قوله تعالى : { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } الآية .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، ثنا عبد العزيز بن عبد الله ، ثنا إبراهيم بن سعد الزهري ، حدثني صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه انه قال : رأيت مروان بن الحكم جالساً في المسجد ، فأقبلت حتى جلست إلى جنبه ، فأخبرنا أن زيد بن ثابت رضي الله عنه أخبره ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ) قال : فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها علي ، فقال : يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت ، وكان رجلاً أعمى ، فأنزل الله تعالى عليه ، وفخذه على فخذي ، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي ، ثم سري عنه ، فأنزل الله .
قوله تعالى : { غير أولي الضرر } . فهذه الآية في الجهاد والحث عليه ، فقال : { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } عن الجهاد { غير أولي الضرر } ، قرأ أهل المدينة وابن عامر والكسائي بنصب الراء ، أي : إلا أولي الضرر ، وقرا الآخرون برفع الراء ، على نعت القاعدين ، يريد : لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر ، أي : غير أولي الزمانة ، والضعف في البدن ، والبصر .
قوله تعالى : { والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم } ، أي ليس المؤمنون القاعدون عن الجهاد من غير عذر ، والمؤمنون والمجاهدون سواء غير أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين ، لأن العذر أقعدهم .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، أنا حاجب بن أحمد الطوسي ، أنا عبد الرحيم بن منيب ، أنا يزيد بن هارون ، أخبرنا حميد الطويل عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك ، فدنا من المدينة قال : إن في المدينة لأقواماً ما سرتم من مسير ، ولا قطعتم من واد ، إلا كانوا معكم فيه ، قالوا : يا رسول الله وهم بالمدينة ؟ قال : نعم . وهم بالمدينة حبسهم العذر .
وروى القاسم عن ابن عباس قال : { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } عن بدر ، والخارجون إلى بدر .
قوله تعالى : { فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة } . أي : فضيلة . وقيل : أراد بالقاعدين هاهنا أولي الضرر ، فضل الله المجاهدين عليهم درجةً لأن المجاهد باشر الجهاد مع النية ، وأولو الضرر كانت لهم نية ، ولكنهم لم يباشروا ، فنزلوا عنهم بدرجة .
قوله تعالى : { وكلاً وعد الله الحسنى } يعني الجنة ، بإيمانهم . وقال مقاتل : يعني المجاهد والقاعد المعذور .
قوله تعالى : { وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً } ، يعني : على القاعدين من غير عذر .
ولما ناسبت هذه الآية ما قبلها من آية القتل العمد ، والتفتت إلى{ وحرض المؤمنين }[ النساء : 84 ] وإلى آية التحية ، فاشتد{[22385]} اعتناقها لهما ، وعلم بها أن في الضرب في سبيل الله هذا الخطر ، فكان ربما فتر عنه ؛ بين فضله لمن كأنه قال : فحينئذ نقعد عن الجهاد لنسلم ، بقوله : { لا يستوي القاعدون } أي عن الجهاد حال كونهم{[22386]} { من المؤمنين } أي الغريقين في الإيمان ، ليفيد التصريح بتفضيل المؤمن{[22387]} المجاهد على المؤمن{[22388]} القاعد لئلا يخصه أحد بالكافر الجاحد .
ولما كان من الناس من عذره سبحانه وتعالى برحمته استثناهم{[22389]} ، فقال واصفاً للقاعدين{[22390]} أو مستثنياً منهم : { غير أولي الضرر } أي{[22391]} المانع أو العائق عن الجهاد في سبيل الله من عوج أو مرض أو عمى ونحوه ، وبهذا بان أن{[22392]} الكلام في المهاجرين ؛
وفي البخاري في التفسير عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه { لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله } فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها عليّ{[22393]} فقال : يا رسول الله ! والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت - وكان أعمى ؛ فأنزل الله عز وجل على رسوله وفخذه على فخذي فثقلت عليّ حتى خفت أن ترض فخذي ، ثم سرى عنه فأنزل الله { غير أولي الضرر } " وأخرجه في فضائل القرآن عن البراء رضي الله تعالى عنه قال : " لما نزلت { لا يستوي القاعدون } - الآية ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ادع لي{[22394]} زيداً وليجىء باللوح{[22395]} والدواة والكتف{[22396]} ؛ ثم قال : اكتب - فذكره " وحديث زيد أخرجه أيضاً أبو داود والترمذي والنسائي ، وفي رواية أبي داود : قال : " كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة فوقعت فخذ{[22397]} رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي{[22398]} ، فما وجدت شيئاً{[22399]} أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم سرى عنه فقال لي{[22400]} : اكتب ، فكتبت في كتف { لا يستوي القاعدون } إلى آخرها ؛ فقام ابن أم مكتوم - وكان رجلاً أعمى - لما سمع فضيلة المجاهدين فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين ؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة ، فوقعت فخذه على فخذي ، ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى ، فسرى{[22401]} عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اقرأ يا زيد ! فقرأت { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { غير أولي الضرر } - الآية كلها ، قال زيد : أنزلها{[22402]} الله وحدها فألحقتها{[22403]} والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في{[22404]} كتف " ورواه أبو بكر ابن أبي شيبة وأبو يعلى الموصلي وفيه : " إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه دام بصره مفتوحة عيناه ، وفرغ{[22405]} سمعه وقلبه لما يأتيه من الله عز وجل " .
ولما ذكر القاعد أتبعه قسيمه المجاهد بقوله{[22406]} : { والمجاهدون في سبيل الله } أي دين الملك الأعظم الذي من{[22407]} سلكه وصل إلى رحمته { بأموالهم وأنفسهم } ولما كان نفي المساواة{[22408]} سبباً لترقب كل من الحزبين الأفضلية{[22409]} ، لأن القاعد وإن فاته الجهاد فقد تخلف الغازي في أهله ، إذ يحيي الدين بالاشتغال{[22410]} بالعلم ونحوه ؛ قال متسأنفاً : { فضل الله } أي الذي له صفات الكمال { المجاهدين } ولما كان المال في أول الأمر ضيقاً قال مقدماً للمال : { بأموالهم وأنفسهم } أي جهاداً كائناً بالفعل { على القاعدين } أي عن ذلك وهم متمكنون منه بكونهم في دار الهجرة { درجة } أي واحدة كاملة لأنهم لم يفوقوهم{[22411]} بغيرها ، و{[22412]}في البخاري{[22413]} في المغازي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : " لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر والخارجون إلى بدر " .
ولما شرك{[22414]} بين المجاهدين والقاعدين بقوله : { وكلاً } أي من الصنفين { وعد الله } أي المحيط بالجلال والإكرام أجراً على إيمانهم { الحسنى } بين أن القاعد المشارك إنما هو الذي يه قوة الجهاد القريبة من الفعل ، وهو التمكن{[22415]} من تنفيذ الأمر بسبب هجرته لأرض{[22416]} الحرب وكونه بين أهل الإيمان ، وأما القاعد عن{[22417]} الهجرة مع التمكن{[22418]} فليس بمشارك في ذلك ، بل هو ظالم لنفسه فإنه ليس متمكناً من تنفيذ الأوامر فلا هو مجاهد بالفعل ولا بالقوة القريبة منه ، فقال : { وفضل الله } أي الملك الذي لا كفوء له فلا يجبر عليه { المجاهدين } أي بالفعل مطلقاً بالنفس أو المال { على القاعدين } أي عن الأسباب الممكنة من الجهاد ومن{[22419]} الهجرة { أجراً عظيماً * }