قوله جل ذكره : { بسم الله الرحمان الرحيم } .
" بسم الله " اسم لمن قامت السماوات والأرض بقدرته واستقامت الأسرار والقلوب بنصرته . . دلت الأفعال على جلال شأنه ، وذلت الرقاب عند شهود سلطانه . أشرقت الأقطار بنوره في العقبى ، وأشرقت الأسرار بظهوره في الدنيا ، فهو المقدس بالوصف الأعلى .
قوله جلّ ذكره : { إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
أرسلنا نوحاً بالنبوَّةِ والرسالة . { أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ } أي بأن أنذرهم وإرسالُ الرُّسُل من الله فضلٌ ، وله بحق مُلْكه أن يفعل ما أراد ، ولم يجبْ عليه إرسالُ الرُّسُلِ لأن حقيقته لا تقبل الوجوب .
وإرسالُ الرسلِ إلى مَنْ عَلِمَ أنه لا يَقْبَل جائز ، وتكليفُهم من ناحية العقل جائز فنوحٌ - عَلِمَ منهم أَنهم لا يقبلون . . ومع ذلك بَلَّغ الرسالة وقال لهم : { إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } .
سورة نوح مكية وآياتها ثمان وعشرون ، نزلت بعد سورة النحل . وفيها تفصيل لقصة سيدنا نوح عليه السلام مع قومه ، وكيف جاءهم برسالة من عند ربه وقال { يا قوم إني لكم نذير مبين } وأمرهم بعبادة ربهم وأن يتقوه ويطيعوه ، حتى يغفر لهم الله ذنوبهم ، لكنهم أصروا على الكفر ، وأمعنوا فيه ، واستهزؤوا بنوح وبرسالته .
وقد ذُكر سيدنا نوح في القرآن الكريم في ثلاثة وأربعين موضعا ، وجاء تفصيل عن قصته في سورة هود ، وهنا في سورة نوح . وجادله قومه كثيرا ، وحاول معهم أن يهديهم بشتى الوسائل والطرق ، ولكنهم أبوا ذلك . . . و{ قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ، فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين } سورة هود . فرد عليهم بما قصه الله تعالى في قوله : { قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ، ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ، هو ربكم وإليه ترجعون } هود 33 .
وفي سورة نوح هنا يقول : { قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا ، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا . . . } .
فلما بلغ نوح درجة اليأس من إيمان بعد تلك المدة الطويلة التي أقامها فيهم يدعوهم ، كان ما قصه الله تعالى بقوله : { وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون } هود36 .
عندئذ توجه نوح إلى ربه بالدعاء عليهم : { رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا ، إنك إن تذرهم يُضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } .
ثم دعا لنفسه ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات بالمغفرة والرحمة : { رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا } .
لقد أخبر الله تعالى في أول هذه السورة الكريمة أنه أرسل نوحاً إلى قومه لينذرَهم بأسه قبل أن يأتيَهم عذابٌ شديد .
{ 1 - 28 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ }
إلى آخر السورة لم يذكر الله في هذه السورة سوى قصة نوح وحدها لطول لبثه في قومه ، وتكرار دعوته إلى التوحيد ، ونهيه عن الشرك ، فأخبر تعالى أنه أرسله{[1237]} إلى قومه ، رحمة بهم ، وإنذارا لهم من عذاب الله الأليم ، خوفا من استمرارهم على كفرهم ، فيهلكهم الله هلاكا أبديا ، ويعذبهم عذابا سرمديا .
{ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 1 ) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 2 ) أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ( 3 ) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ( 4 ) }
إنا بعثنا نوحا إلى قومه ، وقلنا له : حذِّر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب موجع .
هذه السورة مكية وآياتها ثمان وعشرون . وهي في جملتها نقص علينا خبر واحد من رسل الله أولي العزم وهو نبي الله نوح عليه الصلاة والسلام . هذا النبي الصابر العظيم الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده وأن يجتنبوا الشرك والأصنام ، ويحذرهم عذاب الآخرة ، فلم يجد منهم إلا الآذان الصّم والقلوب الغلف . ولقي منهم في ذلك أشد البلاء والعنت إذ آذوه شديد الأذى وعذبوه بالغ التعذيب ، من شتم وضرب وازدراء ، وهو يقابلهم بالصبر وبالغ الصفح والاحتمال خلال هذه المدة الطويلة . حتى إذا استيأس من إيمانهم وأيقن أنهم ساردون في الكفر والضلال وأن دعاءه إياهم لا يزيدهم إلا الإيغال في التكذيب والعصيان ، هنالك دعا ربه أن يهلكهم ويقطع دابرهم فاستجاب الله دعاءه فأخذهم أخذ عزيز مقتدر واستأصلهم أيما استئصال .
{ إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم 1 قال ياقوم إني لكم نذير مبين 2 أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون 3 يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إنّ أجل الله إذا جاء لا يؤخّر لو كنتم تعلمون } .
أرسل الله نبيه نوحا إلى قومه المشركين ليدعوهم إلى التوحيد وينهاهم عن الشرك والباطل ، فلبث فيهم قرونا ، يبلغهم ويحذرهم وينصح لهم وهو قوله : { إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك } أن ، المفسرة ويجوز أن تكون مصدرية . أي أرسلناه بالإنذار لقومه { من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } وهو عذاب الآخرة أو الطوفان .