معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{۞وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (61)

قوله تعالى : { وإن جنحوا للسلم } ، أي : مالوا إلى الصلح .

قوله تعالى : { فاجنح لها } ، أي : مل إليها وصالحهم ، روي عن قتادة والحسن : أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم }

قوله تعالى : { وتوكل على الله } ثق بالله .

قوله تعالى : { إنه هو السميع العليم } .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{۞وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (61)

ثم أمر - تعالى - رسوله - صلى الله عليه - بقبول السلم والمصالحة ، إذا ما رغب أعداؤه في ذلك ، وكانت ظواهرهم وأفعالهم تدل على صدق نواياهم فقال - تعالى - : { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ . . . عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .

قوله { جَنَحُواْ } من الجنوح بمعنى الميل ، يقال : جنح فلان للشئ وإليه - يجنح - مثلث النون - جنوحاً . أى : مال إليه .

قال القرطبى : والجنح : الميل . وجنح الرجل إلى الآخر : مال إليه . ومنه قيل للأضلاع جوانح ، لأنها مالت على الحشوة - بضم الحاء وكسرها - أى : الأمعاء .

وجنحت الإِبل : إذا مالت أعناقها في السير قال ذو الرمة :

إذا مات فوق الرحل أحييت روحه . . . بذكراك والعيس المراسيل جنح

وقرأ الأعمش وأبو بكر وابن محيص " للسلم " - بكسر السين - وقرأ الباقون بالفتح . وإنما قال { لَهَا } لأن السلم مؤنثة - تأنيث نقيضها وهى الحرب . . ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة .

والمعنى : عليك - أيها الرسول الكريم - أن تنكل في الحرب بأولئك الكافرين الناقضين لعهودهم في كل مرة ، وأن تهيئ ما استطعت من قوة لإِرهابهم فإن مالوا بعد ذلك إلى { لِلسَّلْمِ } أى : المسالمة والمصالحة فوافقهم ومل إليها ما دامت المصلحة في هذه المسالمة .

وقوله { وَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّهُ هُوَ السميع العليم } معطوف على { فاجنح لَهَا } لقصد التثبيت وبعث الطمأنينة في قلبه .

أى : اقبل المسالمة ما دام فيها مصلحتك ، وفوض أمرك إلى الله - تعالى - ولا تخش مكرهم وكيدهم وغدرهم ، إنه - سبحانه - { هُوَ السميع } لأقوالهم { العليم } بأحوالهم ، فيجازيهم بما يستحقون ، ويرد كيدهم في نحورهم .

وعبر - سبحانه - عن جنوحهم إلى السلم بحرف { إِن } الذي يعبر به عن الشئ المشكوك في وقوعه ، للإِشارة إلى أنهم ليسوا أهلاً لاختيار المسالمة أو المصالحة لذاتها ، وإنما هم جنحوا إليها لحاجة في نفوسهم ، فعلى المؤمنين أن يكونوا دائماً على حذر منهم ، وألا يأمنوا مكرهم .

هذا وقد اختلف العلماء فيمن عنى بهذه الآية ، فمنهم من يرى أن المعنى بها أهل الكتاب ، ومنهم من يرى أن الآية عامة ، أي تشمل أهل الكتاب والمشركين . ثم اختلفوا بعد ذلك في كونها منسوخة أولاً ؟

وقد حكى ابن جرير معظم هذه الخلافات ورجح أن المقصود بهذه الآية جماعة من أهل الكتاب ، وأن الآية ليست منسوخة فقال ما ملخصه :

عن قتادة أن قوله { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا } منسوخة بقوله في سورة براءة { فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } وبقوله { وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً } فقد كانت هذه - أي الآية التي معنا وهى قوله - تعالى - { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ . . . } قبل براءة . كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يوادع القول إلى أجل ، فإما أن يسلموا ، وإما أن يقاتلهم ، ثم نسخ ذلك بعد براءة فقال : { فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } وعن عكرمة والحسن البصرى قالا : { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ . . . } نسختها الآية التي في براءة وهى قوله - تعالى - { قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر }

الآية .

ثم قال ابن جرير : فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن الآية منسوخة ، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل .

لأن قوله { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا . . } إنما عنى به بنو قريظة - كما قال مجاهد - وكانوا يهودا أهل كتاب وقد أذن الله - جل ثناؤه - للمؤمنين بصلح أهل الكتاب ، ومتاركتهم الحرب ، على أخذ الجزية منهم ، وأما قوله : { فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } فإنما عنى به مشركي العرب من عبدة الأوثان ، الذين لا يجوز قبول الجزية منهم ، فليس في إحدى الآتين نفي حكم الأخرى ، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه . .

هذا ما يراه ابن جرير . أما ابن كثير فقد وافقه على أن الآية ليست منسوخة ، وخالفه في أن المقصود بها بنو قريظة ، فهو يرى أن الآية عامة فقد قال - رحمه الله - :

قوله : { وَإِن جَنَحُواْ } أى : مالوا { لِلسَّلْمِ } أي المسالمة والمصالحة والمهادنة { فاجنح لَهَا } أى : فمل إليها واقبل منهم ذلك . ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسع سنين أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر . .

وقال مجاهد : نزلت في بنى قريظة ، وهذا فيه نظر ، لأن السياق كله في موقعه بدر ، وذكرها مكتنف لها كله .

وقال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراسانى وعكرمة والحسن وقتادة : إن الآية منسوخة بآية السيف في براءة ، وهى قوله - تعالى - { قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } وفيه نظر أيضاً ، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك ، فأما إذا كان العدو كثيفاً فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة { وَإِن جَنَحُواْ } وكما فعل النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية ، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص . .

ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن كثير أرجح ، لأن الآية الكريمة تقرر مبدأ عاماً في معاملة الأعداء ، وهو أنه من الجائز مهادنتهم ومسالمتهم ما دام ذلك في مصلحة المسلمين .

ولعل هذا هو ما قصده صاحب الكشاف بقوله عند تفسير الآية - " والصحيح أن الأمر موقوف على ما يرى فيه الإِمام صلاح الإِسلام وأهله من حرب أو سلم . وليس يحتم أن يقاتلوا أبداً . أو يجابوا إلى الهدنة أبداً " .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (61)

قوله تعالى : { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم 61 وإن يريدون أن يخادعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين 62 وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم } .

{ جنحوا } ، من الجنوح وهو الميل{[1685]} والسلم ، بفتح السين . وقيل بالكسر . والسلم والسلام بمعنى المصالحة والمهادنة . والسلم مؤنثة ، لذلك قال : { لها } والمعنى : إن مال الكافرون إلى مسالمتكم ومتاركة الحرب ؛ إما بدخولهم الإسلام ، أو بإعطاء الجزية ، أو بالموادعة ، أو نحو ذلك من أسباب الصلح { فاجنح لها } أي فمل إليها وابذل للكافرين الجانحين ما مالوا إليه من المصالحة .

وقد اختلفوا في نسج هذه الآية ؛ فقد قيل : نسخها قوله : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وقوله أيضا : { وقاتلوا المشركين كافة } وقيل : نسخت سورة براءة كل موادعة حتى يقولوا لا إله إلا الله فيسلموا ، والناسخ هو قوله تعالى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر } إلى قوله : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } . وقتال ابن عباس : الناسخ لهذه الآية هو قوله تعالى : { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم } .

وقيل : ليست هذه الآية منسوخة بل هي محكمة ، والمراد به قبول الجزية من أهل الجزية ، وقد قبلها منهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن عمر ومن بعده من الأئمة ؛ إذ صالحوا كثيرا من أهل العجم على ما أخذوه منهم ، وترموهم وشأنهم من حيث عبادتهم وطقوسهم وشعائرهم الدينية . وصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بعد أن أظفره الله بهم .

على أن المسلمين إن كانت لهم مصلحة في الموادعة والصلح بما يحقق لهم المنفعة ويدفع عنهم ضرر ؛ فلا بأس أن يبادر المسلمون بالمصالحة عند الحاجة ؛ فقد هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عنهم معه . واختلفوا في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة عام الحديبية ، فقد قيل : كانت أربع سنين . وقيل : كانت ثلاثا . وقيل : كانت عشرا . وذهب الإمام الشافعي إلى أنه لا يجوز أن يهادن المسلمون المشركين أكثر من عشر سنوات على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية . وذكر عن الإمام مالك أنه تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث ، وإلى غير مدة .

وإذا حاقت بالمسلمين الخطوب والمخاطر ، واستحوذ عليهم العدو الغادر ، وضاقت بهم الدنيا ، وكانوا قلة ، ورأوا أنه لا حيلة لهم في مواجهة العدو لقوته وضعفهم ؛ جاز لهم حينئذ أن يبدلوا له المال لموادعته ومهانته حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا .

أما المشركين من غير أهل الكتاب فما ينبغي أن يقبل المسلمون منهم غير الإسلام أو القتال ؛ لأن هؤلاء المشركين الذين يقدسون الأوثان ، أو الذين يعتنقون المادية المحضة فلا يعترفون بإلهية ولا دين ، لا جرم أنهم جناة في حق أنفسهم وفي حق عقولهم التي عطلوها تعطيلا . فما كان لهم بذلك أن يستأهلوا من تكريم ؛ فلا تؤخذ منهم جزية ، ولا ينبغي لهم الصلح أو المهادنة إلا الإسلام ؛ لأنه مبعث الهداية والترشيد والخير للإنسانية جمعاء . بخلاف أهل الكتاب ؛ إذ جعل الله لهم بعضا من اعتبار بقبول الجزية منهم وتركهم وما يدينون .

أما المسلمون إذا كانوا كثيرا ، وكانت جموعهم بأعدادها وأجيالها تملأ بقاع الأرض –كحالهم في هذا العصر- فإنه ما ينبغي لهم أن يهادنوا أئمة الظلم والظلمات أو يوادعوهم ما دام هؤلاء الظالمون قد بلغوا على المسلمين ؛ فسلبوا ديارهم وأوطانهم ، وأذلوا شعبوهم وأجيالهم ، واغتصبوا أموالهم وخيرات بلادهم ، وداسوا شرفهم وكراماتهم ، وبدلوا دينهم وثقافتهم وقيمهم تبديلا . إنه لا مساغ البتة –والحال على ما هو عليه من التعس والعار والذلة- أن يهادن المسلمون أعداء الله . بل على المسلمين في كل أنحاء العالم أن يلتئموا جميعا ليكونوا أمة واحدة متآزرة متعاونة ، يشد بعضها بعضا ؛ فيواجهوا بوحدتهم والتئامهم وقوتهم وعقيدتهم عدو الله وعدوهم في حرب حامية مستعرة ، مهما عظم فيها البذل والتضحيات . حتى يكتب الله للمؤمنين العاملين الثابتين النصر ؛ فتخفق راية الإسلام فوق ربوع البلاد وفيها فلسطين والقوقاز وسمرقند وأثيوبيا والأندلس .

قوله : { وتوكل على الله إنه هو السميع العليم } أي فوض الأمر إلى الله ، ليكون لك خير معين ومجير ، ولكي يقويك وينصرك على الأعداء الظالمين إذا عدلوا عن الوفاء بالعهد فنقضوه ، والله جل وعلا عالم بما يخفيه العباد من نوايا ، وسامع لما يصدر عنهم من أقوال سواء في الخير أو الشر والكيد والتآمر ؛ فالله محيط بذلك كله ليجازي الأشرار والمتربصين وأعداء دينه ما ينبغي لهم من سوء الحساب .


[1685]:المصباح المنير جـ 1 ص 121.