معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (89)

قوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } . قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما نزلت : { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } ، قالوا : يا رسول الله ، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه ، فأنزل الله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } .

قوله تعالى : { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } ، قرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر : { عقدتم } بالتخفيف ، وقرأ ابن عامر ( عاقدتم ) بالألف ، وقرأ الآخرون ( عقدتم ) بالتشديد ، أي : وكدتم ، والمراد من الآية قصدتم وتعمدتم .

قوله تعالى : { فكفارته } ، أي : كفارة ما عقدتم الأيمان إذا حنثتم .

قوله تعالى : { إطعام عشرة مساكين } ، واختلفوا في قدره ، فذهب قوم إلى أنه يطعم كل مسكين مداً من الطعام ، بمد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو رطل وثلث من غالب قوت البلد ، وكذلك في جميع الكفارات ، وهو قول زيد بن ثابت ، وابن عمر ، وبه قال سعيد بن المسيب ، والقاسم ، وسليمان بن يسار ، وعطاء ، والحسن ، وقال أهل العراق : لكل مسكين مدان ، وهو نصف صاع ، يروى ذلك عن عمر وعلي رضي الله عنهما . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : إن أطعم من الحنطة فنصف صاع ، وإن أطعم من غيرها فصاع ، وهو قول الشعبي ، والنخعي ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، والحكم ، ولو غداهم وعشاهم لا يجوز . وجوزه أبو حنيفة رضي الله عنه ، ويروى ذلك عن علي رضي الله عنه . ولا تجوز الدراهم والدنانير ، ولا الخبز ولا الدقيق ، بل يجب إخراج الحب إليهم ، وجوز أبو حنيفة رضي الله عنه كل ذلك . ولو صرف الكل إلى مسكين واحد لا يجوز ، وجوز أبو حنيفة أن يصرف طعام عشرة إلى مسكين واحد في عشرة أيام ، ولا يجوز أن يصرف إلا إلى مسلم ، حر ، محتاج ، فإن صرف إلى ذمي أو عبد ، أو غني ، لا يجوز . وجوز أبو حنيفة رضي الله عنه صرفها إلى أهل الذمة . واتفقوا على أن صرف الزكاة إلى أهل الذمة لا يجوز .

قوله تعالى : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } ، أي من خير قوت عيالكم ، وقال عبيدة السلماني : الأوسط الخبز والخل ، والأعلى الخبز واللحم ، والأدنى الخبز البحت ، والكل مجز .

قوله تعالى : { أو كسوتهم } ، كل من لزمته كفارة اليمين فهو فيها مخير إن شاء أطعم عشرة من المساكين ، وإن شاء كساهم ، وإن شاء أعتق رقبة ، فإن اختار الكسوة فاختلفوا في قدرها ، فذهب قوم إلى أنه يكسو كل مسكين ثوباً واحداً مما يقع عليه اسم الكسوة ، إزار أو رداء ، أو قميص أو عمامة ، أو كساء أو نحوها ، وهو قول ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وعطاء ، وطاووس ، وإليه ذهب الشافعي رحمه الله تعالى . وقال مالك : يجب لكل إنسان ما تجوز فيه صلاته ، فيكسو الرجال ثوباً واحداً ، والنساء ثوبين : درعاً وخماراً . وقال سعيد بن المسيب : لكل مسكين ثوبان .

قوله تعالى : { أو تحرير رقبة } ، وإذا اختار العتق يجب إعتاق رقبة مؤمنة ، وكذلك جميع الكفارات ، مثل كفارة القتل ، والظهار ، والجماع في نهار رمضان ، يجب فيها إعتاق رقبة مؤمنة ، وأجاز أبو حنيفة رضي الله عنه والثوري رضي الله عنه إعتاق الرقبة الكافرة في جميعها ، إلا في كفارة القتل ، لأن الله تعالى قيد الرقبة فيها بالإيمان ، قلنا : المطلق يحمل على المقيد ، كما أن الله تعالى قيد الشهادة بالعدالة في موضع فقال : { وأشهدوا ذوي عدل منكم } ، وأطلق في موضع ، فقال : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } [ البقرة :282 ] ، ثم العدالة شرط في جميعها حملاً للمطلق على المقيد ، كذلك هذا ، ولا يجوز إعتاق المرتد بالإنفاق عن الكفارة ، ويشترط أن يكون سليم الرق ، حتى لو أعتق عن كفارته مكاتباً ، أو أم ولد ، أو عبد ، اشترى بشرط العتق ، أو اشترى قريبه الذي يعتق عليه بنية الكفارة يعتق ، ولكن لا يجوز عن الكفارة ، وجوز أصحاب الرأي عتق المكاتب إذا لم يكن أدى شيئاً من النجوم ، وعتق القريب عن الكفارة ، ويشترط أن تكون الرقبة سليمة من كل عيب يضر بالعمل ضرراً بيناً ، حتى لا يجوز مقطوع إحدى اليدين ، أو إحدى الرجلين ، ولا الأعمى ، ولا الزمن ، ولا المجنون المطبق ، ويجوز الأعور ، والأصم ، ومقطوع الأذنين والأنف ، لأن هذه العيوب لا تضر بالعمل ضرراً بيناً ، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه : كل عيب يفوت جنساً من المنفعة يمتنع الجواز ، حتى جوز مقطوع إحدى اليدين ، ولم يجوز مقطوع الأذنين .

قوله تعالى : { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } ، إذا عجز الذي لزمته كفارة اليمين عن الطعام والكسوة ، وتحرير الرقبة ، يجب عليه صوم ثلاثة أيام ، والعجز أن لا يفضل من ماله عن قوته وقوت عياله ، وحاجته ، ما يطعم أو يكسو أو يعتق ، فإنه يصوم ثلاثة أيام . وقال بعضهم : إذا ملك ما يمكنه الإطعام وإن لم يفضل عن كفايته فليس له الصيام ، هو قول الحسن وسعيد بن جبير . واختلفوا في وجوب التتابع في هذا الصوم ، فذهب جماعة إلى أنه لا يجب فيه التتابع ، بل إن شاء تابع وإن شاء فرق ، والتتابع أفضل ، وهو أحد قولي الشافعي ، وذهب قوم إلى أنه يجب فيه التتابع قياساً على كفارة القتل والظهار ، وهو قول الثوري ، وأبي حنيفة ، ويدل عليه قراءة ابن مسعود رضي الله عنه صيام ثلاثة أيام متتابعات .

قوله تعالى : { ذلك } ، أي : ذلك الذي ذكرت .

قوله تعالى : { كفارة أيمانكم إذا حلفتم } ، وحنثتم ، فإن الكفارة لا تجب إلا بعد الحنث . واختلفوا في تقديم الكفارة على الحنث ، فذهب قوم إلى جوازه ، لما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه ، وليفعل الذي هو خير ) . وهو قول عمر ، وابن عباس ، وعائشة رضي الله عنها ، وبه قال الحسن ، وابن سيرين ، وإليه ذهب مالك ، والأوزاعي ، والشافعي ، إلا أن الشافعي يقول : إن كفر بالصوم قبل الحنث لا يجوز ، لأنه بدني ، وإنما يجوز بالإطعام ، أو الكسوة ، أو العتق ، كما يجوز تقديم الزكاة على الحول ، ولا يجوز تعجيل صوم رمضان قبل وقته ، وذهب قوم إلى أنه لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث ، وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه .

قوله تعالى : { واحفظوا أيمانكم } ، قيل : أراد به ترك الحلف ، أي : لا تحلفوا ، وقيل : هو الأصح ، أراد به : إذا حلفتم فلا تحنثوا ، فالمراد منه حفظ اليمين عن الحنث ، هذا إذا لم يكن يمينه على ترك مندوب ، أو فعل مكروه ، فإن حلف على فعل مكروه ، أو ترك مندوب ، فالأفضل أن يحنث نفسه ويكفر .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا حجاج بن منهال ، أنا جرير بن حازم ، عن الحسن ، عن عبد الرحمن بن سمرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا عبد الرحمن بن سمرة ، لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها ، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير ) .

قوله تعالى : { كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون } .

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (89)

{ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } هم قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تعاهدوا أن يحرموا على أنفسهم المطاعم الطيبة وأن يصوموا النهار ويقوموا الليل ويخصوا أنفسهم فأنزل الله تعالى هذه الآية وسمى الخصاء اعتداء فلما نزلت هذه الآية قالوا يا رسول الله إنا كنا قد حلفنا على ذلك فنزلت { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } وفسرنا هذا في سورة البقرة { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } وهو أن يقصد الأمر فيحلف بالله ويعقد عليه اليمين بالقلب متعمدا { فكفارته } إذا حنثتم { إطعام عشرة مساكين } لكل مسكين

90 91 مد وهو رطل وثلث وهو قوله { من أوسط ما تطعمون أهليكم } لأن هذا القدر وسط في الشبع وقيل من خير ما تطعمون أهليكم كالحنطة والتمر { أو كسوتهم } وهو أقل ما يقع عليه اسم الكسوة من إزار ورداء وقميص { أو تحرير رقبة } يعني مؤمنة والمكفر في اليمين مخير بين هذه الثلاث { فمن لم يجد } يعني لم يفضل من قوته وقوت عياله يومه وليلته ما يطعم عشرة مساكين ف عليه { فصيام ثلاثة أيام } { واحفظوا أيمانكم } فلا تحلفوا واحفظوها عن الحنث

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (89)

قوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تشكرون } .

روي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في القوم الذين حرموا طيبات المطاعم والملابس والمناكح على أنفسهم وحلفوا على ذلك ، فلما نزلت { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } قالوا : كيف نصنع بأيماننا ؟ فنزلت هذه الآية{[1043]} .

تتضمن هذه الآية أحكام اليمين . وهي في اللغة بمعنى القوة . ومنه قوله تعالى { لأخذنا منه باليمين } أي بالقوة واليمين مفرد . وجمعه أيمن بالضم وأيمان . واليمين في الشرع : عقد يتقوى به عزم الحالف على الفعل أو الترك{[1044]} ويتبين من الآية أن ضروب اليمين ثلاثة هي : يمين اللغو ، واليمين الغموس ، واليمين المنعقدة . ونعرض لكل واحد من هذه الضروب بإيجاز فإن التفصيل في مظانه من كتب الفقه .

يمين اللغو

اللغو ، أو اللغا ، بوزن الفتى ، هو السقط وما لا يعتد به من كلام وغيره . والمراد به هنا ما يجري في العادة على لسان الحالف من قسم لا يريده ولا يقصد معناه ولم تنعقد عليه النية . كما لو قال : لا والله . أو بلى والله .

وتبين الآية أنه لا إثم على المرء في يمين اللغو . وهو ما يبدر منه بغير قصد كقول الرجل : لا والله . بلى والله . وهو قول الشافعية . قالت السيدة عائشة في ذلك : أيمان اللغو ما كان المراء والمزاحة والهزل ، وروى الموطأ عنها أنها قالت : لغو اليمين قول الإنسان : لا والله . وبلى والله .

أما الحنفية فقالوا : يمين اللغو هي اليمين الكاذبة خطأ أو غلطا في الماضي أو في الحال ، سواء في الإثبات أو النفي . وذلك كأن يقول الرجل : والله ما كلمت فلانا ، وهو يظن أنه لم يكلمه وقد كلمه . أو يقول : والله لقد كلمت فلانا وهو يظن أنه كلمه لكنه في الحقيقة لم يكلمه . أو حلف أن هذا القادم فلان أو أن هذا الطائر غراب وهو يظن أنه كذلك ثم تبين أنه خلاف ما ظن . ومثل هذه الأيمان لغو . وهو مذهب الإمام مالك في المقصود باللغو . فقد ذكر عنه قوله : اللغو في اليمين أن يحلف على الشيء يظن أنه كذلك . كقوله : والله لقد لقيت فلانا أمس ، وذلك يقينه . وإنما لقيه قبل ذلك أو بعده فلا شيء عليه في ذلك لكونه لغوا ، واستدلوا لذلك بالآية { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } فقد قابل يمين اللغو باليمين المقصودة وفرق بينهما في المؤاخذة وفي نفيها . ومقتضى ذلك أن تكون يمين اللغو غير اليمين المعقودة تحقيقا للمقابلة{[1045]} .

يمين الغموس

هي اليمين الكاذبة قصدا في الماضي والحال نفيا أو إثباتا . كقوله : والله ما فعلت كذا ، وهو يعلم أنه فعله . أو يقول : والله لقد فعلت كذا ، وهو يعلم أنه لم يفعله .

وسميت يمين الغموس بهذا الإسم ، لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو النار . فهي بذلك فاجرة وضرب من ضروب الزور ، أو الازوار ، أي العدول والانحراف عن الحق والصدق . وبذلك فإن اليمين الغموس واحدة من أكبر الكبائر التي حذر منها الدين وشدد عليها النكير وندد بها تنديدا .

فقد أخرج الترمذي عن عبد الله بن أنيس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أكبر الكبائر : الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس . والذي نفسي بيده لا يحلف رجل على مثل جناح بعوضة إلا كانت كيا في قلبه يوم القيامة " وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع " .

وأضاف الإمام مالك إلى يمين الغموس ما لو حلف وهو غير متيقن مما حلف عليه . وذلك كأن يقول : والله ما لقيت فلانا أمس ، وهو لا يقين له في ذلك . أو لا يعرف حين الحلف أنه لقيه أمس أو لم يلقه . ثم تبين له بعد ذلك أنه خلاف ما أقسم عليه . فإن ذلك كمن حلف عامدا للكذب . وعليه أن يستغفر الله ، لأن هذه اليمين أعظم من أن يكون لها كفارة{[1046]} .

أما الكفارة في اليمين الغموس ففي وجوبها قولان :

أحدهما : عدم وجوب الكفارة في اليمين الغموس . وهو قول أكثر أهل العلم . وقد ذهب إلى ذلك الحنفية والمالكية والحنابلة وأصحاب الحديث وغيرهم من الصحابة والتابعين . واستدلوا لذلك من النصوص ما فيه وعيد للحالفين الكاذبين بأن مصيرهم إلى النار . كقوله تعالى : { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة } وقوله صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مالا لقي الله وهو عليه غضبان " يستدل من ذلك أن موجب اليمين الغموس العذاب في الآخرة ، فمن أوجب الكفارة فقد زاد على النص وهو لا يجوز .

واستدلوا من المعقول أيضا بأن اليمين الغموس من الكبائر التي لا تمحوها الكفارة ، لأنها أكبر من أن تكفرها كفارة ولا يمحوها غير التوبة والندامة والاستغفار{[1047]} .

القول الثاني : وجوب الكفارة في اليمين الغموس . وهو قول الشافعية وآخرين وهو مذهب أهل الظاهر . والدليل على وجوب الكفارة في الغموس من المعقول إذ قال الإمام الشافعي : إن اليمين الغموس معتبرة يمينا منعقدة وهي مندرجة فيها . والله سبحانه وتعالى يقول في وجوب الكفارة في الأيمان المنعقدة : { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين } وهذا يعم الماضي والمستقبل . وتعلق الإثم لا يمنع وجوب الكفارة ، كما أن الظهار منكر من القول وزور وتتعلق به الكفارة . وأجيب عن الاحتجاج بكفارة الظهار بأنها لا تجب بنفس الظهار ، بل بالعودة إلى الوطء بعد الحلف بالظهار . والراجح قول جمهور أهل العلم وهو عدم وجوب الكفارة في الغموس لما ذكره من دليل . ويضاف إلى ذلك الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم : " خمس من الكبائر لا كفارة فيهن " وعد منها اليمين الفاجرة . وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خمس ليس فيهن كفارة : الشرك بالله . وقتل النفس بغير حق ، وبهت المؤمن ، والفرار من الزحف ، ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق " {[1048]} .

اليمين المنعقدة

هي اليمين على شيء في المستقبل نفيا أو إثباتا . وكيفيتها أن يعقد الحالف قلبه على شيء مع قصد اليمين فإذا حلف وجب في حقه كفارة . وذلك كأن يقول : والله لأفعلن كذا وكذا . أو يقول : والله لا أفعل كذا وكذا . فمثل هذه اليمين قد قصدها الحالف وانعقد قلبه فلزمته بذلك كفارة عن يمينه إذا حنث ، أو قبل الحنث ، على الخلاف .

قال الماوردي في هذا : للكفارة ثلاث حالات : أحدهما قبل الحلف فلا تجزئ اتفاقا . ثانيها : بعد الحلف فتجزئ اتفاقا . ثالثها بعد الحلف وقبل الحنث ففيها الخلاف{[1049]} .

على أن الكفارة من أجل الحنث في اليمين المعقودة واجبة استنادا إلى قوله تعالى : { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } .

بما عقدتم الأيمان ، أي بسبب تعقيدكم الأيمان وتوثيقها بالقصد والنية . فتكون ما هنا مصدرية ، لأن الكلام هنا في مقابلة اللغو ، إذ ليس فيه قصد أو تعقيد للنية .

ويستدل كذلك من السنة بما أخرجه أبو داود عن عبد الرحمن بن سمرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا عبد الرحمن بن سمرة إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك " .

وكذلك ما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها " وفي لفظ " إلا كفرت عن يميني وفعلت الذي هو خير " وفي لفظ " إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني " وذلك يدل على وجوب الكفارة بسبب الحنث في اليمين المنعقدة على أمر في المستقبل .

أما هل يجوز التكفير قبل الحنث فثمة قولان :

الأول : جواز التكفير قبل الحنث . وهو مذهب الجمهور . واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم : " إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير " وهذا يدل على جواز التكفير قبل الحنث . واستثنى الإمام الشافعي الصيام في التكفير قبل الحنث . ومع ذلك فهم يذهبون إلى أن التكفير بعد الحنث أفضل من التكفير قبله .

القول الثاني : عدم جواز التفكير قبل الحنث . وهو قول الحنفية . واستدلوا بظاهر الآية { ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } والمراد : إذا حلفتم فحنثتم . ورد ذلك بأن المقصود : إذا حلفتم فأردتم الحنث{[1050]} .

الكفارة

الكفارة من الكفر – بالفتح – بمعنى الستر والتغطية . سمي الليل المظلم كافرا ، لأنه يستر بظلامه كل شيء . وسمي الكافر بهذا الاسم ، لأنه يستر نعمة الله أي يجحدها . ويطلق الكافر على الزارع ، لأنه يغطي البذر بالتراب . والكفار يراد بهم الزراع . قال الله سبحانه : { كمثل غيث أعجب الكفار } .

والكفارة في الشرع تعني الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة . أي تسترها{[1051]} .

على أن أصناف الكفارة لليمين أربعة هي : الإطعام والإعتاق ثم الصيام بعد ذلك .

والحالف إذا حنث بيمينه كان له الخيار بين الإطعام والكساء والإعتاق . فواحد من هذه الخيارات يجزئ في التكفير عن الحنث في اليمين فإذا لم يستطع أن يكفر بواحد من هذه الخيارات كان له أن يصوم أياما ثلاثة . ويستفاد ذلك من قوله في الآية { أو } فإنها تفيد التخيير بين أن يطعم أو يكسو أو يعتق رقبة . قال ابن عباس في معنى { أو : ما في كتاب الله { أو } فهو مخير فيه . على أنه لا يجوز للحانث أن يكفر بالصيام إلا بعد العجز عن الخيارات الثلاثة الأولى . وذلك لقوله : { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } .

قوله : { إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم } ويشترط في المساكين الذين يطعمون تحقق أربعة شروط وهي : الحاجة والحرية والإسلام وأن يكونوا من الأباعد .

أما الحاجة فهي أن يكون المسكين فقيرا معوزا محتاجا للصدقة ونحوها .

وأما الحرية فهي أن يكون المساكين أحرارا ، فلا تجزي الكفارة في العبيد ، لأن في دفعها لهم مظنة الدفع لمالكيهم .

وأما الإسلام فهو شرط آخذ الكفارة . فلا يجزي أداؤها غير المسلمين وإن كانوا فقراء ، وإنما تضطلع الدولة الإسلامية بإعطاء غير المسلمين ما يكفيهم من بيت المال من غير الزكاة ولا الكفارات . وهو مذهب الجمهور . خلافا للحنفية ، إذ قالوا بجواز دفعها لهم استنادا إلى عموم الآية ، ولأن المسكين غير المسلم معتبر من أهل دار الإسلام فهو في ذلك كالمسلم .

وأما اشتراط البعد ، وهو أن يكون الآخذون من الأباعد غير المنفق عليهم وجوبا وهم الأصول والفروع والزوجات فهؤلاء لا يعطون من كفارة اليمين . قال الشافعي في هذا الصدد : ويعطي الكفارات والزكاة كل من لا تلزمه نفقته من قرابته وهم من عدا الوالد والزوجة . وإن كان ينفق عليهم متطوعا أعطاهم . وهو قول أكثر العلماء{[1052]} .

أما مقدار ما يعطاه الواحد من المساكين العشرة فقد تبين في الآية مجملا غير مفصل وهو قوله تعالى : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } فموضع الاستدلال هنا قوله : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } فقد اختلفت كلمة العلماء في مقدار الطعام . فقد قيل : يجزي في الخبز والتمر ، أو الخبز والزيت ، أو الخبز والسمن . أو الخبز واللحم . وقيل : أفضل الإطعام الخبز واللحم . وأوسطه الخبز والسمن وأخسه الخبز والتمر .

وجملة القول في ذلك أن يغذي كل مسكين من العشرة أو يعشيه فيقدم له من الطعام من أوسط ما يطعمه المرء أهله . والأوسط هو الأقصد في النوع أو المقدار .

وهو عند الشافعية والمالكية والحنبلية وآخرين مد من حنطة لكل مسكين . وإن كان أهل البلد يقتاتون صنفا من الطعام وهو لهم عرف ، أجزأ صرف الكفارة منه ، وذلك كأن يكون قوتهم الذرة أو الأرز أو التمر أو الزبيب . أما عند الحنفية فمقدار الكفارة نصف صاع من حنطة أو دقيق أو صاع من شعير أو تمر .

وأما إعطاء القيمة عن مقدار الكفارة فلا يجوز عند جمهور الشافعية والمالكية والحنبلية ، خلافا للحنفية ، إذ قالوا بجواز إعطاء القيمة عن الكفارة{[1053]} .

ويشترط تمام العدد لصحة الكفارة بالإطعام ، وهو عشرة مساكين . وهو قول الشافعية والمالكية وآخرين . فقد ذهبوا إلى أنه لا يجزي في التكفير إلا إطعام عشرة . قال الشافعي في الأم : ليس له إذا كفر بإطعام أن يطعم أقل من عشرة . وإن أطعم تسعة وكسا واحدا كان عليه أن يطعم عشرا أو يكسو تسعة . واحتجوا بظاهر الآية { إطعام عشرة مساكين . . . أو كسوتهم } وبذلك لا يجوز للمكفر أن يردد على مسكين واحد عشرة أيام ، بخلاف الحنفية قالوا : يجوز له أن يردد الكفارة على مسكين واحد عشرة أيام ، بخلاف الحنفية قالوا : يجوز له أن يردد الكفارة على مسكين واحد في عشرة أيام ، لكنه لا يجوز له أن يدفعها له في يوم واحد . وهي رواية على أحمد{[1054]} .

الكساء

الكساء أو الكسوة مستفاد من قوله تعالى : { أو كسوتهم } عطف على إطعام . وهذا الصنف الثاني من أصناف الكفارة من أجل الحنث . واختلف العلماء في تقديره الكسوة المجزئة التي يؤديها المكفر للمستحق بشروطه من الفقر والحرية والإسلام والبعد وهو ما بيناه في الإطعام . فقد ذهبت الحنفية والمالكية والحنبلية وآخرون إلى تقدير الكسوة في كفارة اليمين بما يجزئ للصلاة وهو ما كان ساترا للعورة . فإن كان السكين رجلا أجزأ من الكسوة في حقه ثوب ساتر تصح به الصلاة . وإن كانت امرأة أجزأ في حقها خمار ودرع وهما يستران عورتها فتصح بهما الصلاة . أما ما كان دون ذلك من الكسوة مما لا تصح به الصلاة فلا يجوز التكفير به سواء في حق الرجل أو المرأة .

وعند الشافعية يجزئ من الكسوة كل ما وقع عليه اسم كسوة كما لو كان عمامة أو سراويل أو إزار أو مقنعة أو غير ذلك للرجل أو للمرأة ، استنادا إلى عموم النص { أو كسوتهم } فكل ما وقع عليه اسم كساء سمي كسوة حتى لو منديلا أو نعلا أو منطقة{[1055]} .

الإعتاق

وهذا واحد من خصال الكفارة الثلاث . ويراد به تحرير رقبة استنادا إلى قوله سبحانه : { أو تحرير رقبة } ويراد بالتحرير هنا الإخراج من الرق . ويشترط في الرقبة المحررة جملة شروط هي : الإيمان . فلا يجزئ إعتاق غير المؤمنة من الرقاب ، وهو قول مالك والشافعي ، خلافا لمذهب الحنفية إذ لم يشترطوا الإيمان لجواز الإعتاق . وحجتهم في ذلك إطلاق الرقبة في الآية . وبذلك فأيما رقبة تجزئ من أجل التكفير للحنث .

وشرط ثان وهو الكبر . وهو أن يتجاوز المعتوق سن الطفولة إلى السن التي يقدر عندها أن يصلي ويصوم . أي السن التي يكون معها مكلفا فتصح منه العبادة . وهو قول الحنبلية ، خلافا للحنفية والشافعية إذ لم يشترطوا الكبر ، فيجزئ عندهم إعتاق الصغير والكبير .

وشرط ثالث ، وهو السلامة من العيوب ، فلا يجزئ إعتاق من كان معيبا كمقطوع اليد والرجل أو المجنون أو الأعمى أو الأبكم أو الأصم{[1056]} .

ولا ينبغي أن نسهب أكثر من هذه العجالة في مسألة الرقيق . فهي مسألة قد مضت وانقضت . ومع ذلك ما فتئت أقلام مريبة تنبري للنيل من كرامة الإسلام بالطعن والتجريح ، خصوصا من أجل هذه المسألة . وهي أقلام متجنية وغاشمة تجتهد في اختلاق الأباطيل عن الإسلام لتزهد فيه البشرية أو تتردد في الإقبال عليه . مع أن المسألة ظاهرة وبينة لكل ذي قلب سليم ولكل ذي طبع غير ذي عوج . فكثيرا ما بينا أن ظاهرة الرقيق كانت واحدة من الظواهر العادية والمقبولة التي قررتها الأعراف والقوانين والمجتمعات عبر تاريخها الطويل كله . فما من شريعة ولا نظام ولا قانون ولا عرف إلا وقد أقر ظاهرة الرق إقرارا يعبر عن قناعة البشرية في كل الأزمان والأجيال من غير خلاف في ذلك ولا استنكاف . سواء في ذلك الساسة والقادة والممفكرون والمشرعون والفلاسفة . وكذا الديانتان اليهودية والمسيحية . كل أولئك قد أقروا نظام الرقيق دون غرابة أو تردد . حتى جاء الإسلام ، فما كان من المعقول أن يقضي على هذا النظام جملة واحدة بجرة قلم . أو بنص من النصوص ، لأن نظام الرقيق كان الأساس الركين من أسس المجتمع على امتداد التاريخ . بل هو الأساس الأكبر للبناء النفسي والاجتماعي والاقتصادي لكل المجتمعات الغابرة . فكان هذا النظام بذلك متأصلا مستشريا في أعماق المجتمعات السابقة . وشأن الإسلام في معالجة هذه القضية أن يحرم أسباب الاسترقاق كالظلم والاستبداد واسترقاق الدائن للمدين المعوز لعجزه عن أداء الدين . وغير ذلك من وجوه التعسف التي تبرر للظالمين أن يستعبدوا الأحرار .

وطريقة الإسلام في التحرير واضحة ومؤثرة . وهي تسهم إسهاما عظيما في تحرير العبيد ، كالتحريض على الإعتاق تكفيرا للخطايا ، أو الإعتاق من غير سبب ابتغاء مرضاة الله . لا جرم أن الإسلام فاق عامة النظم والقوانين والشرائع والأعراف التي عرفتها البشرية في معالجة هذه الظاهرة من أجل تحرير العبيد خلافا لما سبق الإسلام من ديانات ودساتير وقوانين وشرائع قد مردت على ترسيخ هذا النظام ( الرق ) وتقريره . فلا مجال بعد ذلك لجهول زنديق أن يجترئ على الإسلام بمقالة سوء وباطل . فإنه لا يجتزئ على الإسلام بطعن أو غمز إلا خراص أو خصيم مضطغن مغرض .

التكفير بالقيمة

هل يجوز إعطاء قيمة الكفارة للمساكين كأن تكون من الدراهم أو الدنانير بدلا من الطعام أو الكسوة أو الرقبة ؟ ثمة خلاف بين العلماء في ذلك . فقد ذهب جمهور الشافعية والمالكية والحنبلية وأهل الظاهر إلى عدم جواز التكفير بالقيمة . وهو قول كثير من السلف من الصحابة والتابعين واحتجوا بظاهر الآية ، إذ يتعين فيها الإطعام والكساء والعتق . وذهبت الحنفية وآخرون إلى جواز التكفير بالقيمة . ووجه ذلك أن المقصود بالكفارة دفع حاجة المسكين ويتحقق ذلك بدفع القيمة له{[1057]} .

التكفير بالصيام

إذا لم يكن في المقدور التكفير بواحد من الخصال الثلاث جاز التكفير بالصيام ثلاثة أيام . وذلك مقتضى قوله تعالى : { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } أي من لم يجد في ملكه أحد هذه الثلاثة من الإطعام أو الكسوة أو العتق ، كفر بالصوم ، على الخلاف في التتابع . فقد ذهب فريق من أهل العلم إلى اشتراط التتابع في صوم الكفارة . وهو مروي عن علي وعطاء ومجاهد . وقالت به الحنفية والحنبلية وآخرون . وحجتهم في ذلك قراءة ابن مسعود " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " وقياسا على الصوم في كفارة الظهار .

وذهبت الشافعية والمالكية إلى عدم اشتراط الولاء ( التتابع ) في صوم الكفارة للحنث ، استنادا إلى مطلق النص ، وإلى القياس على قضاء الصيام من رمضان للمعذورين لقوله تعالى : { فعدة من أيام أخر } فلم يشترط فيها التتابع . والراجح عدم التتابع ، وذلك لضعف الاحتجاج بقراءة ابن مسعود فهي منسوخة من حيث التلاوة والحكم{[1058]} .

وقوله : { ذلك كفرة أيمانكم إذا حلفتم } ذلك إشارة إلى ما تقدم ذكره من الطعام والكسوة وتحرير الرقبة . أي ذلك المذكور كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثهم ، لأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف .

قوله : { واحفظوا أيمنكم } أي راعوها بالمبادرة إلى ما لزمكم من الكفارة إذا حنثتم . وقيل : احفظوا أنفسكم بترك الحلف كيلا تتوجه عليكم هذه التكليفات . وقيل : المراد ، قللوا الأيمان ولا تكثروا منها .

قوله : { كذلك يبين الله لكم ءايته لعلكم تشكرون } أي مثل ذلك البيان يوضح الله لكم أعلام دينه وأحكام شريعته لتشكروه على هدايته إياكم وتوفيقه لكم وما أسبغ عليكم من نعمة التعليم والتبيين وغيره من النعم{[1059]} .


[1043]:- تفسير القرطبي ج 6 ص 264.
[1044]:- المصباح المنير ج 2 ص 359 والمعجم الوسيط ج 2 ص 1080 وشرح فتح القدير للكمال بن الهمام ج 5 ص 59 وأحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 635.
[1045]:- بداية المجتهد ج 1 ص 384 والأم للشافعي ج 7 ص 63 والمغني ج 8 ص 688 وبدائع الصنائع ج 3 ص 3 والموطأ ص 266.
[1046]:- بدائع الصتائع ج 3 ص 3 وشرح فتح القدير ج 5 ص 60- 62 وبداية المجتهد ج 1 ص 348 والمدونة الكبرى ج 2 ص 28.
[1047]:- البناية على الهداية ج 5 ص 158 والمغني ج 8 ص 686 والمدونة ج 2 ص 28 والأم للشافعي ج 7 ص 61.
[1048]:- الأم ج 7 ص 61- 63 ومغني المحتاج ج 4 ص 325 والمحلى ج 8 ص 36 والجامع الصغير للسيوطي ج 1 ص 612.
[1049]:- نيل الأوطار ج 7 ص 248 وأحكام لابن العربي ج 2 ص 635 وروح المعاني ج 7 ص 10.
[1050]:- نيل الأوطار ج 7 ص 247 والمدونة ج 2 ص 29 والمغني ج 8 ص 712 والمبسوط للسرخسي ج 7 ص 147 والبناية شرح الهداية ج 5 ص 185.
[1051]:- الكشاف ج 1 ص 640 وفتاوى ابن تيمية ج 3 ص 355.
[1052]:- الأم ج 7 ص 64 والمغني ج 8 ص 739 وبداية المجتهد ج 1 ص 357 وأسهل المدارك ج 2 ص 28 والمدزنة ج 2 ص 41.
[1053]:- المغني ج 8 ص 736 والمدونة ج 2ص 40 والأم ج 7 ص 64 والمبسوط ج 8 ص 150 والبدائع ج 5 ص 101- 104.
[1054]:- بداية المجتهد ج 1 ص 357 والأم ج 7 ص 64 وأسهل المدارك ج 2 ص 28.
[1055]:- المنطقة: ما يشد به محيط الرجل حول بطنه وظهره. انظر القاموس المحيط ج 3 ص 295.
[1056]:- البناية على الهداية ج 5 ص 185 ومغني المحتاج ج 4 ص 327 وبدائع الصناع ج 5 ص 107 والمدونة ج 2 ص 45 والمعني ج 8 ص 738.
[1057]:- المغني ج 8 ص 738 والأم ج 7 ص 64 والمدونة ج 2 ص 47 والبدائع ج 5 ص 107 والمحلى ج 8 ص 99.
[1058]:- المدونة ج 2 ص 47 والمغني ج 8 ص 752 والمبسوط ج 8 ص 155 ومغني المحتاج ج 4 ص 328 والأم للشافعي ج 7 ص 66 وأسهل المدارك ج 2 ص 30.
[1059]:- تفسر الرازي ج 13 ص 84 وروح المعاني ج 7 ص 15 وتفسير النسفي ج 1 ص 300 وتفسير البيضاوي ص 161 وتفسير الطبري ج 7 ص 21.