قوله تعالى : { ولله غيب السموات والأرض } أي : علم ما غاب عن العباد فيهما ، { وإليه يرجع الأمر كله } ، في المعاد . قرأ نافع وحفص : { يرجع } بضم الياء وفتح الجيم : أي : يرد . وقرأ الآخرون بفتح الياء وكسر الجيم ، أي : يعود الأمر كله إليه حتى لا يكون للخلق أمر . { فاعبده وتوكل عليه } ، وثق به ، { وما ربك بغافل عما تعملون } ، قرأ أهل المدينة والشام وحفص ويعقوب : { تعملون } بالتاء هاهنا وفي آخر سورة النمل . وقرأ الآخرون بالياء فيهما . قال كعب : خاتمة التوراة خاتمة سورة هود .
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني ، أنبأنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي ، أنبأنا أبو سعيد الهيثم بن كليب ، حدثنا أبو عيسى الترمذي ، ثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، ثنا معاوية ابن هشام ، عن شيبان ، عن أبي إسحاق ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله قد شبت ، فقال صلى الله عليه وسلم : " شيبتني هود ، والواقعة ، والمرسلات ، وعم يتساءلون ، وإذا الشمس كورت " . ويروى : شيبتني هود وأخواتها .
قوله تعالى : { ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعلمون } .
ذلك حسن الختام لهذه السورة العظيمة . وذلك هو شأن القرآن في روعة الختام لكل سورة من سوره . فما تتتابع الآيات في السورة الواحدة تتابعا لينا ومثيرا ومرغوبا حتى يفضي إلى الختام في يسر وسلاسة وجمال ، وفي غاية من الترابط المحكم الوثيق الذي يقرع الذهن لكمال فحواه ومعناه ، ويثير الوجدان لحلاوة رصفه ومبناه . وهذه ظاهرة من ظواهر الإعجاز في هذا الكتاب الحكيم . وذلكم هو جمال التعبير وروعة التعقيب المؤثر المنسجم في الآيات الخواتيم لكل السور . ويشهد لذلك ما نجده في هذه الآية المباركة التي تضم جملة حقائق مختلفة كبريات تفيض منها النداوة والطلاوة وبالغ التأثير ، وما يقوي على اختلاف مثل ذلك بشر . تلكم أربعة معان عظيمات منسجمة تتلاحم فيما بينهما خير تلاحم . وذك في بضع عبارات مترابطة ومتسقة في آية الختام .
وأول هذه الحقائق { ولله غيب السموات والأرض } الله وحده عليم بالمغيبات من الأشياء والحقائق في هذا الكون المعمور ؛ فما من شيء ولا نبأ ولا خبر ولا مستور ولا منظور ، صغيرا أم كبيرا إلا يعلمه الله .
والحقيقية الثانية : { وإليه يرجع الأمر كله } إلى الله المعاد والمصير ، فإليه مرجع كل المحدثات والكائنات من ملائكة وإنس وجن ، مؤمنين وكافرين ، فكل شيء صائر إليه يوم القيامة حيث الحشر والتلاقي والحساب .
والحقيقة الثالثة : { فاعبده وتوكل عليه } يأمر الله نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه أن يعبدوه وحده لا شريك له فيمتثلوا لأحكامه ويطيعوه فيما أمر ، وأن يعتمدوا عليه ويركنوا إليه جنابة تمام الركون ؛ فإنه خير نصير ومعوان للطائعين المتوكلين عليه المستندين على جلاله .
والحقيقة الرابعة { وما ربك بغافل عما تعلمون } ذلك تهديد من الله للمشركين الضالين الذين خسروا أنفسهم في الدنيا والآخرة ؛ فالله ليس بساه عن أفعال المشركين المنكرة من جحودهم للنبوة وتكذيب لرسالات الله وصد عن سبيله وإيذاء للمسلمين وافتعال الأسباب التي تفتنهم عن دينهم ، ليس الله غافلا عن هؤلاء الخاسرين الظالمين ولكن الله لهم بالمرصاد . وهو معذبهم بما يشاء من العذاب في هذه الدنيا ، ويوم القيامة يصيرون إلى جهنم وبئس المصير .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.