قوله تعالى : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وجابر رضي الله عنهم أن المشركين لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى الظهر يصلون جماعة ندموا ألا كانوا أكبوا عليهم ، فقال بعضهم لبعض : دعوهم فإن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم ، يعني صلاة العصر ، فإذا قاموا فيها فشدوا عليهم فاقتلوهم ، فنزل جبريل عليه السلام فقال : يا محمد ، إنها صلاة الخوف ، وإن الله عز وجل يقول : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } فعلمه صلاة الخوف . وجملته : أن العدو إذا كانوا في معسكرهم في غير ناحية القبلة ، فيجعل الإمام القوم فرقتين ، فتقف طائفة وجاه العدو تحرسهم ، ويشرع الإمام مع طائفة في الصلاة ، فإذا صلى بهم ركعة قام وثبت قائماً ، حتى أتموا صلاتهم وذهبوا إلى وجاه العدو ، ثم أتت الطائفة الثانية فصلى بهم الركعة الثانية ، وثبت جالساً حتى أتموا لأنفسهم الصلاة ، ثم يسلم بهم ، وهذه رواية سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك بذات الرقاع . وإليه ذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، أنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك عن يزيد بن رومان ، عن صالح بن خوات ، عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف ، أن طائفة صفت معه ، وصفت طائفة وجاه العدو ، فصلى بالتي معه ركعة ، ثم ثبت قائماً فأتموا لأنفسهم ، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو ، وجاءت الطائفة الأخرى ، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ، ثم ثبت جالساً ، وأتموا لأنفسهم ، ثم سلم بهم . قال مالك : وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف .
وأخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا مسدد ، أنا يحيى ، عن شعبة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن صالح بن خوات ، عن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا . وذهب قوم إلى أن الإمام إذا قام إلى الركعة الثانية تذهب الطائفة الأولى في خلال الصلاة إلى وجاه العدو ، وتأتي الطائفة الثانية فيصلي به الركعة الثانية ، ويسلم وهم لا يسلمون بل يذهبون إلى وجاه العدو ، وتعود الطائفة الأولى فتتم صلاتها ، ثم تعود الطائفة الثانية فتتم صلاتها .
وهذه رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك . وهو قول أصحاب الرأي .
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي ، أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، أنا أبو عيسى الترمذي ، أنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، أنا يزيد بن زريع ، أنا معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة ، والطائفة الأخرى مواجهة العدو ، ثم انصرفوا فقاموا في مقام أولئك ، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة أخرى ، ثم سلم بهم فقام هؤلاء فصلوا ركعتهم . وكلتا الروايتين صحيحة ، فذهب قوم إلى أن هذا من الاختلاف المباح ، وذهب الشافعي رضي الله عنه إلى حديث سهل بن أبي حثمة لأنه أشد موافقة لظاهر القرآن ، وأحوط للصلاة ، وأبلغ في حراسة العدو ، وذلك لأن الله تعالى قال : { فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم } أي : إذا صلوا ، ثم قال : { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا } ، وهذا يدل على أن الطائفة الأولى قد صلوا ، وقال : { فليصلوا معك } ومقتضاه أن يصلوا تمام الصلاة ، فظاهره يدل على أن كل طائفة تفارق الإمام بعد تمام الصلاة ، والاحتياط لأمر الصلاة ؛ من حيث إنه لا يكثر فيها العمل ، والذهاب ، والمجيء ، والاحتياط لأمر الحرب من حيث إنهم إذ لم يكونوا في الصلاة كان أمكن للحرب ، والهرب ، إن احتاجوا إليه . ولو صلى الإمام أربع ركعات بكل طائفة ركعتين جاز .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسين الإسفرايني ، أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ قال : أنا الصاغاني ، أنا عفان بن مسلم ، ثنا أبان العطار ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن جابر بن عبد الله قال : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع ، وكنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بشجرة ، فأخذ سيف نبي الله صلى الله عليه وسلم فاخترطه ، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أتخافني ؟ قال : لا . قال : فمن يمنعك مني ؟ قال : الله يمنعني منك ، قال : فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فأغمد السيف وعلقه ، فنودي بالصلاة ، قال : فصلى بطائفة ركعتين ، ثم تأخروا فصلى بالطائفة الأخرى ركعتين ، قال : فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات ، وللقوم ركعتان .
أخبرنا عبد الوهاب بن الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، اخبرني الثقة بن علية أو غيره ، عن يونس ، عن الحسن ، عن جابر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالناس صلاة الظهر في الخوف ، ببطن نخل ، فصلى بطائفة ركعتين ثم سلم ، ثم جاءت طائفة أخرى فصلى بهم ركعتين ثم سلم .
وروي عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف أنه صلى بهؤلاء ركعة ، وبهؤلاء ركعة ، ولم يقضوا .
ورواه زيد بن ثابت وقال : كانت للقوم ركعة واحدة ، وللنبي صلى الله عليه وسلم ركعتان . وتأوله قوم على صلاة شدة الخوف ، وقالوا : الفرض في هذه الحالة ركعة واحدة ، وأكثر أهل العلم على أن الخوف لا ينقص عدد الركعات ، وإن كان العدو في ناحية القبلة ، في مستوى إن حملوا عليهم رأوهم ، صلى الإمام بهم جميعاً وحرسوا في السجود ، كما أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أنا أبو نعيم الإسفرايني ، أنا أبو عوانة الحافظ ، أنا عمار ، أنا زيد بن هارون ، أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، عن جابر رضي الله عنهما قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ، فصففنا خلفه صفين ، والعدو بيننا وبين القبلة ، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعاً ، ثم ركع وركعنا جميعاً ، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً ، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى ، فقام الصف المؤخر في نحر العدو ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود ، ثم قاموا ، ثم تقدم الصف المؤخر ، وتأخر المقدم ، ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعاً ، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً ، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى ، وقام الصف المؤخر في نحر العدو ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا ، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعاً ، قال جابر رضي الله عنه : كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم .
واعلم أن صلاة الخوف جائزة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم . عند عامة أهل العلم . ويحكي عن بعضهم عدم الجواز ، ولا وجه له . وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه : كل حديث روي في أبواب صلاة الخوف بالعمل به جائز . روي فيها ستة أوجه ، أو سبعة أوجه . وقال مجاهد في سبب نزول هذه الآية عن ابن عياش الزرقي قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان ، وعلى المشركين خالد بن الوليد ، فصلينا الظهر ، فقال المشركون : لقد أصبنا غرة ، لو حملنا عليهم ، وهم في الصلاة ، فنزلت الآية بين الظهر والعصر .
قوله تعالى : { وإذا كنت فيهم } أي : شهيداً معهم .
قوله تعالى : { فأقمت لهم الصلاة }
قوله تعالى : { فلتقم طائفة منهم معك } ، أي : فلتقف ، كقوله تعالى : { وإذا أظلم عليهم قاموا } [ البقرة :20 ] أي : وقفوا .
قوله تعالى : { وليأخذوا أسلحتهم } . واختلفوا في الذين يأخذون أسلحتهم ، فقال بعضهم : أراد هؤلاء الذين وقفوا مع الإمام يصلون ، يأخذون الأسلحة في الصلاة ، فعلى هذا إنما يأخذه إذا كان لا يشغله عن الصلاة ، ولا يؤذي من بجنبه ، فإذا شغلته حركته وثقلته عن الصلاة كالجعبة ، والترس الكبير ، أو كان يؤذي من بجنبه كالرمح ، فلا يأخذه . وقيل : ( وليأخذوا أسلحتهم ) أي : الباقون الذين قاموا في وجه العدو .
قوله تعالى : { فإذا سجدوا } ، أي : صلوا .
قوله تعالى : { فليكونوا من ورائكم } . يريد مكان الذين هم وجاه العدو .
قوله تعالى : { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا } ، وهم الذين كانوا في وجه العدو .
قوله تعالى : { فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } ، قيل : هؤلاء الذين أتوا ، وقيل : هم الذين صلوا .
قوله تعالى : { ود الذين كفروا } ، يتمنى الكفار .
قوله تعالى : { لو تغفلون } أي : لو وجدوكم غافلين .
قوله تعالى : { عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة } ، فيقصدونكم ويحملون عليكم حملةً واحدة .
قوله تعالى : { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم } ، رخص في وضع السلاح في حال المطر ، والمرض ، لأن السلاح يثقل حمله في هاتين الحالتين .
قوله تعالى : { وخذوا حذركم } ، أي : راقبوا العدو كيلا يتغفلوكم ، والحذر ما يتقى به من العدو ، وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنه غزا محارباً ، وبني أنمار ، فنزلوا لا يرون من العدو أحداً ، فوضع الناس أسلحتهم ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة له قد وضع سلاحه حتى قطع الوادي والسماء ترش ، فحال الوادي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه ، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة ، فبصر به غورث بن الحارث المحاربي ، فقال : قتلني الله إن لم أقتله ، ثم انحدر من الجبل ومعه السيف فلم يشعر به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سله من غمده ، فقال : يا محمد : من يعصمك مني الآن ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله ، ثم قال : اللهم اكفني غورث بن الحارث بما شئت ، ثم أهوى بالسيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضربه فانكب لوجهه من زلخة زلخها من بين كتفيه ، وندر سيفه ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه ، ثم قال : يا غورث ، من يمنعك مني الآن ؟ قال : لا أحد ، قال : تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأعطيك سيفك ؟ قال : لا ، ولكن أشهد أن لا أقاتلك أبداً ، ولا أعين عليك عدواً ، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ، فقال غورث : والله لأنت خير مني ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :أجل أنا أحق بذلك منك ، فرجع غورث إلى أصحابه فقالوا : ويلك ما منعك منه ؟ قال : لقد أهويت إليه بالسيف لأضربه ، فو الله ما أدري من زلخني بين كتفي ، فخررت لوجهي ، وذكر حاله ، قال : وسكن الوادي ، فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الوادي إلى أصحابه ، فأخبرهم الخبر ، وقرأ عليهم هذه الآية : { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم } أي : من عدوكم . وقال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في هذه الآية كان عبد الرحمن بن عوف جريحاً .
قوله تعالى : { إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً } ، يهانون فيه . والجناح : الإثم ، من جنحت : إذا عدلت عن القصد .
ولما أتم سبحانه وتعالى بيان القصر في الكمية مقروناً بالخوف لما ذكر ، وكان حضور النبي صلى الله عليه وسلم مظنة الأمن بالتأييد بالملائكة ووعد العصمة من الناس ، وما شهر به من الشجاعة ونصر به من{[22495]} الرعب وغير ذلك من الأمور القاضية بأن له العاقبة ؛ بيَّن سبحانه وتعالى حال الصلاة في الكيفية عند الخوف ، وأن صلاة الخوف تفعل عند الأنس بحضرته كما تفعل عند الاستيحاش{[22496]} بغيبته صلى الله عليه وسلم ، فجوازها لقوم ليس هو صلى الله عليه وسلم فيهم مفهوم موافقة ، فقال سبحانه وتعالى : { وإذا كنت } حال الخوف الذي تقدم فرضه { فيهم } أي في أصحابك سواء كان ذلك في السفر أو في الحضر { فأقمت } أي ابتدأت وأوجدت { لهم الصلاة } أي الكاملة وهي المفروضة { فلتقم طائفة منهم معك } أي في الصلاة ولتقم الطائفة الأخرى وجاه العدو ، ويطوفون في كل موضع يمكن أن يأتي منه العدو { وليأخذوا } أي المصلون لأنهم المحتاجون إلى هذا الأمر لدخولهم في حالة هي بترك السلاح أجدر{[22497]} { أسلحتهم } كما يأخذها من هو خارج الصلاة ، وسبب الأمر بصلاة الخوف - كما في صحيح مسلم وغيره عن جابر رضي الله تعالى عنه{[22498]} " أنهم غزوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقاتلوا قوماً من جهينة فقاتلوا قتالاً شديداً ، قال جابر رضي الله تعالى عنه : فلما صلينا الظهر قال المشركون : لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم{[22499]} ، فأخبر جبرئيل عليه الصلاة والسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، فذكر ذلك لنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، قال : وقالوا{[22500]} : إنه{[22501]} ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد{[22502]} فلما حضرت العصر صفنا صفين والمشركون بيننا وبين القبلة " الحديث { فإذا سجدوا } يمكن أن يكون المراد بالسجود ظاهره ، فيكون الضمير في { فليكونوا } للجمع الذين{[22503]} منهم هذه الطائفة - المذكورين بطريق الإضمار في قوله { وإذا كنت فيهم } وفي { فلتقم طائفة منهم } أي فإذا سجد{[22504]} الذين قاموا معك في الصلاة فليكن المحدث عنهم وهم الباقون الذين أنت فيهم وهذه الطائفة منهم { من ورائكم } فإذا أتمت هذه الطائفة صلاتها فلتذهب إلى الحراسة { ولتأت طائفة أخرى } أي من الجماعة { لم يصلوا فليصلوا معك } كما صلت الطائفة الأولى ، فإن كانت الصلاة ثنائية ولم تصل بكل طائفة جميع الصلاة فلتسلم بالطائفة الثانية ، وإن كانت رباعية ولم تصل بكل فرقة جميع الصلاة فلتتم{[22505]} صلاتها ، ولتذهب إلى وجاه العدو ولتأت طائفة أخرى - هكذا حتى تتم الصلاة ؛ ويمكن أن يكون المراد بالسجود{[22506]} الصلاة - من إطلاق اسم الجزء على الكل ، فكأنه قال : فإذا صلوا ، أي أتموا صلاتهم - على ما مضت الإشارة إليه ، والضمير حينئذ في " فليكونوا " للطائفة الساجدة ، وقوله : { وليأخذوا } يمكن أن يكون{[22507]} ضميره للكل ، لئلا يتوهم أن الأمر بذلك يختص بالمصلي ، لأن غيره لا عائق له عن الأخذ متى شاء ، أو ولتأخذ جميع الطوائف الحارسون والمصلون { حذرهم وأسلحتهم } في حال صلاتهم وحراستهم وإتيانهم إلى الصلاة وانصرافهم منها ، فجعل الحذر الذي هو التيقظ{[22508]} والتحرز بإقبال الفكر على ما يمنع كيد العدو كالآلة المحسوسة ، وخص في استعماله في الصلاة {[22509]}في شأن العدو وخص آخر الصلاة{[22510]} بزيادة لاحذر إشارة إلى أن العدو في أول الصلاة قلما يفطنون لكونهم في الصلاة بخلاف الآخر ، فلهذا خص بمزيد الحذر ، وهذا الكلام على{[22511]} وجازته محتمل{[22512]} - كما ترى - لجميع الكيفيات المذكورة{[22513]} في الفقه لصلاة الخوف إذا لم يكن العدو في وجه{[22514]} القبلة على أنها تحتمل التنزيل على ما إذا كان في وجه القبلة بأن يحمل الواء على ما واراه{[22515]} السجود عنكم وإتيان الطائفة الأخرى على الإقبال على المتابعة للامام في الأفعال { ولم يصلوا } أي بقيد المتابعة له فيها - والله سبحانه وتعالى الهادي .
وما أحسن اتصال ذلك بأول آيات الجهاد في هذه السورة
{ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم }[ النساء : 71 ] فهو{[22516]} من رد المقطع على المطلع ، ثم علل أمره بهذه الكيفية على هذا الاحتياط والحزم بقوله مقوياً لترغيبهم في ذلك بإقبال الخطاب عليهم : { ودَّ } أي تمنى تمنياً عظيماً { الذين كفروا } أي باشروا الكفر وقتاً ما ، فكيف بمن هو غريق فيه { لو تغفلون } أي {[22517]}تقع لكم{[22518]} غفلة في وقت ما { عن أسلحتكم } .
ولما كانت القوة بالآلات{[22519]} مرهبة للعدو ومنكبة قال : { وأمتعتكم } ولما كانت الغفلة ضعفاً ظاهراً ، تسبب{[22520]} عنها قوله : { فيميلون } وأشار إلى العلو والغلبة بقوله{[22521]} : { عليكم } وأشار إلى سرعة الأخذن بقوله : { ميلة } وأكده بقوله : { واحدة } .
ولما كان الله - وله المنّ - قد رفع عن هذه الأمة الحرج ، وكان{[22522]} المطر والمرض شاقين قال : { ولا جناح } أي حرج { عليكم إن كان بكم أذى } أي وإن كان يسيراً { من مطر } أي لأن حمل السلاح حينئذ يكون سبباً لبلّه { أو كنتم مرضى } أي متصفين بالمرض وكأن التعبير بالوصف إشارة إلى أن أدنى شيء منه لا يرخص { أن تضعوا أسلحتكم } أي لأن حملها يزيد المريض وهنا .
ولما خفف ما أوجبه أولاً من أخذ السلاح برفع الجناح في حال العذر ، فكان التقدير : فضعوه إن شئتم ؛ عطف عليه بصيغة الأمر إشارة إلى وجوب الحذر منهم في كل حال قوله : { وخذوا حذركم } أي في كل حالة ، فإن ذلك نفع لا يتوقع منه ضرر ؛ ثم علل ذلك بما بشر فيه بالنصر تشجيعاً للمؤمنين ، وإعلاماً بأن الأمر بالحزم{[22523]} إنما هو للجري{[22524]} على ما رسمه من الحكمة في قوله - ربط المسببات بالأسباب ، فهو من باب{[22525]} " اعقلها وتوكل{[22526]} " فقال : { إن الله } المحيط علماً وقدرة { أعدَّ } أي في الأزل{[22527]} { للكافرين } أي الدائمين{[22528]} على الكفر ، لا من اتصف به وقتاً ما وتاب منه { عذاباً مهيناً * } أي يهينهم{[22529]} به ، من أعظمه حذركم الذي لا يدع لهم عليكم مقدماً ، ولا تمكنهم معه منكم فرصة .