{ وأعدّوا } أيها المؤمنون { لهم } لناقضي العهد أو الكفار . { ما استطعتم من قوة } من كل ما يتقوى به في الحرب . وعن عقبة بن عامر سمعته عليه الصلاة والسلام يقول على المنبر " ألا إن القوة الرمي قالها ثلاثا " ولعله عليه الصلاة والسلام خصه بالذكر لأنه أقواه . { ومن رباط الخيل } اسم للخيل التي تربط في سبيل الله ، فعال بمعنى مفعول أو مصدر سمي به يقال ربط ربطا ورباطا ورابط مرابطة ورباطا ، أو جمع ربيط كفصيل وفصال . وقرئ " ربط الخيل " بضم الباء وسكونها جمع رباط وعطفها على القوة كعطف جبريل وميكائيل على الملائكة . { تُرهبون به } تخوفون به ، وعن يعقوب { ترهبون } بالتشديد والضمير ل { ما استطعتم } أو للإعداد . { عدو الله وعدوّكم } يعني كفار مكة . { وآخرين من دونهم } من غيرهم من الكفرة . قيل هم اليهود وقيل المنافقون وقيل الفرس . { لا تعلمونهم } لا تعرفونهم بأعيانهم . { الله يعلمهم } يعرفهم . { وما تُنفقوا من شيء في سبيل الله يُوفّ إليكم } جزاؤه . { وأنتم لا تُظلمون } بتضييع العمل أو نقص الثواب .
{ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ } خطاب لكافة المؤمنين لما أن المأمور به من وظائف الكل أي أعدوا لقتال الذين نبذ إليهم العهد وهيئوا لحرابهم كما يقتضيه السباق أو لقتال الكفار على الاطلاق وهو الأولى كما يقتضيه ما بعده { مَّا استطعتم مّن قُوَّةٍ } أي من كل ما يتقوى به في الحرب كائناً ما كان ، وأطلق عليه القوة مبالغة ، وإنما ذكر هذا لأنه لم يكن له في بدر استعداد تام فنبهوا على أن النصر من غير استعداد لا يتأتى في كل زمان ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير القوة بأنواع الأسلحة ، وقال عكرمة : هي الحصون والمعاقل . وفي رواية أخرى عنه أنها ذكور الخيل .
وأخرج أحمد . ومسلم . وخلق كثير عن عقبة بن عامر الجهني قال : «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر : " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة إلا أن القوة الرمي قالها ثلاثا " والظاهر العموم إلا أنه عليه الصلاة والسلام خص الرمي بالذكر لأنه أقوى ما يتقوى بها فهو من قبيل قوله صلى الله عليه وسلم " الحج عرفة " . وقد مدح عليه الصلاة والسلام الرمي وأمر بتعلمه في غير ما حديث ، وجاء عنه عليه الصلاة والسلام " كل شيء من لهو الدنيا باطل إلا ثلاثة انتضالك بقوسك وتأدبك فرسك وملاعبتك أهلك فانها من الحق " وجاء في رواية أخرها النسائي وغيره " كل شيء ليس من ذكر الله تعالى فهو لغو وسهو إلا أربع خصال مشى الرجل بين الغرضين وتأديب فرسه وملاعبته أهله وتعليم السباحة " وجاء أيضاً " انتضلوا واركبوا وأن تنتضلوا أحب إليّ ان الله تعالى ليدخل بالسهم والواحد ثلاثة الجنة صانعه محتسبا والمعين به والرامي به في سبيل الله تعالى " . وأنت تعلم أن الرمي بالنبال اليوم لا يصيب هدف القصد من العدو لأنهم استعلموا الرمي بالبندي والمدافع ولا يكاد ينفع معهما نبل وإذا لم يقابلوا بالمثل عم الداء العضال واستد الوبال والنكال وملك البسيطة أهل الكفر والضلال فالذي أر اده والعلم عند الله تعالى تعين تلك المقابلة على أئمة المسلمين وحماة الدين ، ولعل فضل ذلك الرمي يثبت لهذا الرمي لقيامه مقامه في الذب عن بيضة الإسلام ولا أرى ما فيه من النار للضرورة الداعية إليه إلا سبباً للفوز بالجنة إن شاء الله تعالى ، ولا يبعد دخول مثل هذا الرمي في عموم قوله سبحانه : { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مّن قُوَّةٍ } { وَمِن رّبَاطِ الخيل } الرباط قيل : اسم للخيل التي تربط في سبيل الله تعالى على أن فعال بمعنى مفعول أو مصدر سميت به يقال : ربط ربطاً ورباطا ورابط مرابطة ورباطا .
واعترض بأنه يلزم على ذلك اضافة الشيء لنفسه .
ورد بأن المراد أن الرباط بمعنى المربوط مطلقاً إلا أنه استعمل في الخيل وخص بها فالإضافة باعتبار المفهوم الأصلي . وأجاب القطب بأن الرباط لفظ مشترك بين معاني الخيل وانتظار الصلاة بعد الصلاة والإقامة على جهاد العدو بالحرب ، ومصدر رابطت أن لازمت فاضيف إلى أحد معانيه للبيان كما يقال : عين الشمس وعين الميزان ، قيل : ومنه يعلم أنه يجوز أضافة الشيء لنفسه إذا كان مشتركاً ، وإذا كانت الإضافة من إضافة المطلق إلى المقيد فهي على معنى من التبعيضية ، وجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل وفصال أو جمع ربط ككعب وكعاب وكلب وكلاب . وعن عكرمة تفسيره بإناث الخيل وهو كتفسيره القوة بما سبق قريباً بعيد ، وذكر ابن المنيران المطابق للرمي أن يكون الرباط على بابه مصدراً ، وعلى تفسير القوة بالحصون يتم التناسب بينه وبين رباط الخيل لأن العرب سمت الخيل حصوناً وهي الحصون التي لا تحاصر كما في قوله :
ولقد علمت على تجنبي الردا *** أن الحصون الخيل لا مدر القرى
وحصنى من الأحداث ظهر حصاني *** وقد جاء مدحها فيما لا يحصى من الأخبار وصح " الخيل معقود في نواصها الخير إلى يوم القيامة " . وأخرج أحمد عن معقل بن يسار . والنسائي عن أنس لم يكن شيء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النساء من الخيل . وميز صلى الله عليه وسلم بعض أصنافها على بعض . فقد أخرج أبو عبيدة عن الشعبي في حديث رفعه " التمسوا الحوائج على الفرس الكميت الارثم المحجل الثلاث المطلق اليد اليمنى " . وأخرج أبو داود . والترمذي وحسنه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال : «كان رسول الله / صلى الله عليه وسلم يكره الشكال من الخيل » واختلف في تفسيره ففي النهاية الشكال في الخيل أن تكون ثلاث قوائم محجلة وواحدة مطلقة تشبيهاً بالشكال الذي يشكل به الخيل لأنه يكون في ثلاث قوائم غالباً وقيل : هو أن تكون الواحدة محجلة والثلاث مطلقة ، وقيل : هو أن تكون احدى يديه وإحدى رجليه من خلاف محجلتين ، وإنما كرهه عليه الصلاة والسلام تفاؤلا لأنه كالمشكول صورة ، ويمكن أن يكون جرب ذلك الجنس فلم يكن فيه نجابة ، وقيل : إذا كان مع ذلك أغرب زالت الكراهة لزوال شبه الشكال انتهى .
ولا يخفى عليك أن حديث الشعبي يشكل على القول الأول إلا أن يقال : إنه يخصص عمومه وإن حديث التفاؤل غير ظاهر ، والظاهر التشاؤم وقد جاء «إنما الشؤم في ثلاث في الفرس والمرأة والدار » وحمله الطيبي على الكراهة التي سببها ما في هذه الأشياء من مخالفة الشرع أو الطبع كما قيل شؤم الدار ضيقها وسوء جيرانها وشؤم المرأة عقمها وسلاطة لسانها وشؤم الفرس أن لا يغزي عليها ، لكن قال الجلال السيوطي في فتح المطلب المبرور : أن حديث التشاؤم بالمرأة والدار والفرس قد اختلف العلماء فيه هل هو على ظاهره أو مؤول ؟ والمختار أنه على ظاهره وهو ظاهر قول مالك انتهى .
ولا يعارضه ما صح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : ذكر الشؤم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام : «إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس » فانه ليس نصا في استثناء نقيض المقدم وان حمله عياض على ذلك لاحتمال أن يكون على حد قوله صلى الله عليه وسلم : «قد كان فيمن قبلكم من الأمم محدثون فإن يكن في أمتى منهم أحد فإنه عمر بن الخطاب » وقد ذكروا هناك أن التعليق للدلالة على التأكيد والاختصاص ونظيره في ذلك إن كان لي صديق فهو زيد فإن قائله لا يريد به الشك في صداقة زيد بل المبالغة في أن الصداقة مختصة به لا تتخطاه إلى غيره ولا مخطور في اعتقاد ذلك بعد اعتقاد أن المذكورات أمارات وأن الفاعل هو الله تبارك وتعالى : وقرأ الحسن { وَمِنْ * رّبَاطِ الخيل } بضم الباء وسكونها جمع رباط ، وعطف ما ذكر على القوة بناء على المعنى الأول لها للايذان بفضلها على سائر افرادها كعطف جبريل وميكال على الملائكة عليهم السلام { تُرْهِبُونَ بِهِ } أي تخوفون به ، وعن الراغب أن الرهبة والرهب مخافة مع تحرز واضطراب وعن يعقوب أنه قرأ { تُرْهِبُونَ } بالتشديد .
وقرأ ابن عباس . ومجاهد { تُخْزُونِ } والضمير المجرور لما استطعتم أو للاعداد وهو الأنسب ، والجملة في محل النصب على الحالية من فاعل أعدوا أي أعدوا مرهبين به ، أو من الموصول كما قال أبو البقاء ، أو من عائدة المحذوف أي أعدوا ما استطعتموه مرهبا به ، وفي الآية إشارة إلى عدم تعين القتال لأنه قد يكون لضرب الجزية ونحوه مما يترتب على ارهاب المسلمين بذلك { عَدْوَّ الله } المخالفين لأمره سبحانه { وَعَدُوَّكُمْ } المتربصين بكم الدوائر ، والمراد بهم على ما ذكره جمع أهل مكة وهم في الغاية القصوى من العداوة ، وقيل : المراد هم وسائر كفاء العرب { وَءاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ } أي من غيرهم من الكفرة ، وقال مجاهد : هم بنو قريظة ، وقال مقاتل : وابن زيد : هم المنافقون ، وقال السدى : هم أهل فارس .
وأخرج الطبراني . وأبو الشيخ . وابن المنذر . وابن مردويه . وابن عساكر . وجماعة عن يزيد بن عبد الله بن غريب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «هم الجن ولا يخبل الشيطان إنساناً في داره فرس عتيق » وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً ، واختاره الطبري وإذا صح الحديث لا ينبغي العدول عنه ، وقوله سبحانه : { لاَ تَعْلَمُونَهُمُ } أي لا تعرفونهم بأعيانهم { الله يَعْلَمُهُمْ } لا غير في غاية الظهور وله وجه على غير ذلك وإطلاق العلم على المعرفة شائع وهو المراد هنا كما عرفت ولذا تعدى إلى مفعول واحد ، وإطلاق العلم بمعنى المعرفة على الله تعالى لا يضر .
نعم منع الأكثر إطلاق المعرفة عليه سبحانه وجوزه البعض بناءً على إطلاق العارف عليه تعالى في «نهج البلاغة » وفيه بحث ، وبالجملة لا حاجة إلى القول بأن الإطلاق هنا للمشاكلة لما قبله ، وجوز أن يكون العلم على أصله ومفعوله الثاني محذوف أي لا تعلمونهم معادين أو محاربين لكم بل الله تعالى يعلمهم كذلك وهو تكلف ، واختار بعضهم أن المعنى لا تعلمونهم كما هم عليه من العداوة وقال : إنه الأنسب بما تفيده الجملة الثانية من الحصر نظراً إلى تعليق المعرفة بالأعيان لأن أعيانهم معلومة لغيره تعالى أيضاً وهو مسلم نظراً إلى تفسيره ، وأما الاحتياج إليه في تفسير النبي صلى الله عليه وسلم ففيه تردد .
{ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْء } جل أو قل { فِى سَبِيلِ الله } وهي وجوه الخير والطاعة ويدخل في ذلك النفقة في الإعداد السابق والجهاد دخولاً أولياً ، وبعضهم خصص اعتباراً للمقام { يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } أي يؤدي بتمامه والمراد يؤدي إليكم جزاؤه فالكلام على تقدير المضاف أو التجوز في الإسناد { وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } بترك الإثابة أو بنقص الثواب ، وفي التعبير عن ذلك بالظلم مع أن له سبحانه أن يفعل ما يشاء للمبالغة كما مر .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مّن قُوَّةٍ } [ الأنفال : 60 ] قال أبو علي الروزباري : القوة هي الثقة بالله تعالى ، وقال بعضهم : هي الرمي بسهام التوجه إلى الله تعالى عن قسي الخضوع والاستكانة
ثم أمر - سبحانه - المؤمنين باعداد وسائل القوة التي بها يصلون إلى النصر ، وغلى بعث الرعب في قلوبهم أعدائهم . . فقال - عز وجل - : { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ . . . } .
وقوله : { وَأَعِدُّواْ } معطوف على ما قبله ، وهو من الإِعداد بمعنى تهيئة الشئ للمستقبل ، والخطاب لكافة المؤمنين .
والرباط في الأصل مصدر ربط ، أي شد ، ويطلق ، بمعنى المربوط مطلقا ، وكثر استعماله في الخيل التي تربط في سبيل الله ، فالإِضافة إما باعتبار عموم المفهوم الأصلى ، أو بملاحظة كون الربط مشتركا بين معان آخر كملازمة الثغور ، والمواظبة على الأمر ، فإضافته لأحد معانيه للبيان .
قال صاحب الكشاف : والرباط : اسم للخيل التي تربط في سبيل الله ، ويجوز أن يسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة ، ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل وفصال - يقال نعم الربيط هذا ، لما يرتبط من الخيل .
والمعنى : عليكم - أيها المؤمنون - أن تعدوا لقتال أعدائكم ما تستطيعون إعداه من وسائل القولة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها .
وجاء - سبحانه - بلفظ { قُوَّةٍ } منكراً ، ليشمل كل ما يتقوى به في الحرب كائنا ما كان .
قال الجمل : وقوله { مِّن قُوَّةٍ } في محل نصب على الحال ، وفى صاحبها وجهان : أحدهما أنه الموصول . والثانى : أنه العائد عليه ، إذ التقدير ما استطعتموه حال كونه بعض القوة ، ويجوز أن تكون { مِن } لبيان الجنس .
وقوله : { وَمِن رِّبَاطِ الخيل } معطوف على ما قبله من عطف الخاص على العام .
أى : أعدوا لقتال أعدائكم ، ما أمكنكم من كل ما يتقوى به عليهم في الحرب ، من نحو : حصون وقلاع وسلاح . ومن رباط الخيل للغزو والجهاد في سبيل الله .
وخص رباط الخيل بالذكر من بين ما يتقوى به ، لمزيد فضلها وغنائها في الحرب ، ولأن الخيل كانت الأداة الرئيسية في القتال في العهد النبوى ، وقوله : { تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ } بيان للمقصود من الأمر بإعداد ما يمكنهم إعداده من قوة .
وقوله : { تُرْهِبُونَ } من الرهبة وهى مخافة مع ترحز واضطراب .
والضمير المجرور - وهو قوله { بِهِ } - يعود إلى الإِعداد المأخوذ من قوله { وَأَعِدُّواْ } .
أى : أعدوا ما استطعتم من قوة ، حال كونكم مرهبين بهذا الإِعداد عدو الله وعدوكم ، من كل كافر ومشرك ومنحرف عن طريق الحق ، وعلى رأس هؤلاء جميعا ، كفار مكة الذين أخرجوكم من دياركم بغير حق ، ويهود المدينة الذين لم يتركوا وسيلة للإِضرار بكم إلا فعلوها .
وقوله { وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ } معطوف على ما قبله .
أى : ترهبون بهذا الإِ عداد أعداء معروفين لكم - كمشركى مكة ويهود المدينة ، وترهبون به أيضاً أعداء آخرين غيرهم أنتم لا تعرفونهم لأنهم يخفون عداوتهم لكم ، ولكن الله - تعالى - الذي لا يخفى عليه شئ يعلمهم ، وسيحبط أعمالهم .
وقد اختلف المفسرون في المراد بهؤلاء الأعداء الذين عبر الله عنهم بقوله لا تعلمونهم الله يعلمهم ، فمنهم من قال : المراد بهم بنو قريظة ومنهم من قال : المراد بهم أهل فارس والروم .
ورجح ابن جرير أن المراد بهم : كفار الجن . . لأن المؤمنين كانوا عالمين بمداراة بنى قريضة وفارس والروم لهم . . والمعنى ترهبون بذلك الإِعداد عدو الله وعدوكم من بنى آدم الذين علمتم عداوتهم ، وترهبون به جنسا آخر من غير بنى آدم لا تعلمون أماكنهم وأحوالهم : الله يعلمهم دونكم ، لأن بنى آدم لا يرونهم .
ورجح الفخر الرازى أن المراد بهم المنافقون ، قال : لأن المنافقين من عادته أن يتربص ظهور الآفات ، ويحتال في إلقاء الإِفساد والتفريق بين المسلمين - بطرق قد لا تعرف ، فإذا شاهد كون المسلمين في غاية القوة خافهم وترك الأفعال المذمومة .
ولعل ما رجحه الفخر الرازى هو الأقرب إلى الصواب ، لأن عداوة المنافقين للمؤمنين كثيراً ما تكون خافية ، ويشهد لهذا قوله - تعالى - في آية أخرى : { وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأعراب مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المدينة مَرَدُواْ عَلَى النفاق لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } ثم ختم - سبحانه الآية الكريمة بالدعوة إلى الإِنفاق في سبيله ، وبشر المنفقين بسحن الجزاء فقال : { وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } .
أى : { وَمَا تُنفِقُواْ } - أيها المؤمنون - { مِن شَيْءٍ } قل أو أكثر هذا المنفق { فِي سَبِيلِ الله } أي في وجوه الخيرات التي من أجَلِّها الجهاد لإِعلاء كلمة الدين { يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } أى : يصل إليكم عوضه في الدنيا وأجره في الآخرة { وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } أى : لا تنقصون شيئاً من العوض أو الأجر .
قال : والتعبير بالظلم - مع أن الأعمال غير موجبة للثواب حتى يكون ترك ترتيبه عليها ظلما - لبيان كمال نزاهته - سبحانه - عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه - تعالى - من القبائح ، وإبراز الإِثابة في معرض الأمور الواجبة عليه - تعالى - .
هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :
1- وجوب إعداد القوة الحربية للدفاع عن الدين وعن الوطن وعن كل ما يجب الدفاع عنه ، لأن أعداء الإِسلام إذا ما علموا أن أتباعه أقوياء هابوهم ، وخافوا بأسهم ، ولم يجرؤوا على مهاجمتهم .
قال القرطبى : وقوله - تعالى - { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ } . أمر الله المؤمنين بإعداد القوة للأعداء ، بعد أن أكد تقدمه التقوى . فإن الله - تعالى - لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل في وجوههم ، وبحفنة من تراب ، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن أراد أن يبتلى بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ . .
وقال بعض العلماء : دلت هذه الآية على وجوب إعداد القوة الحربية ، اتقاء بأس العدو وهجومه ، ولما عمل الأمراء بمقتضى هذه الآية أيام حضاره الإِسلام ، كان الإِسلام عزيزاً ، عظيماً ، أبي الضيم ، قوي القنا ، جليل الجاه ، وفير السنا ، إذ نشر لواء سلطته على منبسط الأرض ، فقبض على ناصية الأقطار والأمصار .
أما اليوم فقد ترك المسلمون العمل بهذه الآية الكريمة ، ومالوا إلى النعيم والترف ، فأهملوا فرضاً من فروض الكفاية ، فأصحبت جميع الأمة آثمة بترك هذا الفرض ، ولذا تعانى اليوم من غصته ما تعانى .
وكيف لا يطمع العدو في بلاد الإِسلام ، وهو لا يرى فيها معامل للأسلحة ، وذخائر الحرب ، بل كلها مما يشترى من بلاط العدو ؟
أما آن لها أن تتنبه من غفلتها ، فتعد العدة التي أمر الله بها لأعدائه ، وتتلافى ما فرطت قبل أن يداهم العدو ما بقى منها بخيله ورجله . . ؟
إن القوة التي طلب الله من المؤمنين إعدادها لإرهاب الأعداء ، تتناول كل ما من شأنه أن يجعل المؤمنين أقوياء . كإعداد الجيوش المدربة ، والأسلحة المتنوعة التي تختلف بحسب الأزمنة والأمكنة .
وما روى من تفسيره القوة - التي وردت في الآية - بالرمي ، فإنما هو على سبيل المثال ، ولأن الرمي كان في ذلك الوقت أقوى ما يتقوى به .
قال الفخر الرازى عند تفسيره للآية ، والمراد بالقوة هنا ما يكون سبباً لحصول القوة ، وذكروا فيه وجوها :
الأول : المراد من القوة أنواح الأسلحة .
الثانى : روى أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية على المنبر وقال : " ألا إن القوة الرمي " قالها ثلاثاً .
الثالث : قال بعضهم : القوة هي الحصون .
الرابع : قال أصحاب المعانى : الأولى أن يقال : هذا عام في كل ما يتقوى به على حرب العدو ، وكل ما هو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : " القوة هى الرمي " لا ينفى كون غير الرمى معتبراً . كما أن قوله - صلى الله عليه وسلم - " الحج عرفه " " والندم توبة " لا ينفى اعتبار غيره . بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود فكذا هنا .
وهذه الآية تدل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل ، والسلاح ، وتعليم الفروسية ، والرمي فريضة إلا أنه من فرض الكفايات .
إن رباط الخيل للجهاد في سبيل الله فضله عظيم ، وثوابه كبير فقد كانت الخيل هى خير ما عرف العرب من وسائل الانتقال في الحرب وأسرعها ، وما زالت الخيل لها قيمتها في بعض أنواع الحروب .
قال القرطبى ، فإن قيل : إن قوله { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ } كان يكفى ، فلماذا خص الخيل بالذكر ؟
قيل له : إن الخيل لما كانت أصل الحرب وأوزارها التي عقد الخير في نواصيها ، وهى أقوى القوة ، وأشد العدة ، وحصون الفرسان ، وبها يجال في الميدان ، لما كانت كذلك خصها بالذكر تشريفاً ، وأقسم بغبارها تكريماً ، فقال : { والعاديات ضَبْحاً } وقال الإِمام ابن العربى : وأما رباط الخيل هو فضل عظيم ومنزلة شريفة .
روى الأئمة عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :
" الخيل ثلاثة ، لرجل ستر ، ولرجل أجر ، وعلى رجل وزر . فأما الذي هى عليه وزر رجل ربطها رياء وفخراً ونواء لأهل الإِسلام - أى : مناوأة ومعاداة - فهى عليه وزر " .
وأما الذي هى له أجر فرجل ربطها في سبيل الله ، فأطال لها في مرج أو روضة ، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شئ إلا كتب الله له عدد ما أكلت حسنات . .
وروى البخارى ومسلم عن جابر بن عبد الله قال : " رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلوى ناصية فرس بأصبعيه وهو يقول : " الخير معقود في نواصى الخيل إلى يوم القيامة " " .
4- أن المقصود من إعداد العدة في الإِسلام إنما هو إرهاب الأعداء حتى لا يفكروا في الاعتداء على المسلمين ، وحتى يعيش أتباع هذا الدين آمنين مطمئنين في ديارهم ، وحتى يستطيعوا أن يبلغوا رسالة الله إلى خلقه من الناس دون أن يخشوا أحداً سواه - عز وجل . .
وليس المقصود بأعداد العدة إرهاب المسالمين ، أو العدوان على الآمنين ، أو القهر والإِذلال للناس واستغلالهم فيما يغضب الله - تعالى - .
ولذلك وجدنا الآية صريحة في بيان المقصود من هذا الإِعداد ، وهو - كما عبرت عنه { تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ } .
وهناك آيات أخرى صريحة في بيان سبب مشروعيته القتال في الإِسلام ومن ذلك قوله - تعالى - : { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تعتدوا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين } وقوله - تعالى - : { وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدين للَّهِ فَإِنِ انتهوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين } والخلاصة : أن من تتبع آيات القرآن الواردة في القتال يجدها جميعها تقرر أن سبب القتال في الإِسم ينحصر في رد العدوان ، وحماية الدعوة الإِسلامية من التطاول عليها وتثبيت حرية العقيدة ، وتطهير الأرض من الظلم والطغيان .
5- وجوب الإِنفاق في سبيل الله ، ومن أشرف وجوه الإِنفاق في سبيل الله أن يبذل المسلم ما يستطيع بذله في الجهاد الذي هو ذروة سنام الإِسلام ، والذى ما تركه قوم إلا ذلوا . . وألقوا بأنفسهم في التهلكة . .
ولقد بشرت الآية الكريمة المنفقين في سبيل الله ، بأنه - سبحانه - سيجازيهم على إنفاقهم جزاء وافيا لا نقص معه ولا ظلم .
قال - تعالى - { وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } وفى الحديث الشريف الذي رواه الترمذى عن أبى يحيى قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من أنفق نفقة في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف " .