معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (77)

قوله تعالى : { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة } اطلب فيما أعطاك الله من الأموال والنعمة الجنة ، وهو أن تقوم بشكر الله فيما أنعم عليك وتنفقه في رضا الله { ولا تنس نصيبك من الدنيا } قال مجاهد ، وابن زيد : لا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة حتى تنجو من العذاب ، لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا أن يعمل للآخرة . وقال السدي : بالصدقة وصلة الرحم . وقال علي : لا تنس صحتك وقوتك وشبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن شاذان ، أنبأنا أبو يزيد حاتم بن محبوب الشامي ، أنبأنا حسين المروزي ، أنبأنا عبد الله بن المبارك ، أنبأنا جعفر بن برقان ، عن زياد بن الجراح ، عن عمرو بن ميمون الأزدي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لرجل وهو يعظه : " اغتنم خمساً قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك " الحديث صحيح مرسل . قال الحسن : أمر أن يقدم الفضل ويمسك ما يغنيه ، قال منصور بن زاذان في قوله : { ولا تنس نصيبك من الدنيا } قال : قوتك وقوت أهلك . { وأحسن كما أحسن الله إليك } أي : أحسن بطاعة الله كما أحسن الله إليك بنعمته . وقيل : أحسن إلى الناس كما أحسن الله إليك ، { ولا تبغ }لا تطلب{ الفساد في الأرض } وكل من عصى الله فقد طلب الفساد في الأرض ، { إن الله لا يحب المفسدين } .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (77)

قوله : { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ } أي التمس بما أعطاك الله من خير ومال كثير الدار الآخرة وهي الجنة . وذلك هو خلق المسلم التقي الفطن ، إن كان ذا مال أو جاه أو قوة ؛ فإنه يسخر كل ما أوتيه من عطاء وفضل في طاعة الله ، وفي تحصيل مرضاته ليظفر بالجنة وينجو من النار .

قوله : { وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا } أي لا تترك أن تطلب حظك في الدنيا من الرزق . أو لا تترك ما أحل الله لك منها فإن فيه لك غنى وكفاية . والمراد به : طلب الحلال ، وعدم تضييع الحظ من الدنيا في التمتع بالحلال منها . وفي ذلك من الرفق بالإنسان لتحصيل ما يشتهيه بالمعروف والاعتدال ما لا يخفى . وفي جملة ذلك قال ابن عمر : " احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا " .

قوله : { وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ } أي أحسن في الدنيا بالشكر لله وجميل الطاعة لجلاله العظيم كما تفضل عليك بجزيل النعم .

قوله : { وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ } أي لا تطلب ما حرمه الله عليك من المعاصي والبغي والعدوان وكل وجوه الفساد { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين } الله لا يحب أهل البغي والتجبر والكبر ، الذين يشيعون في الأرض المعاصي والفتن ويسعون في الأرض فسادا{[3528]} .


[3528]:فتح القدير ج 3 ص 186، وأحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 1471، والكشاف ج 3 ص 192.