالى : { أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } فيحتمل أن يراد ب { أولئك } القوم الذين وصفهم بالشدة وكثرة الأموال والاستمتاع بالخلاق ، والمعنى وأنتم أيضاً كذلك يعتريكم بإعراضكم عن الحق ، ويحتمل أن يريد ب { أولئك } المنافقين المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم ، ويكون الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم وفي ذلك خروج من خطاب إلى خطاب غير الأول ، و «حبط العمل » وما جرى مجراه يحبط حبطاً إذا بطل بعد التعب فيه ، وحبَط البطن حبَطاً بفتح الباء وهو داء في البطن ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم »{[5776]} ، وقوله { في الدنيا } معناه إذا كان في المنافقين ما يصيبهم في الدنيا من المقت من المؤمنين وفساد أعمالهم عليهم وفي الآخرة بأن لا تنفع ولا يقع عليها جزاء ، ويقوي أن الإشارة ب { أولئك } إلى المنافقين قوله في الآية المستقبلة { ألم يأتهم } فتأمله .


[5774]:- أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري، وفي تفسير ابن كثير أن ابن جريج أخرجه عن أبي هريرة- وتمامه: (قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ أهل الكتاب؟ قال: فمن؟). وهكذا رواه أبو معشر عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره.
[5775]:- أخرجه البخاري في باب (فإن لله خمسه وللرسول)، ولفظه فيه: (إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة).
[5776]:- سبق الاستشهاد به عند تفسير الآية (17) من هذه السورة وهي قوله تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون}.