{ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } كأن أسند إليه ما لم ينزله أو نفى عنه ما أنزله . { أولئك } أي الكاذبون . { ُيعرَضون على ربهم } في الموقف بأن يحبسوا وتعرض أعمالهم . { ويقول الأشهاد } من الملائكة والنبيين أو من جوارحهم ، وهو جمع شاهد كأصحاب أو شهيد كأشراف جمع شريف . { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } تهويل عظيم مما يحيق بهم حينئذ لظلمهم بالكذب على الله .
{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } بأن نسب إليه ما لا يليق به كقولهم : الملائكة بنات الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، وقولهم لآلهتهم : { هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله } [ يونس : 18 ] والمراد من الآية ذم أولئك الكفرة بأنهم مع كفرهم بآيات الله تعالى مفترون عليه سبحانه ، ويجوز أن تكون لنوع آخر من الدلالة على أن القرآن ليس بمفترى ، فإن من يعلم حال من يفتري على الله سبحانه كيف يرتكبه ، وأن تكون من الكلام المنصف أي لا أحد أظلم مني أن أقول لما ليس بكلام الله تعالى إنه كلامه كما زعمتم ، أو منكم إن كنتم نفيتم أن يكون كلامه سبحانه مع تحقق أنه كلامه جل وعلا ، وفيه من الوعيد والتهويل ما لا يخفى ، ويجوز عندي إذا كان ما قبل في مؤمني أهل الكتاب أن يكون هذا في بيان حال كفرتهم الذين أسندوا إليه سبحانه ما لم ينزله من المحرف الذي صنعوه ونفوا عنه سبحانه ما أنزله من القرآن أو من نعت النبي صلى الله عليه وسلم ، وأياً مّا كان فالمراد نفي أن يكون أظلم من ذلك أو مساوياً في الظلم على ما تقدم { أولئك } أي الموصوفون بالظلم البالغ وهو الافتراء { يُعْرَضُونَ } من حيث أنهم موصوفون بذلك { على رَبّهِمْ } أي مالكهم الحق والمتصرف فيهم حسبما يريد ، وفيه على ما قيل : إيماءً إلى بطلان رأيهم في اتخاذهم أرباباً من دونه سبحانه وتعالى ، وجعل بعضهم الكلام على تقدير المضاف أي تعرض أعمالهم ، أو على ارتكاب المجاز ولا يحتاج إلى ذلك على ما أشير إليه لأن عرضهم من تلك الحيثية وبذلك العنوان عرض لأعمالهم على وجه أبلغ فإن عرض العامل بعمله أفظع من عرض عمله مع غيبته ، والظاهر أنه لا حذف في قوله سبحانه : { على رَبّهِمْ } ويفوض من يقف على الله .
وقيل : هناك مضاف محذوف أي على ملائكة ربهم وأنبياء ربهم وهم المراد بالإشهاد في قوله تعالى : { وَيَقُولُ * الاشهاد } وتفسيرهم بالملائكة مطلقاً هو المروى عن مجاهد ، وعن ابن جريج تفسيرهم بالحفظة من الملائكة عليهم السلام ، وقيل : المراد بهم الملائكة . والأنبياء . والمؤمنون ، وقيل : جوارحهم ، وعن مقاتل . وقتادة هم جميع أهل الموقف ، وهو جمع شاهد بمعنى حاضر كصاحب . وأصحاب بناءاً على جواز جمع فاعل على أفعال ، أو جمع شهيد بمعناه كشريف وأشراف أي ويقول الحاضرون عند العرض أو في موقف القيامة { هَؤُلاء الذين كَذَبُواْ على رَبّهِمْ } ويحتمل أن يكون شهادة على تعيين من صدر منه الكذب كأن وقوعه أمر واضح غني عن الشهادة ، وإنما المحتاج إليها ذلك ولذا لم يقولوا : هؤلاء كذبوا بدون الموصول ، ويحتمل أن يكون ذماً لهم بتلك الفعلة الشنيعة لا شهادة عليهم كما يشعر به قوله تعالى : { وَيَقُولُ } دون ويشهد ، وتوطئة لما يعقبه من قوله تعالى : { أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } أي بالافتراء المذكور ، والظاهر أن هذا من كلام الأشهاد على الاحتمالين ، ويؤيده ما أخرجه الشيخان .
وخلق كثير عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «إن الله تعالى يدني المؤمن حتى يضع كنفه عليه ويستره من الناس ويقرره بذنوبه ويقول له : أتعرف ذنب كذا ؟ أتعرف ذنب كذا ؟ فيقول : رب أعرف حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته ، وأما الكفار . والمنافقون فيقول : الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين » وجوز على الاحتمال الأول أن يكون من كلام الله تعالى ، وحينئذٍ يجوز أن يراد بالظالمين ما يعم الظالمين بالافتراء . والظالمين بغير ذلك ، ويدخل فيه الأولون دخولاً أولياً ، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران قال : إن الرجل ليصلي ويلعن نفسه في قراءته فيقول : ألا لعنة الله على الظالمين وهو ظالم .
وربما يجوز ذلك على الاحتمال الثاني أيضاً ، وأياً مّا كان فهؤلاء الذين مبتدأ وخبر ، واحتمال أن يكون { هَؤُلاء } مبتدأ ، و { الذين } تابع له ، وجملة { أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } خبره ، وقد أقيم الظاهر مقام المضمر أي عليهم لذمهم بمبدأ الاشتقاق مع الإشارة إلى علة الحكم كما ترى ، وجملة يقول الإشهاد قيل : مستأنفة على أنها جواب سؤال مقدر كأن سائلاً سأل إذ سمع أنهم يعرضون على ربهم ماذا يكون إذ ذاك ؟ فأجيب بما ذكر ، وقيل وهو الظاهر إنها معطوفة على جملة { يُعْرَضُونَ } على معنى أولئك يعرضون ويقول الأشهاد في حقهم ، أو ويقول أشهادهم والحاضرون عند عرضهم { هَؤُلاء } الخ ، وكأن هذا لبيان أنها مرتبطة في التقدير بالمبتدأ كارتباط الجملة المعطوفة هي عليها به ، وقيل : كفى اسم الإشارة القائم مقام الضمير للتحقير رابطاً فتدبر .
( ومن باب الإشارة ) : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ * افترى عَلَى الله كَذِبًا } [ هود : 18 ] الخ جعله بعضهم إشارة إلى المثبتين لغيره سبحانه وجوداً وهم أهل الكثرة والحجاب ، وفسر الإشهاد بالموحدين الذين لا يشهدون في الدار غيره سبحانه دياراً .
ومن الناس من عكس الأمر وجعلها رداً على أهل الوحدة القائلين : إن كل ما شاهدته بعينك أو تصورته بفكرك فهو الله سبحانه بمعنى كفر النصارى إيمان بالنسبة إليه وحاشا أهل الله تعالى من القول به على ما يشعر به ظاهره ، ومنهم من جعلها مشيرة إلى حال من يزعم أنه ولي الله ويتزيا بزي السادات ويتكلم بكلماتهم وهو في الباطن أفسق من فرد وأجهل من حمار تومه
ثم وصف - سبحانه - الكافرين بالإِسلام ببضعة عشر وصفا . وبين سوء مصيرهم كما بين حسن عاقبة المؤمنين وضرب مثلا لحال الفريقين فقال - تعالى - :
{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى . . . } .
قال الإِمام الرازى : اعلم أن الكفار كانت لهم عادات كثيرة ، وطرق مختلفة فمنها شدة حرصهم على الدنيا ، ورغبتهم فى تحصيلها ، وقد أبطل الله - هذه الطريقة بقوله : { مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا . . . } إلى آخر الآية . ومنها أنهم كانوا ينكرون نبوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويقدحرون فى معجزاته وقد أبطل الله - تعالى - ذلك بقوله { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ . . . } ومنها أنهم كانوا يزعمون فى الأصنام أنها شفعاؤهم عند الله ، وقد أبطل الله - تعالى - ذلك بهذه الآيات وذلك لأن هذا الكلام افتراء على الله . . .
وجملة { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً . . . } معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك { وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحزاب فالنار مَوْعِدُهُ } والاستفهام للإِنكار والنفى ، والتقدير : لا أحد أشد ظلما ممن تعمد الكذب على الله - تعالى - بأن زعم بأن الأصنام تشفع لعابديها عنده ، أو زعم بأن الملائكة بنات الله ، أو أن هذا القرآن ليس من عنده - سبحانه - .
وقوله : { أولئك يُعْرَضُونَ على رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأشهاد هؤلاء الذين كَذَبُواْ على رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } بيا لما يقال لهؤلاء الظالمين على سبيل التشهير والتوبيخ يوم القيامة والأشهاد : جميع شهيد كشريف وأشراف . أو جمع شاهد بمعنى حاضر كصاحب وأصحاب المراد بهم - على الراجح - جميع أهل الموقف من الملائكة الذين كانوا يسجلون عليهم أقوالهم وأعمالهم ، ومن الأنبياء والمؤمنين .
والمعنى : أولئك الموصوفون بافتراء الكذب على الله - تعالى - يعرضون يوم الحساب ، على ربهم ومالك أمرهم ، كما يعرض المجرم للقصاص منه ، ولفضيحته أمام الناس .
{ وَيَقُولُ الأشهاد } الذين يشهدون عليهم بأنهم قد افتروا الكذب على الله { هؤلاء } المجرمون هم { الذين كَذَبُواْ على رَبِّهِمْ } بأن نسبوا إليه ما هو منزه عنه .
{ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } الذين وضعوا الأمور فى غير مواضعها ، فأوردوا أنفسهم المهالك .
وجئ باسم الإِشارة { هؤلاء } زيادة فى التشنيع عليهم ، وفى تميزهم عن غيرهم وصدرت جملة { أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } بأداة الاستفتاح { أَلاَ } لتأكيد الدعاء عليهم بالطرد والإِبعاد عن رحمة الله - تعالى - بسبب افترائهم الكذب .
والظاهر أن هذه الجملة من كلام الأشهاد ويؤيد ذلك ما أخرجه الشيخان عن صفوان بن محرز قال : " كنت آخذا بيد ابن عمر إذ عرض له رجل فقال : كيف سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول فى النجوى يوم القيامة ؟ قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الله - عز وجل - يدنى المؤمن فيضع عليه كتفه - أى ستره وعفوه - ويستره من الناس ويقرره بذنوبه ويقول له : أتعرف ذنب كذا ؟ أتعرف ذنب كذا ؟ حتى إذا قرره بذنوبه ورأى فى نفسه أنه قد هلك قال : فإنى قد سترتها عليك فى الدنيا وإنى أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته ، وأما الكفار والمافقون فيقول الأشهاد { هؤلاء الذين كَذَبُواْ على رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } " .
ويجوز أن تكون هذه الجملة من كلام الله - تعالى - على سبيل الاستئناف بعد أن قال الأشهاد { هؤلاء الذين كَذَبُواْ على رَبِّهِمْ } .