{ يا أيها الناس ضرب مثل } بين لكم حال مستغربة أو قطة رائعة ولذلك سماها مثلا ، أو جعل لله مثل أي مثل في استحقاق العبادة . { فاستمعوا له } للمثل أو لشأنه استماع تدبر وتفكر . { إن الذين تدعون من دون الله } يعني الأصنام ، وقرأ يعقوب بالياء وقرئ مبنيا للمفعول والراجع إلى الموصول محذوف على الأولين . { لن يخلقوا ذبابا } لا يقدرون على خلقه مع صغره لأن { لن } بما فيها من تأكد النفي دالة على منافاة ما بين المنفي والمنفي عنه و{ الذباب } من الذب لأنه يذب وجمعه أذبة وذبان . { ولو اجتمعوا له } أي للخلق هو بجوابه المقدر في موضع حال جيء به للمبالغة ، أي لا يقدرون على خلقه مجتمعين له متعاونين عليه فكيف إذا كانوا منفردين . { وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه } جهلهم غاية التجهيل بأن أشركوا إلها قدر على المقدورات كلها وتفرد بإيجاد الموجودات بأسرها تماثيل هي أعجز الأشياء ، وبين ذلك بأنها لا تقدر على خلق أقل الأحياء وأذلها ولو اجتمعوا له ، بل لا تقوى على مقاومته هذا الأقل الأذل وتعجز عن ذبه عن نفسها واستنقاذ ما يختطفه من عندها . قيل كانوا يطلونها بالطيب والعسل ويغلقون عليها الأبواب فيدخل الذباب من الكوى فيأكله . { ضعف الطالب والمطلوب } عابد الصنم ومعبوده ، أو الذباب يطلب ما يسلب عن الصنم من الطيب والصنم يطلب الذباب منه السلب ، أو الصنم والذباب كأنه يطلبه ليستنقذ منه ما يسلبه ولو حققت وجدت الصنم أضعف بدرجات .
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ( 73 ) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 74 ) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 75 ) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 76 ) }
73 - يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ .
ضرب : جعل وبين لكم حال مستغربة .
لا يستنقذوه : لا يقدروا على استنقاذه .
يا كل الناس ، سأحكي لكم قصة عجيبة ، فاستمعوا لها ، بتدبر وتعقل ، والمثل قول سائر يشبه مضربه – وهو الذي ضرب فيه – بمورده – وهو الذي ورد فيه أولا – وما ذكر في الآية ليس مثلا لكنه قصة عجيبة تشبه المثل في غرابتها واستحسانهاxlvii .
إن المعبودات الباطلة التي تعبدونها أيها المشركون لن تستطيع أن تخلق ذبابة واحدة ، حتى لو اشتركت جميعها في محاولة خلق هذه الذبابة .
روى الشيخان وأحمد ، عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( قال الله عز وجل : ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ؟ فليخلقوا ذرة ، فليخلقوا شعيرة )xlviii .
وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ .
أي : فضلا عن عجز الأصنام مجتمعة عن خلق ذبابة ، فإن الذباب لو اختطف منها شيئا من الأشياء ، لا تستطيع الأصنام استرداده لعجزها عن ذلك .
عن ابن عباس : أنهم كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ، ورءوسها بالعسل ، فإذا سلبه الذباب عجزت الأصنام عن أخذهxlix .
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ .
أي : ضعف الصنم ، فهو عاجز تماما عن الحركة ، أو استرداد ما أخذ منه ، وضعف المطلوب وهو الذباب .
وخص الذباب لأربعة أمور تخصه : لمهانته ، وضعفه ، ولاستقذاره ، وكثرته ، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره ، لا يقدر من عبدوه من دون الله على خلق مثله ، ودفع أذيته ، فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين ، وأربابا مطاعين ، وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان .
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ .
الطالب العابد الذي يطلب الخير من الصنم ، والمطلوب الذي هو الصنم ، فكل منهما حقير ضعيف .
فالله سبحانه هو القوي المتين ، وهو يمد بالقوة والنصر من أطاعه والتزم منهجه ، أما من عصاه فهو هين ضعيف مهين ، وكذلك الصنم الذي يعبد من دون الله .
{ ضرب مثل } : أي جعل مثل هو ما تضمنه قوله تعالى : { إن الذين تدعون . . الخ } .
{ لن يخلقوا ذباباً } : أي لن يستطيعوا خلق ذبابة وهي أحقر الحيوانات تتخلق من العفونات .
{ ولو اجتمعوا } : أي على خلقه فإنهم لا يقدرون ، فكيف إذا لم يتجمعوا فهم أعجز .
{ لا يستنقذوه منه } : أي لا يستردوه منه وذلك لعجزهم .
{ ضعف الطالب والمطلوب } : أي العابد والمعبود .
ما زال السياق الكريم في الدعوة إلى التوحيد والتنديد بالشرك والمشركين يقول تعالى : { يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له } أي يا أيها المشركون بالله آلهة أصناماً ضرب لآلهتكم في حقارتها وضعفها وقلة نفعها مثل رائع فاستمعوا له . وبينه بقوله : { إن الذين تدعون من دون الله } من أوثان وأصنام { لن يخلقوا ذباباً } وهو أحقر حيوان وأخبث أي اجتمعوا واتحدوا متعاونين على خلقه ، ألو يم يجتمعوا له فإنهم لا يقدرون على خلقه وشيء آخر وهو إن يسلب الذباب الحقير شيئاً من طيب آلهتكم التي تضمّخونها به ، لا تستطيع آلهتكم أن تسترده منه فما أضعفها إذاً وما أحقرها إذا كان الذباب أقدر منها وأعز وأمنع .
وقوله تعالى : { ضعف الطالب والمطلوب } أي ضعف الصنم والذباب معاً كما ضعف العابد المشرك والمعبود الصنم .
قوله تعالى : ( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ( 73 ) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز ( 74 ) ) المراد بالمثل الشبيه . والمقصود به هنا الأصنام التي كانت مصفوفة من حول الكعبة والتي عبدها المشركون من دون الله . وهذا خطاب من الله للناس منبها على حقارة الأصنام ، ومنددا بسفاهة أحلام الجاهلين وسخفها ؛ أي جعل لي المشركون السفهاء شبيها في عبادتي ؛ أي أصناما عبدوها من دوني . قوله : ( فاستمعوا له ) أي جعل المشركون لي شبيها في عبادتي فاستمعوا حال هذا الشبيه وتدبروه لتعلموا مبلغ الحماقة المسفة التي انحدرت إلى حضيضها عقول الجاهلين السفهاء . وذلك قوله : ( إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ) الذباب ، اسم واحد للذكر والأنثى ، وجمعه في الكثرة ذُبان . وفي القلة : أذبة . والواحدة ذبابة{[3148]} . والمعنى : أن الأصنام التي عبدتموها من دون الله ليست سوى أحجار صُم لا تعي ولا تدرك . ولا تملك أن تخلق ذبابا وهو أبسط أنواع الحشرات وأشدها هوانا وضعفا ؛ بل إن الذباب من الحشرات التي تستقذرها النفوس وتتقزز منها الطبائع البشرية لحقارتها وقذرها . هذه الحشرة البسيطة المستقذرة لا تملك الأصنام البلهاء الصم- وإن اجتمعت جميعا- أن تخلق شيئا منها .
قوله : ( وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ) الاستنقاذ ، معناه التخليص . وقد ذكر أن المشركين كانوا يطلون أصنامهم بالزعفران . وقيل : بالطعام فيقع عليه الذباب ليأكل منه . والمعنى : إذ وقع الذباب على هذه الأصنام فأخذ مما عليها شيئا ، لا تستطيع الأصنام أن تستخلص شيئا مما أخذه الذباب منها . والمراد إخبار الناس أن هذه الأصنام عاجزة عن خلق ذباب وهو المستقذر المهين ؛ بل إنها عاجزة عن استنقاذ شيء مما يسلبه الذباب منها .
قوله : ( ضعف الطالب والمطلوب ) ( الطالب ) معناه الأصنام المتخذة آلهة . ( والمطلوب ) ، الذباب ؛ أي عجز الطالب وهي الأصنام المعبودة من دون الله أن تستنقذ ما سلبه الذباب منها . وذلك غاية في التنديد بالمشركين الضالين الذين يذعنون بالخشوع والتقديس لهذه الأصنام البلهاء الصم التي لا تصنع حشرة مهينة قذرة كالذباب . وأعجز عن استرداد ما يسلبه الذباب منها .