أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{وَسۡـَٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ} (45)

{ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا } أي واسأل أممهم وعلماء دينهم ، وقرأ ابن كثير والكسائي بتخفيف الهمزة . { أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } هل حكمنا بعبادة الأوثان وهل جاءت في ملة من مللهم ، والمراد به الاستشهاد بإجماع الأنبياء على التوحيد والدلالة على أنه ليس بدع ابتدعه فيكذب ويعادي له ، فإنه كان أقوى ما حملهم على التكذيب والمخالفة .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَسۡـَٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ} (45)

36

التفسير :

45- { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمان آلهة يعبدون } .

إن التوحيد والإقرار لله تعالى بالوحدانية هو رسالة جميع الرسل ، دعا إليه نوح وإبراهيم وهود وصالح وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ، والتوحيد فطرة تنطق بها الأرض والسماء .

كما يقول القائل :

سل الأرض من شق أنهارك ، وغرس أشجارك ، وجنى ثمارك ، سل السماء من نجم نجومها ، وسخر شمسها وقمرها ، وأضاء نهارها وأظلم ليلها .

قال أبو حيان : والسؤال هنا مجاز عن النظر في أديان الأنبياء ، هل جاءت عبادة الأوثان في ملة من مللهم ؟

وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت . . . } ( النحل : 36 ) .

ويصح أن يكون السؤال في الآية موجها إلى كل واحد من قريش .

وكأنه قيل : وليسأل كل واحد منكم أمم من أرسلنا قبلك من رسلنا ، هل شرع لأي أمة عبادة الأوثان أو الأصنام أو غيرها من دون الله تعالى .

أي : إنك يا محمد لم تأت قومك حين دعوتهم إلى التوحيد بأمر ابتدعته من عند نفسك ، بل هو أمر مجمع عليه من سائر المرسلين قبلك ، وهذا يدل على وحدة الدين الحق في أصوله ، ووحدة مهمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .

ومن المفسرين من قال : سبب هذه الآية أن اليهود والمشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن ما جئت به مخالف لمن كان قبلك ، فأمره الله بسؤال الأنبياء على جهة التوقيف والتقرير والتأكيد ، لا لأنه كان في شك منه .

ويؤخذ من الآية ما يأتي :

دين التوحيد قديم ، ونبذ الشرك قديم ، فلذا سئلت أمم الرسل عليهم الصلاة والسلام :

هل أذن الله بعبادة الأوثان ؟

وهل أمر بعبادة غير الله ؟

والسبب الأقوى في بغض الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم وعداوتهم له هو إنكاره لأصنامهم ، فبين الله أنه غير مخصوص بهذا الإنكار ، ولكنه دين كل الأنبياء .

وإذا استعرضنا سورة ( هود ) ، فسنجد أنها ذكرت قصة نوح عليه السلام وهو يدعو قومه إلى التوحيد ، ثم نجد مثل ذلك في الآية ( 50 ) من نفس السورة : { وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . . }

وفي الآية ( 61 ) : { وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . . }

ثم نجد في الآية ( 84 ) من نفس السورة : { وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . . }

أي أن الدعوة إلى توحيد الله تعالى ، والتوجه إليه وحده بالعبادة والطاعة ، والبعد عن ارتكاب المعاصي ، كانت رسالة جميع الرسل والأنبياء .

قال صلى الله عليه وسلم : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )9 .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَسۡـَٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ} (45)

ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا التثبيت لنبيه - صلى الله عليه وسلم تثبيتا آخر فقال : { وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرحمن آلِهَةً يُعْبَدُونَ } .

والمقصود من الآية الكريمة بيان أن الرسل جميعا ، قد دعوا أقوامهم إلى عبادة الله - تعالى - وحده ، كما قال - سبحانه - : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة } وكما قال - تعالى - : { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون } قال صاحب الكشاف ما ملخصه : ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال لاستحالته ، ولكنه مجاز عن النظر فى أديانهم ، وأنهم ما جاءوا قط بعبادة الأوثان ، وإنما جاءوا بالأمر بعبادة الله - تعالى - وحده . .

وقيل : إن النبى - صلى الله عليه وسلم - جمع الله له الأنبياء ، فى ليلة الإِسراح فى بيت المقدس ، فصلى بهم إماما ، وقيل له سلهم : فلم يتشك ولم يسأل .

وقيل معنا ، سل أمم من أرسلنا من قبلك ، وهم أهل الكتابين : التوارة والإِنجيل فإذا سألهم فكأنما سأل - رسلهم - فالكلام على حذف مضاف .

فالآية الكريمة تقرر على كل الوجوب بأبلغ أسلوب ، أن جميع الرسل قد جاءوا بعقيدة واحدة ، وبدين واحد ، هو عبادة الله - تعالى - ونبذ كل معبود سواه .