{ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض } يخلف بعضكم بعضا ، أو خلفاء الله في أرضه تتصرفون فيها على أن الخطاب عام ، أو خلفاء الأمم السالفة على أن الخطاب للمؤمنين . { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } في الشرف والغنى . { ليبلوكم فيما آتاكم } من الجاه والمال . { إن ربك سريع العقاب } لأن ما هو آت قريب أو لأنه يسرع إذا أراده . { وإنه لغفور رحيم } وصف العقاب ولم يصفه إلى نفسه ، ووصف ذاته بالمغفرة وضم إليه الوصف بالرحمة وأتى ببناء المبالغة واللام المؤكدة تنبيها على أنه تعالى غفور بالذات معاقب بالعرض كثير الرحمة مبالغ فيها كثير العقوبة مسامح فيها .
{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ } أي : يخلف بعضكم بعضا ، واستخلفكم الله في الأرض ، وسخَّر لكم جميع ما فيها ، وابتلاكم ، لينظر كيف تعملون .
{ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } في القوة والعافية ، والرزق والخَلْق والخُلُق . { لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ } فتفاوتت أعمالكم . { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ } لمن عصاه وكذّب بآياته { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } لمن آمن به وعمل صالحا ، وتاب من الموبقات .
آخر تفسير سورة الأنعام ، فلله الحمد والثناء وصلى الله وسلم على نبينا محمد
[ وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين ]{[308]} .
ثم ختمت السورة بهذه الآية { وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأرض } أى : خلائف القرون الماضية ، فأورثكم أرضهم لتخلفوهم فيها وتعمروها بعدهم .
وخلائف : جمع خليفة ، وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة ، لأنه يخلفه .
وقوله : { وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } أى : فاوت بينكم فى الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوىء والمناظر والأشكال والألوان وغير ذلك .
ثم بين - سبحانه - العلة فى ذلك فقال : { لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ } أى : ليختبركم فى الذى أنعم به عليكم ، يختبر الغنى فى غناه ويسأله عن شكره ، ويختبر الفقير فى فقره ويسأله عن صبره .
وفى الحديث الشريف الذى رواه الإمام مسلم عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الدنيا حلوة خضرة . وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون ، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت فى النساء " .
ثم رهب - سبحانه - من معصيته ، ورغب فى طاعته فقال . { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب } لمن عصاه وخالف رسله . { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن أطاعه واتبع سبيل المؤمنين الصادقين .
أما بعد : فهذه هى سورة الأنعام التى عالجت من مبدئها إلى نهايتها قضية العقيدة بكل مقوماتها علاجاً قوياً حكيماً يهدى إلى الرشد لمن عنده الاستعداد لذلك ، والتى طوفت بالنفس البشرية فى الكون كله لترشدها إلى خلق هذا الكون ، وتجعلها تستجيب له وتنتفع بما منحها من نعم ، والتى كشفت عن مواطن الشرك ومظاهره فى كل مظانه ومكامنه . لتدمغه وتدحضه وتخلص النفس البشرية والحياة الإنسانية من أمراضه وأدرانه .
تلك هى سورة الأنعام التى نزلت مشعة بالملأ العظيم من الملائكة وذلك تفسير تحليلى لها ، لا نزعم أننا استقصينا فيه كل ما يتعلق بهذه السورة الكريمة ، من توجيهات وهدايات ، وإنما هو قبسات من نور القرآن الكريم ، نرجو الله أن ينفع به ، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم .
{ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم } وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
قوله تعالى : { وهو الذي جعلكم خلئف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجت ليبلوكم في ما ءاتكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم } خلائق جمع خليقة . مثل كريمة وكرائم . وهو من الخلف بسكون اللام أي القرن بعد القرن{[1337]} والمعنى أن الله جعل الناس { خلئف الأرض } أي يخلف بعضهم بعضا ، كلما مضى قرن جاء بعده قرن آخر . أو كلما ذهب جيل خلفه جيل غيره . وهكذا الأمم على مر العصور يخلف بعضها بعضا . فما تجيء أمة من الأمم حتى تؤول إلى الهلاك والزوال لتعقبها أمة بعدها إلى أن تقوم الساعة . وذلك كله من تدبير الله القدير الذي صنع الحياة والعالمين بعلمه وتدبيره وحكمته .
قوله : { ورفع بعضكم فوق بعض درجت ليبلوكم في ما ءاتكم } درجات مفعول ثان لرفع . وقيل غير ذلك{[1338]} والمعنى أن الله رفع الناس بعضهم فوق بعض درجات في العقل والعلم والرزق والقوة والجاه وغير ذلك من المظاهر الدنيوية التي جاءت نتيجة لما أوتي الإنسان من قوة العقل أو الجسم أو التفكير أو التدبير . والناس بطبيعتهم متفاوتون فيما أوتوه من قدرات فطرية أو طاقات خلقية ، كطاقة الذكاء أو البسطة في الجسم أو السعة في مدى الذهن وأفق التفكير ، أو القوة في الاحتمال والتخطيط والتدبير وغير ذلك من وجوه التفاوت في القدرات الذاتية الخلقية للإنسان . لا جرم أن التفاوت في مثل هذه القدرات سيفضي بالضرورة إلى التفاوت في مدى الكسب أو التحصيل أو التميز ليكون الناس بعذ ذلك درجات كما بينته الآية . فيكون فيهم القوي والضعيف ، وفيهم الغني والفقير ، وفيهم العالم والجاهل ، وفيهم النشيط والخامل .
قوله : { ليبلوكم في ما ءاتكم } من الابتلاء وهو الامتحان والاختبار . فإن الله جل وعلا يختبر العباد فيما أوتوه من قدرات ودرجات في العقل أو الجسم أو غير ذلك من المزايا ، ليحاسب الموسر على ما آتاه الله من مال ، وليحاسب العالم بعلمه ، هل عمل به أم لم يعمل . وليحاسب ذا الجاه والمكانة بما فعله في جاهه أو مكانته ، هل استعملها في نصرة الحق أم في الباطل كظلم الناس والترفع عليهم في استكبار واستخفاف . وبذلك فإن العبد غير مسيب ولا منفك من تحمل التبعة عما أوتيه من مزايا في دنياه ولكنه مؤاخذ بها ومسؤول عنها يوم القيامة .
قوله : { إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم } أي أن عقاب الله سريع الإتيان لأن كل ما هو آت قريب . فما يكون من آت إلا كان بالغ الدنو والقرب وإن طال زمانه حتى بلغ الدهر كله . فما تغني الكافرين والظالمين والمضلين أموالهم أو مكانتهم ما دام الموت ينتظرهم ، والعذاب واقع بهم لا محالة ، وإن امتد زمانه ؟ !
وفي المقابل فإن الله { لغفور رحيم } إن الله غفار للذنوب والعيوب سواء في الدنيا إذ يسترها لعبده التائب المستغفر ، أو في الآخرة فيمحوها بواسع فضله ورحمته{[1339]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.