{ قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي } إشارة إلى ما آتاه الله من العلم والنبوة . { ورزقني منه رزقا حسنا } إشارة إلى ما آتاه الله من المال الحلال ، وجواب الشرط محذوف تقديره فهل يسع مع هذا الإنعام الجامع للسعادات الروحانية والجسمانية أن أخون في وحيه ، وأخالفه في أمره ونهيه . وهو اعتذار عما أنكروا عليه من تغيير المألوف والنهي عن دين الآباء ، والضمير في { منه } لله أي من عنده وبإعانته بلا كد مني في تحصيله . { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } أي وما أريد أن آتي ما أنهاكم عنه لأستبد به دونكم ، فلو كان صوابا لآثرته ولم أعرض عنه فضلا عن أن أنهى عنه ، يقال خالفت زيدا إلى كذا إذا قصدته وهو مول عنه ، وخالفته عنه إذا كان الأمر بالعكس ، { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت } ما أريد إلا أن أصلحكم بأمري بالمعروف ونهيي عن المنكر ما دمت أستطيع الإصلاح ، فلو وجدت الصلاح فيما أنتم عليه لما نهيتكم عنه ، ولهذه الأجوبة الثلاثة على هذا النسق شأن : وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة أهمها وأعلاها حق الله تعالى ، وثانيها حق النفس ، وثالثها حق الناس . وكل ذلك يقتضي أن آمركم بما أمرتكم به وأنهاكم عما نهيتكم عنه . و{ ما } مصدرية واقعة موقع الظروف وقيل خبرية بدل من { الإصلاح } أي المقدار الذي استطعته ، أو إصلاح ما استطعته فحذف المضاف . { وما توفيقي إلا بالله } وما توفيقي لإصابة الحق والصواب إلا بهدايته ومعونته . { عليه توكّلت } فإنه القادر المتمكن من كل شيء وما عداه عاجز في حد ذاته ، بل معدوم ساقط عن درجة الاعتبار ، وفيه إشارة إلى محض التوحيد الذي هو أقصى مراتب العلم بالمبدأ . { واليه أنيب } إشارة إلى معرفة المعاد ، وهو أيضا يفيد الحصر بتقديم الصلة على الفعل . وفي هذه الكلمات طلب التوفيق لإصابة الحق فيما يأتيه ويذره من الله تعالى ، والاستعانة به في مجامع أمره والإقبال عليه بشراشره ، وحسم أطماع الكفار وإظهار الفراغ عنهم وعدم المبالاة بمعاداتهم وتهديدهم بالرجوع إلى الله للجزاء .
{ أن أخالفكم } : أي لا أريد أن أنهاكم عن الشيء لتتركوه ثم أفعله بعدكم .
{ أن أريد إلا الإصلاح } : أي ما أريد إلا الإصلاح لكم .
{ وما توفيقي إلا بالله } : أي وما توفيقي للعمل الإِصلاحي والقيامة به إلا بفضل الله عليّ .
{ وإليه أنيب } : أي ارجع في أمري كله .
وأما الآيات الثلاث بعدها فقد تضمنت رد شعيب عليه السلام على مقالتهم السابقة إذ قال { يا قوم أرأيتم } أي أخبروني { إن كنت عل بيّنة من ربي } أي على برهان وعلم يقيني بألوهيته ومحابه ومساخطه ووعده لأوليائه ووعيده لأعدائه ، ورزقي منه رزقاً حسنا أي حلالا طيبا أخبروني فهل يليق بي أن أتنكر لهذا الحق والخير وأُجَارِيكُمْ على باطلكم . اللهم لا ، وشيء آخر وهو أني ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه فإِني لا آمركم بتوفية الكيل والوزن وأنقصها ولا بترك عبادة الأوثان وأعبدها ، ولا أنهاكم عن كسر الدراهم وأكسرها فأكون كمن يأمر بالشيء ولا يفعله ، وينهى عن الشيء ويفعله فيستحق اللوم والعتاب ونزع الثقة منه ، وعدم اعتباره فلا يؤخذ بقوله ولا يعمل برأيه .
وأمر آخر هو أني ما أريد بما أمرتكم به ولا بما نهيتكم عنه إلا الإِصلاح لكم ما استطعت ذلك وقدرت عليه . وما توفيقي في ذلك إلا بالله ربّي وربكم عليه توكلت في أمري كله وإليه وحده أنيب أي أقبل بالطاعة وأرجع بالتوبة .
- كراهية إتيان الشيء بعد النهي عنه ، وترك الشيء بعد الأمر به والحث عليه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.