قوله جل ذكره : { وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } .
كما لا يستوي الأعمى والبصير لا تستوي الظلمات والنور ، ولا يستوي الظلُّ والحرور ، ولا الأحياء والأموات . . وكذلك لا يستوي الموصول بنا والمشغول عنَّا ، والمجذوبُ إلينا ، والمحجوبُ عنَّا ، ولا يستوي مَنْ اصطفيناه في الأزل ومن أشقيناه بحكم الأزل ، ولا يستوي من أشهدناه حقَّنا ومن أغفلنا قلبه عن ذِكْرِنا :
أحبابنا شتان : وافٍ وناقِضُ *** ولا يستوي قطُّ مُحِبٌّ وباغِضُ
{ وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور }
الأحياء ولا الأموات : شبه المؤمنين بالأحياء وشبه الكافرين بالأموات .
من في القبور : الكفار شبههم بالموتى الذين لا يجيبون .
لا يتساوى المؤمنون أحياء القلوب والمشاعر والكافرون أموات القلوب والحواس .
قال تعالى : مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا . . . ( هود : 24 ) .
وقال سبحانه : أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها . . ( الأنعام : 122 ) .
قال قتادة : هذه كلها أمثال أي : كما لا تستوي هذه الأشياء كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن .
{ إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور } إن الله يهدي من يشاء إلى سماع الحجة وقبولها والانقياد لها ، وكما أنك لا تسمع الأموات الذين توسدوا القبور كذلك لا تسمع من مات قلبه من هؤلاء المشركين .
وما يستوي أحياءُ القلوب بالإيمان بالله ورسوله مع أمواتِ القلوب بالكفر والعناد : { أو مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي الناس كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ؟ } [ الأنعام : 126 ] .
{ إِنَّ الله يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ } : إن الهداية والتوفيق بيده سبحانه .
{ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القبور } : جعل الله المشركين كالأموات الذين في القبور
فلا يستوي المؤمن والكافر ، ولا المهتدي والضال ، ولا العالم والجاهل ، ولا أصحاب الجنة وأصحاب النار ، ولا أحياء القلوب وأمواتها ، فبين هذه الأشياء من التفاوت والفرق ما لا يعلمه إلا اللّه تعالى ، فإذا علمت المراتب ، وميزت الأشياء ، وبان الذي ينبغي أن يتنافس في تحصيله من ضده ، فليختر الحازم لنفسه ، ما هو أولى به وأحقها بالإيثار .
{ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ } سماع فهم وقبول ، لأنه تعالى هو الهادي الموفق { وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } أي : أموات القلوب ، أو كما أن دعاءك لا يفيد سكان القبور شيئا ، كذلك لا يفيد المعرض المعاند شيئا ، ولكن وظيفتك النذارة ، وإبلاغ ما أرسلت به ، قبل منك أم لا .
قوله : { وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ } الأحياء مثلٌ للمؤمنين فقد أحيا الله بصائرهم بنور الإيمان ، وأرشدهم إلى ما فيه الهداية والسداد ، وألهمهم الخير والرشد والصواب . وأما الأموات فهم مثل للكافرين الخاسرين ؛ فإن قلوبهم كزَّة وغُلْف لا يفضي إليها الإيمان بما خُتم عليها . وهذان الصنفان من الأناسي لا يستويان . بل إنهما مختلفان اختلافا ظاهرا وكبيرا .
قوله : { إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ } الله يُسمع آياته وحججه وعباده الطيبين الذين علم أنهم مؤمنون ، فيهديهم لطاعته . قال الزمخشري في تأويل هذه الآية : يعني أنه قد علم من يدخل في الإسلام ممن لا يدخل فيه . فيهدي الذي قد علم أن الهداية تنفع فيه ، ويخذل من علم أنها لا تنفع فيه .
قوله : { وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } الكافرون الخاسرون بمنزلة الموتى من أهل القبور في أنهم لا ينتفعون بما يسمعونه من الآيات و العظات . فهم خامدو هامدون رِمَم وكذلك الكفرة الجاحدون ؛ فإن قلوبهم قد طبع عليها ؛ فهي لا تعي ولا تستجيب ولا تريم{[3862]} .