{ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم } أي أخرج من أصلابهم نسلهم على ما يتوالدون قرنا بعد قرن ، و{ من ظهورهم } بدل { من بني آدم } بدل البعض . وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب " ذرياتهم " . { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا } أي ونصب لهم دلائل ربوبيته وركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم : { قالوا بلى } فنزل تمكينهم من العلم بها وتمكنوا منه بمنزلة الاشهاد والاعتراف على طريقة التمثيل ويدل عليه قوله : { أن تقولوا يوم القيامة } أي كراهة أن تقولوا . { إنا كنا عن هذا غافلين } لم ننبه عليه بدليل .
{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ } منصوب بمضمر على طرز ما سلف في نظائره وهو معطوف على ما قبل مسوق لإلزام اليهود بمقتضى الميثاق العام فإن منهم من أشرك فقال : عزير بن الله عز اسمه بعد إلزامهم بالميثاق المخصوص بهم والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية ومنعهم عن التقليد ، وبعضهم جوز أن يكون تذييلاً تعميماً بعد التخصيص وإظهاراً لتمادي هؤلاء اليهود في الغي ومنعهم عن التقليد ، وبعضهم جوز أن يكون تذييلاً تعميماً بعد التخصيص وإظهاراً لتمادي هؤلاء اليهود في الغي بعد أخذ الميثاق الخاص المدلول عليه بقوله سبحانه : { وَإِذ نَتَقْنَا الجبل } [ الأعراف : 171 ] لقوله جل وعلا : { وَإِذَا أَخَذْنَا ميثاقكم وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور } [ البقرة : 63 ] ، وعليه فلا عطف وهو أظهر من التذييل نظراً إلى ظاهر اللفظ وأولى منه إذا خص العام بالمشركين كما قيل ، وقد يقال : إن الآية مسوقة لبيان أخذ ميثاق سابق من جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم قبل هذه النشأة بما هو أهم الأمور والأصل الأصيل لجميع التكليفات على وجه خال مما يشبه الإكراه متضمن لإلزام المشركين المعاصرين له صلى الله عليه وسلم ورفع احتجاجهم ما كانوا بعد الإشارة إلى أخذ ميثاق من قوم مخصوصين في هذه النشأة على وجه هو أشبه الأشياء بالإكراه بما الظاهر فيه أنه من الأعمال لأن القوم إذ ذاك كانوا مقرين بالربوبية بل بها وبرسالة موسى عليه السلام فلم يكن حاجة إلى نتق الجبل فوقهم لذلك ولو قال قائل : إن ذكر ذلك خلال الآيات المتعلقة باليهود من باب الاستطراد والمناسبة فيه ظاهرة لم يبعد لكن الأول وهو الذي جرى عليه أكثر متأخري المفسرين أي واذكر لهم أو للناس إذ أخذ ربك { مِن بَنِى * ءادَمَ } المراد بهم الذين ولد لهم مؤمنين كانوا أو كفاراً نسلاً بعد نسل سوى من لم يولد له بسبب من الأسباب وتخصيصهم بأسلاف اليهود الذي أشركوا بالله تعالى حيث قالوا ما قالوا مما لا يكاد يلتفت إليه .
وإيثار الأخذ على الإخراج للإيذان بشأن المأخوذ إذ ذاك لما فيه من الأنباء عن الاجتباء والاصطفاء وهو السبب في إسناده في اسم الرب بطريق الالتفات مع ما فيه من التمهيد للاستفهام الآتي ، وإضافته إلى ضميره عليه الصلاة والسلام للتشريف ، وقيل : إن إيثار الأخذ على الإخراج لمناسبة ما تضمنته الآية من الميثاق فإن الذي يناسبه هو الأخذ دون الإخراج ، والتعبير بالرب لما أن ذلك الأخذ باعتبار ما يتبعه من آثار الربوبية ، واستأنس بعضهم بمغايرة أسلوب هذا الكلام بما فيه من الالتفات لما قبله من قوله سبحانه وتعالى : { وَإِذ نَتَقْنَا } [ الأعراف : 171 ] ولما بعده من قوله تعالى : { واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذى ءاتيناه ءاياتنا } [ الأعراف : 175 ] لكونه استطرادياً ، وقوله تعالى : { مِن ظُهُورِهِمْ } بدل من بني آدم بدل البعض من الكل بتكرير الجار كما في قوله سبحانه وتعالى :
{ لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءامَنَ } [ الأعراف : 75 ] وقيل : بدل اشتمال وإليه ذهب أبو البقا ، ء وبينه بعضهم بأن بدل الاشتمال ما يكون بينه وبين المبدل منه ملابسة بحيث توجب النسبة إلى المتبوع النبسة إلى التابع إجمالاً نحو أعجبني زيد علمه فإنه يعلم ابتداء أن زيداً معجب باعتبار صفاته لا باعتبار ذاته وتتضمن نسبة الأعجاب إليه نسبته إلى صفة من صفاته إجمالاً ، ونسبة الأخذ الذي هو بمعنى الإخراج هنا إلى بنء آدم نسبة إلى ظهورهم إجمالاً لأنه يعمل ابتداء أن بني آدم ليسوا مأخوذين باعتبار ذواتهم بل باعتبار أجسادهم وأعضائهم وتتضمن نسبة الأخذ إليهم نسبته إلى أعضائهم إجمالاً ، وادعى أن القول به أولى من القول ببدل البعض لأن النسبة إلى المبدل منه الكل تكون تامة وتحصل بها الفائدة بدون ذكر البدل نحو أكلت الرغيف نصفه فإن النبسة تامة لو لم يذكر النصف ولا شك أن النسبة هنا ليست تامة بدون ذكر البدل . وأيضاً أن الظهور ليس بعض بني آدم حقيقة بل بعض أعضائهم ولا يخفى ما في ذلك من النظر . و { مِنْ } في الموضعين ابتدائية ، وفيه مزيد تقرير لابتنائه على البيان بعد الإبهام والتفصيل غب الإجمال ، قيل : وتنبيه على أن الميثاق قد أخذ منهم وهم في أصلاب الآباء ولم يستودعوا في أرحام الأمهات وقوله تعالى : { ذُرّيَّتُهُم } مفعول { أَخَذَ } أخر عن المفعول بواسطة الجار لاشتماله على ضمير راجع إليه فيلزم بالتقديم رجوع الضمير إلى متأخر لفظاً ورتبة وهو لا يجوز إلا في مواضع ليس هذا منها ولمراعاة أصالته ومنشئيته ولمامر غير مرة من التشويق إلى المؤخر . وقرأ نافع وأبو عمرو . وابن عامر . ويعقوب { *ذرياتهم } والمراد أولادهم على العموم ، ومن خص بني آدم بأسلاف اليهود على ما مر خص هذا بأخلافهم وفيه ما فيه ، والإشكال المشهور وهو أن كل الناس يصدق عليه بنو آدم وذريته فيتحد المخرج والمخرج منه مدفوع بظهور أن المراد إخراج الفروع من الأصول حسب ترتب الولاد ولا يتوقف التخلص عنه على القول بذلك التخصيص .
{ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ } أي أشهد كل واحد من أولئك الذرية المأخوذين من ظهور آبائهم على أنفسهم لا على غيرهم تقريراً لهم بربوبيته سبحانه وتعالى التامة قائلاً لهم : { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ } أي مالك أمركم ومربيكم على الإطلاق من غير أن يكون لأحد مدخل في شأن من شؤنكم { قَالُواْ } في جوابه سبحانه وتعالى { بلى شَهِدْنَا } أي على أنفسنا بأنك ربنا لا رب لنا غيرك والمراد اقررنا بذلك ، وجاء أن القاضي شريح قال لمقر عنده شهد عليك ابن أخت خالتك ، ومن هنا قال الجلال السيوطي : إن هذه الآية أصل في الإقرار و { بلى } حرف جواب وألفها أصلية عند الجمهور ، وقال جمع : الأصل بل والألف زائدة وبعض أولئك يقول : إنها لتأنيث الكلمة كالتاء في ثمت وربت لأنها أميلت ولو لم تكن للتأنيث لكانت زائدة لمجرد التكثير كالف قبعثري وتلك لا تمال ، وتختص بالنفي فلا تقع إلا في جوابه فتفيد إبطاله سواء كان مجرداً أو مقروناً بالاستفهام حقيقياً كان أو تقريرياً ، وقد أجروا النفي مع التقرير مجرى النفي المجرد في رده ببلى كما في هذه الآية ، ولذلك قال ابن عباس وغيره لو قالوا نعم لكفروا .
ووجهه أن نعم تصديق للمختبر بنفي أو إيجاب ، ولذلك قال جماعة من الفقاء : لو قال أليس لي عليك ألف ؟ فقال : بلى لزمته ؛ ونعم لا . وقال آخرون : تلزمه فيهما وجروا فيه على مقتضى العرف لا اللغة .
ونازع السهيلي وجماعة في المحكى عن الحبر وغيره متمسكين بأن الاستفهام التقريري موجب ولذلك امتنع سيبويه من جعل { أَمْ } متصلة على ما قيل في قوله تعالى : { أَفلاَ تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مّنْ } [ الزخرف : 51 ، 52 ] فإنها لا تقع بعد الإيجاب وإذا ثبت أنه إجياب فنعم بعد الإيجاب تصديق له ، قال ابن هشام : ويشكل عليهم أن بلى لا يجاب بها الإيجاب وذلك متفق عليه و { بلى قَدْ جَاءتْكَ ءاياتى } [ الزمر : 59 ] متقدم فيه ما يدل على النفي لكن وقع في الحديث ما يقتضي أنها يجاب بها الاستفهام المجرد ففي «صحيح البخاري » أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : " أترضون أن تكونوا رفع أهل الجنة ؟ قالوا : بلى " وفي «صحيح مسلم » أنه صلى الله عليه وسلم قال : " أنت الذي لقيتني بمكة فقال له المجيب : بلى " وليس لهؤلاء أن يحتجوا بذلك لأنه قليل فلا يتخرج عليه التنزيل انتهى . وأجاب البدر الدماميني بأنه لا إشكال في الحقيقة فإن هؤلاء راعوا صورة النفي المنطوق به فيجاب ببلى حيث يراد إبطال النفي الواقع بعد الهمزة وجوزوا الجواب بنعم على أنه تصديق لمضمون الكلام جميعه الهمزة ومدخولها وهو إيجاب كما سلف ودعواه الاتفاق مناقش فيها أما إن أراد الإيجاب المجرد من النفي بالمرة فقد حكى الرضى الخلاف فيه ، وذكر أن بعضهم أجاز استعمالها بعده تمسكاً بقوله :
وقد بعدت بالوصل بيني وبينها *** بلى إن من زار القبور ليبعدا
وإن أراد ما هو الأعم حتى يشمل التقرير المصاحب للنفي فالخلاف فيه موجود مشهور ذكره هو في حرف النون انتهى ، ولا يخفى أن البيت شاذ كما صرح به الرضى ، والمذكور في بحث النون أن جماعة من المتقدمين والمتأخرين منهم الشلوبين قالوا : إنه إذا كان قبل النفي استفهام فإن كان على حقيقته فجوابه كجواب النفي المجرد وإن كان مراداً به التقرير فالأكثر أن يجاب بما يجاب به النفي رعياً للفظه ، ويجوز عند أمن اللبس أن يجاب بما يجاب به الإيجاب رعياً لمعناه وعلى ذلك قول الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم نعم وقد قال لهم : ألستم ترون لهم ذلك وقول جحدر :
أليس الليل يجمع أم عمرو *** وإيانا فداك بنا تداني
نعم وأرى الهلال كما تراه *** ويعلوها النهار كما علاني
وعلى ذلك جرى كلام سيبويه ، وقال ابن عصفور : أجرت العرب التقرير في الجواب مجرى النفي المحض وإن كان إيجاباً في المعنى فإذا قيل : ألم أعطك درهماً قيل في تصديقه : نعم وفي تكذيبه بلى ، وذلك لأن المقرر قد يوافقك فيما تدعيه وقد يخالفك فإذا قال : نعم لم يعلم هل أراد نعم لم تعطني على اللفظ أو نعم أعطيتني على المعنى فلذلك أجابوه على اللفظ ولم يلتفتوا إلى المعنى . وأما نعم في بيت جحدر فجواب لغير مذكور وهو ما قدره اعتقاده من أن الليل يجمعه وأم عمرو وجاز ذلك لأمن اللبس لعلمه أن كل أحد يعلم أن الليل يجمعه مع أن عمرو ، أو هو جواب لقوله : وأرى الهلال قدم عليه وأما قول الأنصار : فجاز لأمن الليس لأنه قد علم أنهم يريدون نعم يعرف لهم ذلك ، وعلى هذا يحمل استعماله سيبويه لها بعد التقرير انتهى .
والأحسن أن تكون نعم في البيت جواباً لقوله : فذاك بنا تداني ، ثم قال ابن هشام : ويتحرر على هذا أنه لو أجيب { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ } بنعم لم يكف في الإقرار لأنه سبحانه وتعالى أوجب في الإقرار بما يتعلق بالربوبية ما لا يحتمل غير المعنى المراد من المقر ، ولهذا لا يدخل في الإسلام بقوله لا إله إلا الله برفع إله لاحتماله لنفي الوحدة ، ولعل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إنما قال : إنهم لو قالوا : نعم لم يكن إقراراً وافياً ، وجوز الشلوبين أن يكون مراده رضي الله تعالى عنه أنهم لو قالوا نعم جواباً للملفوظ على ما هو الأفصح لكان كفراً إذ لأصل تطابق السؤال والجواب لفظاً ، وفيه نظر لأن التكفير لا يكون بالاحتمال ، والكلام عند جمع تمثيل لخلقه تعالى الخلق جميعاً في مبدأ الفطرة مستعدين للاستدلال بالأدلة الآفاقية والأنفسية المؤدية إلى التوحيد كما نطق به قوله صلى الله عليه وسلم :
كل مولود يولد على الفطرة *** الحديث مبني على تشبيه الهيئة المنتزعة من تعريضه سبحانه وتعالى إياهم لمعرفة ربوبيته ووحدانيته بعد تمكينهم منها بما ركز فيهم من العقول والبصائر ونصب لهم في الآفاق والأنفس من الدلائل تمكيناً تاماً ومن تمكنهم منها تمكناً كاملاً وتعرضهم لها تعرضاً قوياً بهيئة منتزعة من حمله تعالى إياهم على الاعتراف بها بطريق الأمر ومن مسارعتهم إلى ذلك من غير تلعثم أصلاً من غير أن يكون هناك أخذ وإشهاد وسؤال وجواب ، ونظير ذلك في قول ما في قوله سبحانه وتعالى :
{ فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت : 11 ] ومن ذلك سائر ما يحكى عن الحيوان والجماد كقوله :
شكا إلى جملي طول السري *** مهللاً رويداً فكلانا مبتلي
امتلأ الحوض وقال قطني *** مهلاً رويداً قد ملأت بطني
وجعلوا قوله سبحانه وتعالى : { أَن تَقُولُواْ } من تلوين الخطاب وصرفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاصريه من اليهود تشديداً في الإلزام أو إليهم إلى متقدميهم بطريق التغليب وهو مفعول له لما قبله من الأخذ والإشهاد أو لمقدر يدل عليه ذلك ، والمعنى على ما يقول البصريون : فعلنا مافعلنا كراهة أن تقولوا وعلى ما يقول الكوفوين : لئلا تقولوا { يَوْمُ القيامة } عند ظهور الأمر وإحاطة العذاب بمن أشرك { إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا } أي وحدنية الربوبية { غافلين } لم ننبه عليه ، وإنما لم يسعهم هذا الاعتذار حينئذ على ما قيل لأنهم نبوا بنصب الأدلة وجعلوا متهيئين تهيأ تاماً لتحقيق الحق وإنكار ذلك مكابرة فكيف يمكنهم أن يقولوا ذلك .
( هذا ومن باب الإشارة ) :والكلام على قوله سبحانه : { وَإِذْ أَخَذَ } ربك الخ من هذا الباب يغني عنه ما ذكرناه خلال تفسيره من كلام أهل الله تعالى قدس الله تعالى أسرارهم خلا أنه ذكر بعضهم أن أول ذرة أجابت ببلى ذرة النبي صلى الله عليه وسلم وكذا هي أول مجيب من الأرض لما خاطب الله سبحانه السموات والأرض بقوله جل وعلا : { ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت : 11 ] وكانت من تربة الكعبة وهي أول ما خلق من الأرض ومنها دحيت كما جاء عن ابن عباس رض الله تعالى عنهما ، وكان يقتضي ذلك أن يكون مدفنه صلى الله عليه وسلم بمكة حيث كانت تربته الشريفة منها ، وقد رووا أن المرء يدفن حيث كانت تربته ، ولكن قيل : إن الماء لما تموج رمى الزبد إلى النواحي فوقعت درة ذرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يحاذي مدفنه الكريم بالمدينة ، ويستفاد من هذا الكلام أنه عليه الصلاة والسلام هو الأصل في التكوين والكائنات تبع له صلى الله عليه وسلم قل : ولكون ذرته أم الخليقة سمي أمياً ، وذكر بعضهم أن الباء لكونه أول حرف فتحت الذرة به فمها حين تكلمت لم تزل الأطفال في هذه النشأة ينطقون به في أول أمرهم ولا بدع فكل مولود يولد على الفطرة ، قيل : ولعظم ما أودع الله سبحانه وتعالى في الباء من الأسرار افتتح الله تعالى به كتابه بل افتتح كل سورة به لتقدم البسملة المفتتحة به على كل سورة ما عدا التوبة وافتتاحها ببراءة وأول هذه اللفظة الباء أيضاً ، ولكون الهمزة وتسمى ألفاً أول حرف قرع أسماعهم في ذلك المشهد كان أول الحروف لكنه لم يظهر في البسملة لسر أشرنا إليه أول الكتاب والله تعالى الهادي إلى صوب الصواب .
172 -174 وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ .
يقول تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ أي : أخرج من أصلابهم ذريتهم ، وجعلهم يتناسلون ويتوالدون قرنا بعد قرن .
و حين أخرجهم من بطون أمهاتهم وأصلاب آبائهم أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ أي : قررهم بإثبات ربوبيته ، بما أودعه في فطرهم من الإقرار ، بأنه ربهم وخالقهم ومليكهم .
قالوا : بلى قد أقررنا بذلك ، فإن اللّه تعالى فطر عباده على الدين الحنيف القيم .
فكل أحد فهو مفطور على ذلك ، ولكن الفطرة قد تغير وتبدل بما يطرأ عليها من العقائد الفاسدة ، ولهذا قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أي : إنما امتحناكم حتى أقررتم بما تقرر عندكم ، من أن اللّه تعالى ربكم ، خشية أن تنكروا يوم القيامة ، فلا تقروا بشيء من ذلك ، وتزعمون أن حجة اللّه ما قامت عليكم ، ولا عندكم بها علم ، بل أنتم غافلون عنها لاهون .
ثم بدأت السورة بعد أن انتهت من حديثها عن بنى إسرائيل وحتى نهايتها تحدثنا عن قضية التوحيد من زاوية جديدة عميقة ، زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ، ولنتصاحب سويا - أيها القارىء الكريم - متأملين فيما ساقته لنا السورة الكريمة في الربعين الأخيرين منها من آيات تزخر بالأدلة العقلية والمنطقية التي تثبت وحدانية الله وتبطل الشرك والشركاء ، مستعيننة في ذلك بما تهدى إليه الفطرة البشرية والطبيعة الإنسانية .
تدبر معى قوله - تعالى - : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ . . . } .
قال صاحب المنار ، هذه الآيات بدء سياق جديد في شئون البشر العامة المتعلقة بهداية الله لهم بما أودع في فطرتهم وركب في عقولهم من الاستعداد للايمان به وتمجيده وشكره ، في إثر بيان هدايته لهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب في قصة بنى إسرائيل . فالمناسبة بين هذا وما قبله ظاهرة ، ولذلك عطف عليه عطف جملة على جملة أو سياق على سياق .
قوله { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بني ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } الظهور : جمع ظهر وهو العمود الفقرى لهيكل الإنسان الذي هو قوام بنيته .
والذرية : سلالة الإنسان من الذكور والإناث .
وقوله { مِن ظُهُورِهِمْ } بدل بعض من قوله { مِن بني ءَادَمَ } و { ذُرِّيَّتَهُمْ } مفعول أخذ .
والمعنى : واذكر أيها الرسول وذكر كل عاقل وقت أن استخرج الله - تعالى - من أصلاب بنى آدم ذريتهم ، وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فاخرجها - سبحانه - في أرحام الأمهات ، وجعلها علقة ثم مضغة ، ثم جعلها بشراً سويا ، وخلقا كاملا مكلفاً .
قال الآلوسى : وإيثار الأخذ على الإخراج للإيذان بشأن المأخوذ إذ ذاك لما فيه من الإنباء عن الإجتباء والاصطفاء وهو السبب في إسناده إلى اسم الرب بطريق الالتفات مع ما فيه من التمهيد للاستفهام الآتى . وقيل إن إيثار الأخذ على الإخراج لمناسبة ما تضمنته الآية من الميثاق ، فإن الذي يناسبه هو الأخذ دون الإخراج .
والتعبير بالرب لما أن ذلك الأخذ باعتبار ما يتبعه من آثار الربوبية .
وقوله : { وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ } أى : أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته ، وعجائب خلقه ، وغرائب صنعته ، وبما أودع في قلوبهم من غريزة الإيمان ، وفى عقولهم من مدارك تهديهم إلى معرفة ربهم وخالقهم .
وقوله : { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } مقول لقول محذوف : أى : قائلا لهم - بعد أن أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل الوحدانية - ألست بربكم ، ومالك أمركم ، ومربيكم على الإطلاق ، من غير أن يكون لأحد مدخل في شأن من شئونكم { قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ } أى : قالوا بلى شهدنا على أنفسنا عن عقيدة وإقناع بأنك أنت ربنا وخالقنا ولا رب لنا سواك ، فإن آثار رحمتك وعجائب خلقك ، ومظاهر قدرتك تجعلنا لا نتردد في هذه الشهادة .
و { بلى } حرف جواب ، وتختص بالنفى فلا تقع إلا جوابه فتفيد إبطاله سواء أكان مجردا أم مقرونا بالاستفهام ولذلك قال ابن عباس وغيره ، لو قالوا نعم لكفروا . لأن نعم حرف تصديق للمخبر بنفى أو إيجاب .
قال صاحب الكشاف : وقوله : { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى } من باب التمثيل ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته ، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى ، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم : ألست بربكم ؟ وكأنهم قالوا : بلى أنت ربنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك ، وباب التمثيل واسع في كلام الله - تعالى - وفى كلام رسوله صلى الله عليه وسلم وفى كلام العرب .
ونظيره قوله تعالى - { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } وقوله { فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ } ومعلوم أنه لا قول ثم وإنما تمثيل وتصوير للمعنى " .
والمقصود من الآية الكريمة الاحتجاج على المشركين بمعرفتهم ربوبيته - تعالى - معرفة فطرية لازمة لهم لزوم الاقرالر منهم والشهادة . قال - تعالى - : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله } والفطرة هى معرفة ربوبيته - سبحانه - :
وقد وردت أحاديث كثيرة تشهد بأن الناس قد فطرهم الله - تعالى - على معرفته ، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من مولود إلا ويولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة جمعاء - أى سالمة الأذن - هل تحسون فيها من جدعاء - أى مقطوعة الأذن " .
وفى صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله - تعالى - إنى خلقت عبادى حنفاء ، فجاءتهم الشياطين فاجتالهم عن دينهم - أى صرفتهم عن دينهم - وحرمت عليهم ما أحللت لهم " .
وروى الطبرى عن الحسن الأسود بن سريع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها أو ينصرانها " ولذلك يتبين لنا أن المعنى الإجمالى للآية الكريمة أن الله - تعالى - نصب للناس في كل شىء من مخلوقاته - ومنها أنفسهم - دلائل توحيده وربوبيته ، وركز فيهم عقولا وبصائر يتمكنون بها تمكنا تاما من معرفته والاستجلال بها على التوحيد والربوبية حتى صاروا بمنزلة من إذا دعى إلى الإيمان بها سارع إليه بدون شك أو تردد .
فالكلام على سبيل المجاز التمثيلى لكون الناس قد فطرهم الله - تعالى - على معرفته والإيمان به ، وجعلهم مستعدين جميعا للنظر المؤدى إلى الاعتراف بوحدانيته ، ولا إخراج للذرية ولا قول ولا إشهاد بالفعل .
وعلى هذا الرأى سار المحققون من مفسرى السلف والخلف .
ويرى بعض المفسرين أن معنى الآية الكريمة : أن الله - تعالى - مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته كالذر ، وأحيانهم وجعل لهم العقل والنطق ، وألهمهم ذلك الاقرار ، ثم أعادهم إلى ظهر ابيهم آدم ، واستشهدوا لذلك بأحاديث وآثار ليست صحيحة الاسناد ، وما حسن إسناده منها فقد أوله العلماء بما يتفق مع منطوق الآية الكريمة .
وقد رد أصحاب الرأى الأول على هذا البعض بردود منها : أ ، الله - تعالى - قال : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بني ءَادَمَ } ولم يقل من آدم ، وقال { مِن ظُهُورِهِمْ } ولم يقل من ظهره ، وقال { ذُرِّيَّتَهُمْ } ولم ذريته . قال { أَوْ تقولوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا } ولم يكن لهم يومئذ أب مشرك ، لأن آدم حاشاه من الشرك بالله - تعالى :
قال الإمام ابن كثير بعد أن ساق عدداً كبيراً من الأحاديث في هذا المعنى : ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف : إن المراد بهذا الاشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد كما تقدم في حديث أبى هريرة وعياض والأسود بن سريع وقد فسر الحسن الاية بذلك " .
ثم بين - سبحانه - سبب الاشهاد وعلله فقال : { أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ } أى : فعلنا ما فعلنا كراهة أن تقولوا ، أو منعا من أن تقولوا يوم القيامة معتذرين عن شرككم : إنا عن هذا الأمر وهو إفراد الله - تعالى - بالربوبية غافلين لم ننبه إليه ، لأنهم ما داموا قد خلقوا على الفطرة ، ونصب الله لهم في كل شىء من مخلوقاته ما يدل على وحدانيته ، وجاءتهم الرسل فبشرتهم وأنذرتهم ، فقد بطل عذرهم ، وسقطت حجتهم .