أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{فَتَبَسَّمَ ضَاحِكٗا مِّن قَوۡلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَدۡخِلۡنِي بِرَحۡمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (19)

{ فتبسم ضاحكا من قولها } تعجبا من حذرها وتحذيرها واهتدائها إلى مصالحها ، وسرورا بما خصه الله تعالى به من إدراك همسها وفهم غرضها ولذلك سأل توفيق شكره . { وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك } أي اجعلني أزع شكر نعمتك عندي ، أي أكفه وأرتبطه لا ينفلت عني بحيث لا انفك عنه ، وقرأ البزي وورش بفتح ياء { أوزعني } . { التي أنعمت علي وعلى والدي } أدرج فيه ذكر والديه تكثيرا للنعمة أو تعميما لها ، فإن النعمة عليهما نعمة عليه والنعمة عليه يرجع نفعها إليهما سيما الدينية . { وأن أعمل صالحا ترضاه } إتماما للشكر واستدامة للنعمة . { وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } في عدادهم الجنة .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَتَبَسَّمَ ضَاحِكٗا مِّن قَوۡلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَدۡخِلۡنِي بِرَحۡمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (19)

15

المفردات :

أوزعني : ألهمني ويسر لي .

التفسير :

19-{ فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } .

التبسم : مبدأ الضحك من غير صوت ، والضحك : انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور مع صوت خفي ، فإن كان فيه صوت يسمع من بعيد فهو القهقهة .

ومعنى الآية :

فتبسم سليمان مسرورا ضاحكا راضيا من كلام النملة ، ومن نعمة الله عليه في فهم كلامها ، ومن شدة حسمها ، وقيامها بواجبها ، وتوضيح مقاصدها لطائفة النمل ، واحتراسها .

حين قالت : { يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون }

ولما رأى سليمان ذلك رضي وشمله السرور والرضا ، وأخذ في دعاء الله قائلا :

{ رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمتك عليّ وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } .

أي : قال : يا رب تفضلت عليّ بنعم كثيرة ، فألهمني وسخّرني ووفقني أن أقوم بشكر نعمك ، والثناء عليك ، والاعتراف لك بالفضل والمنة ، جزاء ما أنعمت به عليّ وعلى والديّ ، وزدني توفيقا ، حتى أعمل العمل الصالح الذي ترضاه وتقبله ، واجعلني ممن تشمله رحمتك وفضلك ، حتى أكون في جملة عبادك الصالحين ، الذين رضيت عنهم ورضوا عنك .

ومن هذه الآية ، نُدرك قيمة الصلاح وأنه غاية سامية يتطلع إليها الأنبياء والمرسلون ، حتى قال تعالى : { ونبيا من الصالحين } [ آل عمران : 39 ] . فالعبد الصالح قدر الله في الأرض ، تدعو له الملائكة ، ويتجاوب معه الكون ، ويصله السلام من ملايين المسلمين في كل صلاة ، ففي قراءة التشهد : [ السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ] .

وقد كان هذا الدعاء من سليمان من تواضع الكاملين ، فأبوه رسول أعطاه الله الفضل ، وأمّه زوجة نبي وأم نبي ، وهو رسول أكرمه الله ، لكن الهدف الأصيل عنده هو الوصول إلى رضا الله ، والقيام بشكره ، والتوفيق لأن يعمل عملا صالحا مخلصا يرضاه الله ، وأن ينتظم في سلك العباد الصالحين ، فما أجلها من نعم ، وما أفضلها من أدعية .

{ رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمتك عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{فَتَبَسَّمَ ضَاحِكٗا مِّن قَوۡلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَدۡخِلۡنِي بِرَحۡمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (19)

قوله تعالى : { فتبسم ضاحكاً من قولها } قال الزجاج : أكثر ضحك الأنبياء التبسم . وقوله { ضاحكاً } أي : متبسماً . قيل : كان أوله التبسم وآخره الضحك .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا يحيى بن سليمان ، حدثني ابن وهب ، أنبأنا عمرو ، هو ابن الحارث ، أنبأنا أبو نصر ، حدثه عن سليمان بن يسار ، عن عائشة قالت : " ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً قط ضاحكاً حتى أرى منه لهواته ، إنما كان يتبسم " .

أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني ، أنبأنا أبو القاسم الخزاعي ، أنبأنا الهيثم ابن كليب ، حدثنا أبو عيسى ، حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن المغيرة عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال : " ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم " . قال مقاتل : كان ضحك سليمان من قول النملة تعجباً ، لأن الإنسان إذا رأى مالا عهد له به تعجب وضحك ، ثم حمد سليمان ربه على ما أنعم عليه { وقال رب أوزعني } ألهمني ، { أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه ، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } أي : أدخلني في جملتهم ، وأثبت اسمي مع أسمائهم واحشرني في زمرتهم ، قال ابن عباس : يريد مع إبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، ومن بعدهم من النبيين . وقيل : أدخلني الجنة برحمتك مع عبادك الصالحين .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{فَتَبَسَّمَ ضَاحِكٗا مِّن قَوۡلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَدۡخِلۡنِي بِرَحۡمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (19)

ثم بين - سبحانه - ما فعله سليمان بعد أن أدرك ما قالته النملة لأفراد جنسها ، فقال - تعالى - : { فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا } أى : فسمع قولها السابق فاهتزت نفسه ، وتبسم ضاحكاً من قولها ، لفظنتها إلى تحذير أبناء جنسها ، ولسروره بما قالته عنه وعن جيشه ، حيث وصفتهم بأنهم لا يقدمون على إهلاك جنسها ، ولسروره بما قالته عنه وعن جيشه ، حيث وصفتهم بأنهم لا يقدمون على إهلاك النمل ، إلا بسبب عدم شعورهم بهم .

وقوله { ضَاحِكاً } حال مؤكدة لأنه قد فهم الضحك من التبسم .

وقيل : هو حال مقدرة ؛ لأن التبسم أول الضحك .

ثم حكى - سبحانه - ما نطق به سليمان بعد ذلك فقال : { وَقَالَ رَبِّ أوزعني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى وَالِدَيَّ . . . } .

أى : وقال سليمان : يا رب ألهمنى المداومة على شكرك والامتناع عن جحود نعمك ، والكف عن كل ما يؤدى إلى كفران مننك التى أفضتها على وعلى والدى .

ووفقنى كذلك لأن { أَعْمَلَ } عملاً { صَالِحاً تَرْضَاهُ } عنى وتقبله منى { وَأَدْخِلْنِي } يا إلهى { بِرَحْمَتِكَ } وإحسانك { فِي عِبَادِكَ الصالحين } الذين رضيت عنهم ورضوا عنك .

وهكذا جمع سليمان - عليه السلام - فى هذا الدعاء البليغ المؤثر ، أسمى ألوان الخشية من الله - تعالى - والشكر له - سبحانه - على نعمه ، والرجاء فى رضاه وعطائه الجزيل .