أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ} (44)

{ فقولا له قولا لينا } مثل { هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى } فإنه دعوة في صورة عرض ومشورة حذرا أن تحمله الحماقة على أن يسطو عليكما ؛ أو احتراما لما له من حق التربية عليك . وقيل كنياه وكان له ثلاث : كنى أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة . وقيل عداه شبابا لا يهرم بعده وملكا لا يزول إلا بالموت . { لعله يتذكر أو يخشى } متعلق ب { اذهبا } أو " قولا " أي : باشرا الأمر على رجائكما . وطمعكما أنه يثمر ولا يخيب سعيكما ، فإن الراجي مجتهد والآيس متكلف ، والفائدة في إرسالهما والمبالغة عليهما في الاجتهاد مع علمه بأنه لا يؤمن إلزام الحجة وقطع المعذرة وإظهار ما حدث في تضاعيف ذلك من الآيات والتذكر للمتحقق والخشية للمتوهم ، ولذلك قدم الأول أي إن لم يتحقق صدقكما ولم يتذكر فلا أقل من أن يتوهمه فيخشى .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ} (44)

إنما أمرهما بالملاينة معه في الخطاب لأنه كان أول مَنْ دَعَوْه إلى الدِّين ، وفي حال الدعوة يجب اللِّين ؛ فإنه وقت المُهلةِ ، فلا بدَّ من الإمهال ريثما ينظر ؛ قال الله لنبينا صلى الله عليه وسلم { وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } [ النحل :125 ] : وهو الإمهال حتى ينظروا ويستدلوا ، وكذلك قال : { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ } [ سبأ :46 ] .

ثم إذا ظهر من الخَصمِ التمرُّدُ والإباء فحينئذٍ يُقابَلُ بالغلظة والحتف .

ويقال علَّمهما خطابَ الأكابرِ ذوي الحشمة ؛ ففرعونُ - وإن كان كافراً - إلا أنه كان سلطانَ وقتهِ ، والمتسلِّطَ على عبادِ الله .

ويقال إذا كان الأمرُ في مخاطبة الأعداء بالرِّفق والملاينة . . . فكيف مع المؤمن في السؤال ؟

ويقال في هذا إشارة إلى سهولة سؤال المَلَكَين في القبر للمؤمن .

ويقال إذا كان رِفْقُه بِمَنْ جَحَدَه فكيف رِفْقُه بِمَنْ وَحَدَه ؟

ويقال إذا كان رَفْقُه بالكفَّارِ فكيف رفقُه بالأبرار ؟

ويقال إذا كان رفقه بمن قال : أنا . . . فكيف رفقه بمن قال : أنت ؟

ويقال إنه أَحْسَنَ تربيةَ موسى عليه السلام ؛ فأراده أن يرفق به اليومَ في الدنيا على جهة المكافأة .

وقيل تفسير هذا ما قال في آية أخرى : { فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى } [ النازعات : 18 ] .

وقوله : { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } : أي كُونَا على رجاء أن يُؤْمِنَ . ولم يخبرهما أنه لا يؤمن لئلا تتداخَلَهُما فَتْرَةٌ في تبليغ الرسالة عِلْماً منه بأنه لا يؤمن ولا يقبل .