{ وقرآنا فرقناه } نزلناه مفرقا منجما . وقيل فرقنا فيه الحق من الباطل فحذف الجار كما في قوله : ويوماً شهدناه ، وقرئ بالتشديد لكثرة نجومه فإنه نزل في تضاعيف عشرين سنة . { لتقرأه على الناس على مُكثٍ } على مهل وتؤدة فإنه أيسر للحفظ وأعون في الفهم وقرئ بالفتح وهو لغة فيه . { ونزّلناه تنزيلا } على حسب الحوادث .
فرقناه : نزلناه مفرقا على حسب الحوادث . وقيل : فرقنا فيه الحق من الباطل .
على مكث : أي : على مهل . وقرئ على مكث بفتح الميم ، وكلاهما بمعنى التؤدة والتأني .
106- { وقرآنا فرقناه لتقرأه على النّاس على مكث ونزّلناه تنزيلا . . . }
{ وقرآنا{[514]} فرقناه } أي : جعلنا نزوله مفرقا منجما ، وقرئ : فرقناه بالتشديد{[515]} .
قال ابن عباس : لم ينزل في يومين أو ثلاثة بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة{[516]} .
{ لتقرأه على الناس على مكث } أي : على مهل وتؤدة وتثبت ، فإنه أيسر للحفظ وأعون على الفهم .
{ ونزّلناه تنزيلا } أي : على حسب المصالح والحوادث ، فقد كان القرآن كتاب الحياة يعالج أخطاءها ، ويقوم عوجها ، ويجيب على أسئلة السائلين ، ويرد على شبه المخالفين ، وإذا تتبعنا أسباب نزول القرآن ؛ ظهرت الحكمة واضحة ، في تفريق القرآن ونزوله نجوما ؛ لأن النفوس إذا وقعت في مشكلة ؛ تشوفت إلى آيات تحلها ، وتأخير الآيات إلى وقت الحاجة ؛ يجعل النفوس تتعلق بها وتتذكر قصتها كلما قرأتها .
فمشروعية التيمم ، وحد اللعان ، وحد القذف ، وحد الزنا ، وتحريم الخمر ، وتحريم التخلف عن الجهاد ، وتحريم التبني ، وكثير من الأحكام المشابهة ، كانت قضايا ومشاكل في المجتمع تحتاج إلى حل وبيان فكانت آيات القرآن تنزل إثر كل مشكلة توضح حكمها ، وتبين حلها .
ففي كتب الصحاح : أن المسلمين تأخروا في بعض الغزوات ؛ ليبحثوا عن عقد للسيدة عائشة ، ولم يكن معهم ماء ؛ فنزلت آية التيمم .
وأن رجلا اتهم زوجته بالزنا ؛ فنزلت آية اللعان .
واتهم بعض الناس السيدة عائشة بالزنا مع صفوان ابن المعطل ؛ فنزل حد القذف .
وسكر بعض المسلمين وأساء للآخرين ؛ فنزل تحريم الخمر .
وتخلف ثلاثة من المسلمين عن غزوة تبوك ؛ فنزلت سورة التوبة تفضح المنافقين وتلوم المتخلفين .
وكان التبني معروفا في الجاهلية وصدر الإسلام ، ثم حرم القرآن التبني وأمر الله رسوله أن يتزوج مطلقة ابنه المتبني ، ليشرع بنفسه للناس إبطال هذه العادة .
وهكذا نجد أن نزول القرآن مفرقا في عشرين سنة كان فرصة مناسبة ؛ ليشرع الأحكام ، ويبين الحدود ، ويوضح الحلال والحرام ، وكان الصحابة يتسابقون إلى العمل بالآيات قبل أن يحفظوها ، فطبقوا القرآن سلوكا وهديا ، وتعبدا وعملا ، مع عنايتهم به قراءة وحفظا .
أخرج البيهقي في الشعب عن عمر رضي الله عنه أنه قال : تعلموا القرآن خمس آيات ، خمس آيات ، فإن جبريل عليه السلام كان ينزل خمسا خمسا ، وكذلك أخرج ابن عساكر عن أبي سعيد الخدري ، والمراد : أن الغالب كذلك ؛ فقد صح أنه نزل بأكثر من ذلك وبأقل منه .
{ 106-109 } { وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا * قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا }
أي : وأنزلنا هذا القرآن مفرقًا ، فارقًا بين الهدى والضلال ، والحق والباطل . { لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ } أي : على مهل ، ليتدبروه ويتفكروا في معانيه ، ويستخرجوا علومه .
{ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا } أي : شيئًا فشيئًا ، مفرقًا في ثلاث وعشرين سنة .
{ ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا } فإذا تبين أنه الحق ، الذي لا شك فيه ولا ريب ، بوجه من الوجوه ف :
ثم بين - سبحانه - الحكم التى من أجلها أنزل القرآن مفصلاً ومنجمًا ، فقال : { وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً } .
ولفظ : { قرآنا } منصوب بفعل مضمر أى : وآتيناك قرآنا .
وقوله : { فرقناه } أى : فصلناه . أو فرقنا فيه بين الحق والباطل . أو أنزلناه منجمًا مفرقًا .
قال الجمل : وقراءة العامة { فرقناه } بالتخفيف . أى : بينا حلاله وحرامه . . .
وقرأ على وجماعة من الصحابة وغيرهم بالتشديد وفيه وجهان : أحدهما : أن التضعيف للتكثير . أى : فرقنا آياته بين أمر ونهى وحكم وأحكام .
ومواعظ وأمثال وقصص وأخبار . والثانى : أنه دال على التفريق والتنجيم .
وقوله { على مكث } أى : على تؤدة وتمهل وحسن ترتيل ، إذ المكث التلبث فى المكان ، والإِقامة فيه انتظارًا لأمر من الأمور .
والمعنى : " ولقد أنزلنا إليك - أيها الرسول - هذا القرآن ، مفصلاً فى أوامره ونواهيه ، وفى أحكامه وأمثاله . . . ومنجما فى نزوله لكى تقرأه على الناس على تؤدة وتأن وحسن ترتيل ، حتى يتيسر لهم حفظه بسهولة ، وحتى يتمكنوا من تطبيق تشريعاته وتوجيهاته تطبيقًا عمليًا دقيقًا .
وهكذا فعل الصحابة - رضى الله عنهم - : فإنهم لم يكن القرآن بالنسبة لهم متعة عقلية ونفسية فحسب ، وإنما كان القرآن بجانب حبهم الصادق لقراءته وللاستماع إليه منهجًا لحياتهم ، يطبقون أحكامه وأوامره ونواهيه وآدابه . . . فى جميع أحوالهم الدينية والدنيوية .
قال أبو عبد الرحمن السلمى : حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن ، أنهم كانوا يستقرئون عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يتركوها حتى يعملوا بما فيها " فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا " .
وقوله - سبحانه - : { ونزلناه تنزيلاً } أى : ونزلناه تنزيلاً مفرقًا منجمًا عليك يا محمد فى مدة تصل إلى ثلاث وعشرين سنة ، على حسب ما تقتضيه حكمتنا ، وعلى حسب الحوادث والمصالح ، وليس من أجل تيسير حفظه فحسب .
قوله : ( وقرآنا فرقناه ) ( قرآنا ) ، منصوب بفعل مقدر ، يفسره ( فرقناه ) {[2760]} و ( فرقناه ) ، بتخفيف الراء ؛ أي فصلناه وبيناه وأوضحناه ، وفرقنا فيه بين الحق والباطل . وقيل : بتشديد الراء ، فيكون المعنى : أنزلنا شيئا بعد شيء وآية بعد آية ، لا جملة واحدة ؛ أي أن الله أنزل القرآن آية آية وسورة سورة . قال ابن عباس : أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة . وقيل أكثر . ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا ثم نزل مفرقا منجما على الوقائع إلى رسول الله ( ص ) في ثلاث وعشرين سنة .
قوله : ( لتقرأه على الناس على مكث ) أي على مَهَلٍ وترسّل وتؤدة . قوله : ( ونزلناه تنزيلا ) أي أنزلناه مفرقا منجما .