معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} (43)

قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } الآية ، والمراد من السكر : السكر من الخمر ، عند الأكثرين ، وذلك أن عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه صنع طعاماً ، ودعا ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتاهم بخمر فشربوها قبل تحريم الخمر ، وسكروا فحضرت صلاة المغرب ، فقدموا رجلاً ليصلي بهم فقرأ : { قل يا أيها الكافرون ، أعبد ما تعبدون . بحذف ( لا ) هكذا إلى آخر السورة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وكانوا بعد نزول هذه الآية يجتنبون السكر أوقات الصلاة ، حتى نزل تحريم الخمر . وقال الضحاك بن مزاحم : أراد به سكر النوم ، نهى عن الصلاة عند غلبة النوم .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو القاسم جعفر بن محمد بن المفلس ، أنا هارون بن إسحاق الهمذاني ، أخبرنا عبدة بن سليمان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم ، فإن أحدكم إذا صلى وهو ينعس ، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه ) .

قوله تعالى : { حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً } ، نصب على الحال ، يعني : ولا تقربوا الصلاة وأنتم جنب . يقال : رجل جنب ، وامرأة جنب ، ورجال جنب ، ونساء جنب . وأصل الجنابة : البعد ، وسمي جنباً لأنه يتجنب موضع الصلاة ، أو لمجانبته الناس وبعده منهم ، حتى يغتسل .

قوله تعالى : { إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا } ، اختلفوا في معناه ، فقال :

إلا أن تكونوا مسافرين ولا تجدون الماء فتيمموا ، منع الجنب من الصلاة حتى يغتسل إلا أن يكون في سفر ، ولا يجد ماء فيصلي بالتيمم ، وهذا قول علي ، وابن عباس ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد رضي الله عنهم . وقال الآخرون : بل المراد من الصلاة موضع الصلاة ، كقوله تعالى : { وبيع وصلوات } [ الحج :40 ] ومعناه : لا تقربوا المسجد وأنتم جنب إلا مجتازين فيه للخروج منه ، مثل أن ينام في المسجد فيجنب ، أو يصيبه جنابة والماء في المسجد ، أو يكون طريقه عليه ، فيمر به ولا يقيم . وهذا قول عبد الله بن مسعود ، وسعيد بن المسيب ، والضحاك ، والحسن ، وعكرمة ، والنخعي ، والزهري ، وذلك أن قوماً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد ، فتصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم ، ولا ممر لهم إلا في المسجد ، فرخص لهم في العبور . واختلف أهل العلم فيه : فأباح بعضهم المرور فيه على الإطلاق ، وهو قول الحسن ، وبه قال مالك ، والشافعي ، رحمهم الله ، ومنع بعضهم على الإطلاق ، وهو قول أصحاب الرأي ، وقال بعضهم : يتيمم للمرور فيه . أما المكث فلا يجوز عند أكثر أهل العلم ، لما روينا عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( وجهوا هذه البيوت عن المسجد ، فإني لا أحل المسجد لحائض ، ولا جنب ) وجوز أحمد المكث فيه ، وضعف الحديث لأن رواية مجهول ، وبه قال المزني . ولا يجوز للجنب الطواف ، كما لا يجوز له الصلاة ولا يجوز له قراءة القرآن .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح ، أنا أبو القاسم البغوي ، أنا علي بن الجعد ، أنا شعبة ، أخبرني عمر بن مرة قال : سمعت عبد الله بن سلمة يقول : دخلت على علي رضي الله عنه فقال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي الحاجة ، ويأكل معنا اللحم ، ويقرأ القرآن ، وكان لا يحجبه أو لا يحجزه عن القرآن شيء إلا الجنابة " .

وغسل الجنابة يجب بأحد الأمرين : إما بنزول المني ، أو بالتقاء الختانين ، وهو تغييب الحشفة في الفرج وإن لم ينزل ، وكان الحكم في الابتداء أن من جامع امرأته فأكسل لا يجب عليه الغسل ، ثم صار منسوخاً .

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا سفيان عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب أن أبا موسى الأشعري سأل عائشة رضي الله عنها عن التقاء الختانين فقالت عائشة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا التقى الختانان ، أو مس الختان الختان ، فقد وجب الغسل " .

قوله تعالى : { وإن كنتم مرضى } ، جمع مريض ، وأراد به مرضاً يضره إمساس الماء ، مثل الجدري ونحوه ، أو كان على موضع الطهارة جراحة يخاف من استعمال الماء فيها التلف ، أو زيادة الوجع ، فإنه يصلي بالتيمم ، وإن كان الماء موجوداً ، وإن كان بعض أعضاء طهارته صحيحاً والبعض جريحاً غسل الصحيح منها وتيمم للجريح ، لما أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز الغاشاني ، أنا أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي ، أنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي ، أنا داود سليمان بن الأشعث السجستاني ، أنا موسى ابن عبد الرحمن الأنطاكي ، أنا محمد بن سلمة ، عن الزبير بن حزيق ، عن جابر بن عبد الله قال : خرجنا في سفر ، فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه ، فاحتلم ، فسأل أصحابه : هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات ، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال : " قتلوه قتلهم الله ، ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال ، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو قال يعصب -شك الراوي- على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده .

ولم يجوز أصحاب الرأي الجمع بين التيمم والغسل ، وقالوا : إن كان أكثر أعضائه صحيحاً غسل الصحيح ولا يتيمم عليه ، وإن كان الأكثر جريحاً اقتصر على التيمم . والحديث حجة لمن أوجب الجمع بينهما .

قوله تعالى : { أو على سفر } . أراد أنه إذا كان في سفر طويلاً كان أو قصيراً ، وعدم الماء فإنه يصلي بالتيمم ولا إعادة عليه . لما روي عن أبي ذر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين ، فإذا وجد الماء فليمسه بشره ) .

فإذا ذلك خيرا أما إذا لم يكن الرجل مريضاً ، ولا في سفر ، لكنه عدم الماء في موضع لا يعدم فيه الماء غالباً ، بأن كان في قرية انقطع ماؤها فإنه يصلي بالتيمم ، ثم يعيد إذا قدر على الماء عند الشافعي ، وعند مالك والأوزاعي لا إعادة عليه ، وعند أبي حنيفة رضي الله عنهما يؤخر الصلاة حتى يجد الماء .

قوله تعالى : { أو جاء أحد منكم من الغائط } ، أراد به إذا أحدث ، والغائط : اسم للمطمئن من الأرض ، وكانت عادة العرب إتيان الغائط للحدث فكني عن الحدث بالغائط .

قوله تعالى : { أو لامستم النساء } ، قرأ حمزة والكسائي { لامستم } هاهنا وفي المائدة ، وقرأ الباقون { لامستم النساء } . واختلفوا في معنى اللمس والملامسة ، فقال قوم : المجامعة ، وهو قول ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وقتادة ، وكني باللمس عن الجماع ، لأن الجماع لا يحصل إلا باللمس ، وقال قوم : هما التقاء البشرتين ، سواء كان بجماع أو غير جماع ، وهو قول ابن مسعود وابن عمر ، والشعبي ، والنخعي . واختلف الفقهاء في حكم هذه الآية .

فذهب جماعة إلى أنه إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى شيء من بدن المرأة ولا حائل بينهما ينتقض وضوءهما ، وهو قول ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما ، وبه قال الزهري ، والأوزاعي ، والشافعي رضي الله عنهما . وقال مالك ، والليث بن سعد ، وأحمد ، وإسحاق : إن كان اللمس بشهوة نقض الطهر ، وإن لم يكن بشهوة فلا ينتقض . وقال قوم : لا ينتقض الوضوء باللمس بحال . وهو قول ابن عباس ، وبه قال الحسن ، والثوري . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا ينتقض إلا إذا أحدث الانتشار . واحتج من لم يوجب الوضوء باللمس بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبد الله عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت : " كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورجلاي في قبلته ، فإذا سجد غمزني ، فقبضت رجلي ، وإذا قام بسطتهما ، قالت : والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح " .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أن أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كنت نائمةً إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففقدته من الليل ، فلمسته بيدي ، فوقعت يدي على قدميه وهو ساجد وهو يقول : " أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك " .

واختلف قول الشافعي رضي الله عنه فيما لو لمس امرأة من محارمه كالأم ، والبنت ، والأخت ، أو لمس أجنبية صغيرة ، أصح القولين أنه لا ينقض الوضوء لأنها ليست بمحل الشهوة ، كما لو لمس رجلاً . واختلف قوله في انتقاض وضوء الملموس على قولين : أحدهما : ينتقض لاشتراكهما في الالتذاذ . كما يجب الغسل عليهما بالجماع ، والثاني : لا ينتقض لحديث عائشة رضي الله عنها حيث قالت : فوقعت يدي على قدميه وهو ساجد ، ولو لمس شعر امرأة أو سنها ، أو ظفرها ، لم ينتقض وضوءه عنده .

واعلم أن المحدث لا تصح صلاته ما لم يتوضأ إذا وجد الماء ، أو يتيمم إذا لم يجد الماء .

أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي ، أخبرنا أبو طاهر الزيادي ، أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ، أنا أحمد بن يوسف السلمي ، أنا عبد الرزاق ، أنا معمر عن همام بن منبه ، أنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ) .

والحدث : هو خروج الخارج من أحد الفرجين عيناً كان أو أثراً : أوالغلبة على العقل بجنون أو إغماء على أي حال كان . وأما النوم : فمذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يوجب الوضوء ، إلا أن ينام قاعداً ممكناً فلا وضوء عليه ، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أخبرنا عبد العزيز الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا الثقة عن حميد الطويل ، عن أنس رضي الله عنه قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء فينامون ، أحسبه قال : قعوداً ، حتى تخفق رؤوسهم ، ثم يصلون ولا يتوضؤون .

وذهب قوم إلى النوم يوجب الوضوء بكل حال ، وهو قول أبي هريرة رضي الله عنه ، وعائشة رضي الله عنها ، وبه قال الحسن ، وإسحاق ، والمزني . وذهب قوم : إلى أنه لو نام قائماً ، أو قاعداً ، أو ساجداً ، فلا وضوء عليه حتى ينام مضطجعاً . وبه قال الثوري ، وابن المبارك ، وأصحاب الرأي . واختلفوا في مس الفرج من نفسه أو من غيره : فذهب جماعة إلى أنه يوجب الوضوء . وهو قول عمر ، وابن عمر ، وابن عباس وسعد بن أبي وقاص ، وأبي هريرة ، وعائشة رضي الله عنها . وبه قال سعيد بن المسيب ، وسليمان ابن يسار ، وعروة بن الزبير ، وإليه ذهب الأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . وكذلك المرأة تمس فرجها ، غير أن الشافعي رضي الله عنه يقول : لا ينتقض إلا أن يمس ببطن الكف ، أو بطون الأصابع . واحتجوا بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه سمع عروة بن الزبير يقول : دخلت على مروان بن الحكم فذكرنا ما يكون منه الوضوء فقال مروان : من مس الذكر الوضوء ، فقال عروة : ما علمت ذلك . فقال مروان : أخبرتني بسرة بنت صفوان ، أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ ) .

وذهب جماعة إلى أنه لا يوجب الوضوء ، روي ذلك عن علي وابن مسعود وأبي الدرداء ، وحذيفة ، وبه قال الحسن ، وإليه ذهب الثوري ، وابن المبارك ، وأصحاب الرأي ، واحتجوا بما روي عن طلق بن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن مس الرجل ذكره ، فقال : ( هل هو إلا بضعة منك ؟ ) ويروى هل هو إلا بضعة أو مضغة منه ؟

ومن أوجب الوضوء منه قال : هذا منسوخ بحديث بسرة ، لأن أبا هريرة يروي أيضاً أن الوضوء من مس الذكر ، وهو متأخر الإسلام ، وكان قدوم طلق بن علي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أول زمن الهجرة حين كان يبني المسجد ، واختلفوا في خروج النجاسة من غير الفرجين بالفصد والحجامة وغيرهما من القيء ونحوه ، فذهب جماعة : إلى أنه لا يوجب الوضوء ، روي ذلك عن عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وبه قال عطاء ، وطاووس ، والحسن ، وسعيد بن المسيب ، وإليه ذهب مالك ، والشافعي ، رحمهما الله ، وذهبت جماعة إلى إيجاب الوضوء بالقيء ، والرعاف ، والفصد ، والحجامة ، منهم سفيان الثوري ، وابن المبارك ، وأصحاب الرأي ، وأحمد ، وإسحاق . واتفقوا على أن القليل منه ، وخروج الريح من غير السبيلين لا يوجب الوضوء ، ولو أوجب الوضوء كثيره لأوجب قليله كالفرج .

قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } ، اعلم أن التيمم من خصائص هذه الأمة .

روى حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً ، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء ) .

وكان بدء التيمم ما أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي ، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي ، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي ، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه ، وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء ، فأتى الناس أبا بكر رضي الله عنه فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة ؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء ؛ فجاء أبو بكر رضي الله عنه ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام ، فقال : أحبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء ؟ قالت : فعاتبني أبو بكر رضي الله عنه وقال ما شاء الله أن يقول ، وجعل يطعن بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح على غير ماء ، فأنزل الله تعالى آية التيمم { فتيمموا } ، فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر ، قالت عائشة رضي الله عنها : فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته .

وأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عبيد بن إسماعيل ، أنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها : أنها استعارت من أسماء قلادةً فهلكت ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً من أصحابه في طلبها ، فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء ، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم . فقال أسيد بن حضير : جزاك الله خيراً ، فوا الله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجاً ، وجعل للمسلمين فيه بركة ، { فتيمموا }أي : اقصدوا .

قوله تعالى : { صعيداً طيباً } . أي : تراباً طاهراً نظيفاً ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : الصعيد : هو التراب ، واختلف أهل العلم فيما يجوز به التيمم ، فذهب الشافعي رحمه الله تعالى إلى أنه يختص بما يقع عليه اسم التراب مما يعلق باليد منه غبار ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " وجعلت تربتها لنا طهوراً " . وجوز أصحاب الرأي التيمم بالزرنيخ ، والجص ، والنورة ، وغيرها من طبقات الأرض حتى قالوا : لو ضرب يديه على صخرة لا غبار عليها ، أو على التراب ، ثم نفخ فيه حتى زال كله ، فمسح به وجهه ويديه صح تيممه . وقالوا : الصعيد . وجه الأرض ، لما روي عن جابر رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا ) . وهذا مجمل ، وحديث حذيفة في تخصيص التراب مفسر ، والمفسر من الحديث يقضي على المجمل ، وجوز بعضهم بكل ما هو متصل بالأرض من شجر ، ونبات ، ونحوهما وقال : إن الصعيد اسم لما تصاعد على وجه الأرض ، والقصد إلى التراب شرط لصحة التيمم ، لأن الله تعالى قال : { فتيمموا } ، والتيمم : القصد ، حتى لو وقف في مهب الريح فأصاب الغبار وجهه ونوى لم يصح .

قوله تعالى : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفواً غفوراً } .

اعلم أن مسح الوجه واليدين واجب في التيمم ، واختلفوا في كيفيته فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يمسح الوجه واليدان مع المرفقين بضربتين ، يضرب كفيه على التراب فيمسح بهما جميع وجهه ، ولا يجب إيصال التراب إلى ما تحت الشعور ، ثم يضرب ضربةً أخرى فيمسح يديه إلى المرفقين . لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد بن الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا إبراهيم بن محمد ، عن أبي الحويرث ، عن الأعرج ، عن أبي الصمة قال : مررت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول ، فسلمت عليه ، فلم يرد علي حتى قام إلى جدار فتحه بعصاً كانت معه ، ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه ، ثم رد علي السلام . ففيه دليل على وجوب مسح اليدين إلى المرفقين كما يجب غسلهما في الوضوء إلى المرفقين ، ودليل على أن التيمم لا يصح ما لم يعلق باليد غبار التراب ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حت الجدار بالعصا ، ولو كان مجرد الضرب كافياً لما كان حته ، وذهب الزهري إلى أنه يمسح اليدين إلى المنكبين ، لما روي عن عمار أنه قال : تيممنا إلى المناكب ، وذلك حكاية فعله لم ينقله عن النبي صلى الله عليه وسلم . كما روي أنه قال : أجنبت فتمكعت في التراب ، فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالوجه والكفين . وذهب جماعة إلى أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين . وهو قول علي ، وابن عباس رضي الله عنهم ، وبه قال الشعبي ، وعطاء بن أبي رباح ، ومكحول ، وإليه ذهب الأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق . واحتجوا بما أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا آدم ، أنا شعبة ، أخبرنا الحكم ، عن ذر ، عن سعيد ابن عبد الرحمن عن أبزى ، عن أبيه قال : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : إني أجنبت فلم أصب الماء ؟ فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب : أما تذكر ، إنا كنا في سفر أنا وأنت ، فأما أنت فلم تصل ، وأما أنا فتمكعت فصليت ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنما كان يكفيك هكذا ، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض ونفخ فيهما ، ثم مسح بهما وجهه وكفيه ؟

وقال محمد بن إسماعيل ، أنا محمد بن كثير ، عن شعبة بإسناده فقال عمار لعمر رضي الله عنه : تمكعت فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يكفيك الوجه والكفان .

وفي الحديث دليل على الجنب إذا لم يجد الماء يصلي بالتيمم ، وكذا الحائض والنفساء إذا طهرتا وعدمتا الماء . وذهب عمر وابن مسعود رضي الله عنهما إلى أن الجنب لا يصلي بالتيمم بل يؤخر الصلاة إلى أن يجد الماء فيغتسل ، وحملا قوله تعالى : { أو لمستم النساء } على اللمس باليد دون الجماع .

وحديث عمار رضي الله عنه حجة ، وكان عمر نسي ما ذكر له عمار فلم يقنع بقوله ، وروي أن ابن مسعود رضي الله عنه رجع عن قوله وجوز التيمم للجنب ، والدليل عليه أيضاً : ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا إبراهيم بن محمد ، عن عباد بن منصور ، عن أبي رجاء العطاردي ، عن عمران بن حصين رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلا كان جنباً أن يتيمم ثم يصلي ، فإذا وجد الماء اغتسل .

وأخبرنا عمر بن عبد العزيز ، أنا أبو القاسم بن جعفر الهاشمي ، أنا أبو علي اللؤلؤي ، أنا أبو داود السجستاني ، أنا مسدد ، أنا خالد الواسطي ، عن خالد الحذاء ، عن أبي عمرو بن بجدان ، عن أبي ذر رضي الله عنهم قال : اجتمعت غنيمه من الصدقة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا أبا ذر ابد فيها ، فبدوت إلى الربذة ، وكانت تصيبني الجنابة ، فامكث الخمس والست ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو ذر ؟ فسكت ، فقال : " ثكلتك أمك يا أبا ذر ، لأمك الويل ، فدعا بجارية سوداء ، فجاءت بعس فيه ماء ، فسترتني بثوب ، واستترت بالراحلة ، فاغتسلت فكأني ألقيت عني جبلا فقال : الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين ، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك فإن ذلك خير " .

ومسح الوجه واليدين في التيمم ، تارة يكون بدلاً عن غسل بعض أعضاء الطهارة ، بأن يكون على بعض أعضاء طهارته جراحة لا يمكنه غسل محلها ، فعليه أن يتيمم بدلاً عن غسله ، ولا يصح التيمم لصلاة الوقت إلا بعد دخول الوقت ، ولا يجوز أن يجمع بين فريضتين بتيمم واحد ، لأن الله تعالى قال : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } إلى أن قال : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } ، ظاهر الآية يدل على وجوب الوضوء أو التيمم إذا لم يجد الماء عند كل صلاة ، إلا أن الدليل قد قام في الوضوء ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم فتح مكة الصلوات بوضوء واحد ، فبقي التيمم على ظاهره ، وهذا قول علي ، وابن عباس ، وابن عمر رضي الله عنهم ، وبه قال الشعبي ، والنخعي ، وقتادة ، وإليه ذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . وذهب جماعة إلى أن التيمم كالطهارة بالماء يجوز تقديمه على وقت الصلاة ، ويجوز أن يصلي به ما شاء من الفرائض ما لم يحدث . وهو قول سعيد بن المسيب ، والحسن ، والزهري ، والثوري ، وأصحاب الرأي ، واتفقوا على أنه يجوز أن يصلي بتيمم واحد مع الفريضة ما شاء من النوافل ، قبل الفريضة وبعدها ، وأن يقرأ القرآن إن كان جنباً . وإن كان تيممه بعذر السفر ، وعدم الماء ، فيشترط طلب الماء ، وهو أن يطلبه في رحله ، ومن رفقائه ، وإن كان في صحراء ولا حائل دون نظره ينظر حواليه ، وإن كان دون نظره حائل قريب من تل أو جدار عدل عنه ، لأن الله تعالى قال : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } ، ولا يقال : لم يجد ، إلا لمن طلب . وعند أبي حنيفة رضي الله عنه ، طلب الماء ليس بشرط ، فإن رأي الماء ولكن بينه وبين الماء حائل من عدو أو سبع يمنعه من الذهاب إليه ، أو كان الماء في البئر وليس معه آلة الاستقاء ، فهو كالمعدوم ، يصلي بالتيمم ولا إعادة عليه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} (43)

قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا ) جاء في سبب نزول هذه الآية أن علي بن أبي طالب قال : صنع لنا عبد الرحمان بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقرأت ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) ونحن نعبد ما تعبدون . فأنزل الله هذه الآية لتنهى عن الصلاة حال السكر . وفي ذلك ما يدل على أن السكر كان مباحا في أول الإسلام . وقد نزل في شان الخمر ما يشي بالتنفير منها من غير تحريم . قوله تعالى : ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ) فقال عمر بن الخطاب : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا . ثم نزل من بعد ذلك قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى . . ) فقال عمر أيضا : اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا . حتى نزل قوله تعالى : ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه . . فهل أنتم منتهون ) فقال عمر : انتهينا{[751]} . وفي الآية نهي عن قربان الصلاة حال السكر . وفي ذلك دلالة على جواز شربها في فترة بعيدة عن وقت الصلاة كالعشاء الأخيرة مثلا وقد يحتمل أن يكون المراد التعريض بالنهي عن السكر بالكلية لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة أوقات من الليل والنهار فلا يتمكن الشارب من أداء الصلاة في أوقاتها دائما والله تعالى أعلم{[752]} . والمراد بالسكر هو سكر الخمر وما قيس عليها من مخدّرات محرّمة يتخذها المدمنون وسيلة لإذهاب العقل من أجل العبث واللهو . والمقصود بالصلاة هنا موضع خلاف . فقد ذهبت طائفة إلى أنها العبادة المعلومة التي تؤدي في أوقاتها . وهو قول أبي حنيفة . وذهب طائفة أخرى إلى أن المقصود هو موضع الصلاة . وهو قول الشافعي وثمة قول ثالث بأن المقصود هو الصلاة وموضعها معا .

قوله : ( وأنتم سكارى ) مبتدأ وخبره . والواو تفيد الحال . وبذلك فان جملة المبتدأ والخبر في محل نصب حال . وسكارى جمع تكسير مفرده سكران على وزن فعلان . والسكر نقيض الصحو ومنه التسكير ، كأن تقول : سكرت الشق أي سددته وجعلته مسدودا{[753]} وعلى هذا فإن السكران مسدود العقل بما أصابه من آفة السكر بفعل الخمرة وهي ما يخامر العقل ، ومن ذلك الخمار أي الستار الذي يغطي الشيء فيحجبه عن الرؤية . وعلى ذلك فالخمرة ستار يخامر العقل فيغشاه بحجاب كثيف من الإسكار{[754]} .

قوله : ( حتى تعلموا ما تقولون ) أي حتى يمكن التيقن مما تقولونه تلاوة وغيرها في صلاتكم . والسكران لا يعلم ما يقول فلا يلزمه طلاقه ؛ لأنه كالمعتوه الذي لا يفهم ولا يعي . وهو مروي عن ابن عباس . وقال به عثمان . وهو قول الليث بن سعد وأبي ثور والمزني ، ورواية عن الشافعي . وكذلك البنج من ذهب به عقله فلا يقع طلاقه . وأجاز طلاقه آخرون . فقد روي ذلك عن عمر وبعض التابعين وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي ورواية أخرى عن الشافعي .

أما الإمام مالك فقد ألزمه الطلاق والقود في الجراح والقتل ، ولم يلزمه النكاح والبيع{[755]} .

قوله : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل ) الجنب من الجنابة وهي مخالطة الرجل المرأة حتى يحصل الإنزال . والجنب لا يؤنث ولا يجمع . والأصل فيه من البعد كأن الجنب يكون بعيدا عن حال الصلاة {[756]} . وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن الجنب هو غير الطاهر سواء كان بسبب الإنزال أو ملامسة الختان للختان ولو بغير إنزال وهو الصحيح .

قوله : ( إلا عابري سبيل ) قيل : عابر السبيل هو المسافر فلا يصح لأحد بذلك أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال ، إلا المسافر فإن له أن يتيمم ثم ، يصلي وهو قول أبي حنيفة . وذكر آخرون في سبب نزول الآية أن قوما من الأنصار كانت أبواب دورهم شارعة في المسجد فإذا أصاب أحدهم الجنابة اضطر إلى المرور في المسجد . فقد روي عن عائشة رضي الله عنها قالت : جاء رسول الله ( ص ) ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال : " وجّهوا هذه البيوت عن المسجد " . ثم دخل النبي ( ص ) ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن تنزل لهم رخصة فخرج إليهم فقال : " وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " . وفي هذا دليل على صحة القول الثاني وهو سبب نزول الآية . وفيه الحكم بجواز عبور المسجد للجنب الذي لا يجد مندوحة عن دخول المسجد بقصد الوصول إلى بيته .

وثمة محظورات على الجنب إلا أن يغتسل ، وهي قراءة القرآن قلّ ذلك أو أكثر . فقد أخرج ابن ماجه عن ابن عمر أن النبي ( ص ) قال : " لا يقرأ الجنب والحائض شيئا من القرآن " وأخرج الدارقطني عن علي بن أبي طالب قال : " كان رسول الله ( ص ) لا يحجبه عن قراءة القرآن شيء إلا أن يكون جنبا " . وكذلك أخرج الدارقطني عن عبد الله بن رواحة أن رسول الله ( ص ) نهى أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب .

ومع ذلك فإنه يحل للجنب أن يقرأ من القرآن على سبيل الأذكار أو المواعظ والأحكام ، كقوله عند الركوب : ( سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ) وقوله عند المصيبة : ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) .

ويذهب الإمام مالك وأصحابه إلى جواز التلاوة للآيات اليسيرة من الجنب بقصد التعوذ أو الاستدلال وذلك كما لو قرأ آية الكرسي أو الاثنين الأخيرتين من سورة البقرة{[757]} .

أما أهل الظاهر فقد غالوا في ذلك إذ قالوا : يجوز للجنب أن يتلو القرآن ما قل منه أو كثر . ونحسب أن هذا القول مجانب للصواب{[758]} .

قوله : ( حتى تغتسلوا ) فعل مضارع منصوب بأن المضمرة بعد حتى . وعلامة النصب حذف النون من آخره . والاغتسال هو إسباغ الماء على الجسد مع إمرار اليد على المغسول وهو التدليك . على أن التدليك ليس شرطا لصحة الغسل وهو قول جمهور العلماء . وذهب الإمام مالك إلى وجوب التدليك عند الاغتسال ، وقول الجمهور أصوب لما روى عن عائشة وميمونة في صفة غسل النبي ( ص ) وأنه ليس فيه تدليك .

وبالنسبة للنية فقد اشترطها بعض الفقهاء منهم مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم مثلما اشترطوا النية في الوضوء والتيمم ؛ لأن مثل هذه الأمور عبادة وهذه لا تتحقق إلا بالنية لقول النبي ( ص ) : " إنما الأعمال بالنيات " وخالف في ذلك الأحناف وقالوا بصحة الغسل والوضوء بغير نية . لكن الطهارة عن طريق التيمم لا تتم إلا بالنية{[759]} .

قوله : ( وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط . . . ) ثمة ظروف وأحوال يعز فيها الحصول على الماء أو استعماله فإنه حينئذ يتسنى للمرء أن يتيمم من أجل استباحة بعض العبادات التي يشترط لها الطهارة مثل الصلاة وتلاوة القرآن ودخول المسجد . وأول هذه الظروف والأحوال : المرض : فإن خشي المريض على نفسه الهلاك أو فوات جزء من أعضائه أو تأخير البرء إن اغتسل وذلك لبرودة الماء أو غير ذلك جاز له إذ ذاك أن يتيمم بالتراب الطاهر على نحو ما سوف نبيّن . فقد روى أبو داود والدارقطني عن عمرو بن العاص قال : احتملت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، فتيممت ثم صليت باصحابي الصبح فذكروا ذلك لرسول الله ( ص ) فقال : " يا عمر صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ " فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت : إني سمعت الله عز وجل يقول : ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) فضحك نبي الله ( ص ) ولم يقل شيئا . ويعزز ذلك أيضا قوله تعالى : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) . وأخرج أبو داود والدارقطني عن جابر قال : خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجّّه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ فقالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات ، فلما قدمنا على النبي ( ص ) أخبر بذلك فقال : " قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العيّ السؤال ، إنما يكفيه أن يتيمم ويعصب أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده " .

السفر : يجوز التيمم للمسافر سواء كان السفر قصيرا أو طويلا إذا لم يتوفر الماء من غير اشتراط لما يجوز فيه قصر الصلاة . وذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم خلافا لما قيل بأنه لا يكون تيمم إلا في سفر تقصر فيه الصلاة وهو ضعيف .

أما بالنسبة لجواز التيمم في الحضر ( الإقامة ) فثمة خلاف بين الفقهاء في ذلك فقد ذهب الإمام مالك وأصحابه وأبو حنيفة إلى أن التيمم في الحضر جائز مثلما هو جائز في السفر وذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز للحاضر المقيم أن يتيمم إلا إذا كان سقيما يخشى الهلاك أو التلف أو لغير ذلك من المعاذير الشرعية . وقال أيضا إنه إذا عدم الماء في الحضر جاز للصحيح والسقيم التيمم للصلاة على أن يعيدا بعد الحصول على الماء .

ويبدو أن الراجح ما ذهب إليه الشافعي وهو منع التيمم لغير المسافر وتوجيه هذا القول أن الله تعالى جعل التيمم رخصة للمسافر والمريض وبذلك فإنه سبحانه لم يبح التيمم إلا بشرطين هما السفر والمرض ويخرج من ذلك المقيم والصحيح .

نفاد الماء : إذا عدم الماء ولو في الحضر جاز التيمم لقوله تعالى : ( أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) .

فإذا نفد الماء في الحضر ، أو بيع بثمن لا يطاق لغلائه ، أو كانت الحاجة إليه من أجل الشرب ماسّة جاز التيمم ، سواء احتيج إليه لسقاية الآدميين أو البهائم كالفرس أو الشاة أو الهرة أو كلب الحراسة أو غير ذلك .

والغائط أصله في اللغة ما انخفض من الأرض ويجمع على غيطان . وكان من عادة العرب إذا مشوا لقضاء الحاجة أن يذهبوا بعيدا عن أعين الناس ليغيبوا في الغائط من الأرض أي المنخفض ، وبعد ذلك قد سمي قضاء الحاجة بالغائط{[760]} .

قوله : ( أو لامستم النساء ) ورد في تفسير الملامسة وفي حكمها جملة أقوال :

أولها : أن الملامسة مختصة باليد فقط فإذا وقعت الملامسة فيما بين الرجل والمرأة الأجنبية باليد وجب الوضوء لنقض الطهارة باللمس . وهو قول طائفة من أهل العلم . وهو مروي عن عمر وابن مسعود ، وقال به الأوزاعي .

ثانيا : أن الملامسة مختصة بالجماع وما كان دون ذلك فلا وضوء فيه ولا تيمم وهو قول أبي حينفة ، إلا أن يطأها دون الفرج فينتشر فيها فيجب في حقه الوضوء ؛ وذلك لما رواه أبو داود وابن ماجه عن عائشة أن النبي ( ص ) قبل امرأة من نسائه وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ .

ثالثها : إذا كانت الملامسة بغير شهوة فلا وضوء . وعلى ذلك يجب الوضوء عند اللمس إذا اقترن بالشهوة سواء وقع اللمس بحائل أو بغير حائل . وذلك ما ذهب إليه الإمام مالك وأحمد . وبذلك إن لمسها من رواء حائل لم ينتقض وضوءه في قول أكثر العلماء . وقال مالك والليث : ينتقض إن كان الحائل ثوبا رقيقا .

رابعها : إذ أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى بدن المرأة وجب الوضوء أو التيمم عند عدم الماء سواء كان ذلك مقترنا بالشهوة أو بغيرها . فالمهم هو اللمس يقع بين الأبدان في أي جزء منها من غير تقييد لذلك باليد . وهو قول الإمام الشافعي .

على أن اللمس الذي ينتقض به الوضوء ، موضعه المرأة الأجنبية الكبيرة ، وليس ذات المحرم ولا الصغيرة . أما إن كانت من المحرمات على التأبيد أو من الصغار فلا ينتقض الوضوء بلمسها . وهو قول أكثر أهل العلم . خلافا للحنابلة والظاهرية ؛ إذ قالوا : إذا مس الرجل المرأة ، أو المرأة الرجل بأي عضو مس أحدهما به الآخر فقد انتقض الوضوء سواء كانت المرأة كبيرة أو صغيرة ، أجنبية أو ذات محرم كما لو كانت أمه أو بنته أو أخته . أو هي مست أباها أو ابنها . وقد استدلوا لذلك بعموم قوله تعالى : ( أو لا مستم النساء ) فهو لم يفرق بين امرأة وأخرى .

والراجح عندي من بين هذه الأقوال جميعا هو ما ذهب إليه الإمام مالك . وتوجيه ذلك أن المقصود بالملامسة إنما هو اللمس أو التقبيل ولا يكون ذلك إلا عن شهوة ولا معنى للتقبيل من غير شهوة مادامت المرأة أجنبية . ثم لا يكون المقصود بالملامسة الجماع وهو ما يؤدي إلى الجنابة ؛ لأن الآية قد تحدثت قبل ذلك عن الجنب فلا معنى للتكرار{[761]} .

قوله : ( فتيمموا ) التيمم في اللغة معناه القصد . تيممت الشيء أي قصدته{[762]} .

وفي قوله تعالى : ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) أي لا تقصدوا المال الرديء لتنفقوا منه . أما في الشرع فهو مسح الوجه واليدين بالتراب عند تعذر استعمال الماء لاستباحة بعض العبادات كالصلاة ومس القرآن . والملاحظ أن المعنى اللغوي للتيمم قد تحول بسبب كثرة الاستعمال إلى المعنى الشرعي .

والتيمم يلزم كل مكلف بالصلاة عند انعدام الماء أو تعذر استعماله إذا دخل وقت الصلاة . وأجمع العلماء على أن من تيمم ثم وجد الماء قبل الدخول في الصلاة فقد بطل تيممه وعليه أن يستعمل الماء . أما من تيمم وصلى فإن صلاته تامة ولا تجب عليه إعادة .

قوله : ( صعيدا طيبا ) الصعيد معناه التراب الطاهر الذي على وجه الأرض ، سمي بذلك ؛ لأنه نهاية ما يصعد إليه من الأرض وجمعه صعدات{[763]} .

وقد اختلف الفقهاء في تحديد الصعيد ؛ وذلك بسبب تقييده بالطيّب . فما هو الطيب ؟ ثمة قول بأنه الطاهر وبذلك يجوز التيمم بالرمل والحجارة والمعدن ؛ لأن ذلك من جنس التراب باعتباره طاهرا وهو مذهب مالك وأبي حنيفة . وزاد أبو حنيفة فقال : يجوز التيمم بكل ما يتولد من الأرض من الحجارة مثل الزرنيخ والجص والطين والرخام .

وفي قول آخر بأن الطيب يعني التراب المنبت فالذي لا ينبت لا يسمى طيّبا وعلى هذا فإنه لا يجوز التيمم بغير التراب الخالص وهو المنبت ذو الغبار . وهو قول الشافعي وأحمد ، والإمام أحمد يعتبر جواز التيمم بوجود التراب ولو كان غبارا . وعلى هذا لو ضرب يده على صخرة أو حيوان أو حائط أو ثوب أو أي شيء فصار على يديه بذلك غبار جاز له التيمم به . وإذا لم يكن فيه غبار فلا يجوز .

قوله : ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا ) المراد بالمسح هو إمرار اليد على الممسوح . واختلفوا في اشتراط نقل جزء من التراب إلى العضو محل التيمم . فقد اشترط الإمام الشافعي ذلك استنادا إلى قوله تعالى في آية أخرى ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ) وقوله : ( منه ) يفيد نقل جزء من التراب . وخالف مالك في ذلك وذهب إلى عدم اشتراط نقل التراب استنادا إلى أن النبي ( ص ) لما وضع يديه على الأرض للتيمم ورفعهما نفخ فيهما ، وفي رواية أخرى نفضهما .

وثمة مسألة أخرى وهي : هل يكفي في التيمم ضربة واحدة أم لا ؟ فقد ذهب الأئمة مالك والشافعي وأبو حنيفة والثوري والليث إلى أن التيمم لا بد فيه من ضربتين إحداهما للوجه والاخرى لليدين الى المرفقين قياسا على الوضوء وذهب الامام احمد بن حنبل وأهل الظاهر إلى أنه يكفي فيه ضربة واحدة ، واحتجوا لذلك بما رواه الشيخان عن عمار قال : بعثني النبي ( ص ) في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة . ثم أتيت النبي ( ص ) فذكرت ذلك له فقال : " إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا " ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة . ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه{[764]} .

( إن الله كان عفوا غفورا ) الله سبحانه كان وما زال عفوا غفورا . والعفو هو المحو . والمغفرة تعني الستر والتغطية . فالله جلّت قدرته بفضله ومنّه وكرمه يمحو الخطايا والذنوب التي يقارفها المسيء ويسترها فلا يظهر عليها أحدا من خلقه .


[751]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 101 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 500.
[752]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 500.
[753]:- مختار الصحاح ص 306.
[754]:- مختار الصحاح ص 189.
[755]:- القرطبي جـ 5 ص 203 وفتح القدير جـ1 ص 468 والطبري جـ 4 ص 62.
[756]:- المصباح المنير جـ 1 ص 120..
[757]:- مغني المحتاج للشربيني جـ 1 ص 72 والمغني جـ 1 ص 144 وأسهل المدارك جـ 1 ص 112.
[758]:- المحلى لابن حزم جـ 1 ص 77-79.
[759]:- تفسير القرطبي جـ 5 ص 211 وبداية المجتهد جـ 1 ص 39.
[760]:- تفسير الطبري جـ 4 ص 65 وفتح القدير ج 1 ص 469-، 470 وبداية المجتهد جـ 1 ص 57.
[761]:- المغني جـ 1 ص 192-195 وبداية المجتهد جـ 1 ص 33 والمحلى لابن حزم جـ 1 ص 244 وتفسير القرطبي جـ 5 ص 223-225.
[762]:- مختار الصحاح ص 744.
[763]:- مختار الصحاح ص 363 والمصباح المنير جـ 1 ص 364.
[764]:- بداية المجتهد جـ 1 ص 60 وتفسير القرطبي جـ 5 ص 236- 240 وتفسير الرازي جـ 10 ص 117 والمغني جـ 1 ص 244-249.